كانت إشادة المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا بسياسة التقشف الفعالة للرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي بمثابة بقعة ضوء خلف الهالة السلبية التي أحاطت بمنتخب الأرجنتين بسبب سلوك لاعبيه العدائي طوال مشواره في بطولة كأس العالم التي خسرها لصالح إسبانيا.
كسب ميلي حتى الآن أشواطا مهمة في أجندة الإصلاح الاقتصادي في الأرجنتين بشهادة جورجييفا، مما أعاد الثقة إلى الأسواق في بلد طالما اعتُبر متعثرا بشكل متكرر في سداد ديونه السيادية.
وباعتبارها أكبر دولة مدينة للصندوق، إذ تبلغ قيمة قروضها المستحقة له نحو 58 مليار دولار، تواجه الأرجنتين فترة حاسمة لسداد الديون تبدأ العام المقبل، في الوقت الذي يُتوقع أن يسعى فيه ميلي إلى إعادة انتخابه.

نفض الغبار
لكن النجاحات النسبية التي حققها ميلي لكبح التضخم قد تواجه اليوم خطر الانتكاسة، ليس بسبب المؤشرات والأرقام الاقتصادية ولكن بسبب السمعة العالمية التي أحاطت برفاق ليونيل ميسي بعد أداء شابه العنف والعدوانية فضلا عن سلوكيات عنصرية في المدرجات، وهي أحداث كانت كفيلة بنفض الغبار عن تاريخ مثير للجدل للأرجنتين ظل لعقود طويلة متواريا عن أنظار المجتمع الدولي، بما في ذلك جمهور كرة القدم.
لم تقف الخسارة عند تسليم كأس البطولة إلى إسبانيا، بل تجاوزت ذلك إلى فتح الباب لحملة تدقيق واسعة في وسائل الإعلام ومواقع دولية متخصصة في سجل الأرجنتين. وأدى ذلك بالخصوص إلى إثارة مسألة التنوع المفقود في المنتخب الوطني، إذ برز منتخب الأرجنتين الوحيد من بين المنتخبات المشاركة التي لا يمثلها لاعبون سود رغم ارتباطه الوثيق بحقبة “التجارة المثلثة” التي حملت الملايين من العبيد من أفريقيا إلى دول أمريكا اللاتينية بما في ذلك الأرجنتين.
الحديث عن غياب ممثلين سود في منتخب التانغو دفع إلى البحث في السجلات عن الحقائق المرتبطة بهذه الأقلية، بين التضحية بها في حرب الاستقلال وتهميشها في التعداد الوطني، مع ما رافق ذلك من فتح باب الهجرة المكثفة للأوروبيين الوافدين في منتصف القرن الـ19، فيما بدا كعملية “استيراد” منظمة لملايين البيض، ضمن مخطط يصفه المؤرخون بأنه محاولة إعادة تشكيل ملامح البلد اللاتيني بعباءته الأوروبية كما نعرفه اليوم.
وفي الواقع فقد خيبت الأرجنتين ظن “العالم الحر” منذ وقوفها في مارس/آذار الماضي بوجه قرار الأمم المتحدة تصنيف تجارة الرقيق عبر الأطلسي أخطر جريمة ضد الإنسانية، لتنضم في موقفها ذاك إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما جعلها موضع انتقاد لاذع من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، باتهامها بالنزوع إلى بناء أيديولوجية عنصرية وتبرير ما لا يمكن تبريره.
تضرر القوة الناعمة
وربما من حيث لا يدري، يتجه منتخب التانغو إلى خسارة صورته بوصفه قوة ناعمة لدولة الأرجنتين التي نحتت إرثا كرويا لا يستهان به مع فوزها بثلاث كؤوس عالمية وإنجابها أيقونتين مثل الراحل دييغو مارادونا وليونيل ميسي.
ومع ذلك تضع السياسة وكرة القدم نفسها الأرجنتين في قلب التناقضات، فهي تفاخر بمارادونا المعارض للإمبريالية الأمريكية ونفوذ الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) وتشي جيفارا الثائر ضد الإمبراطوريات الاستعمارية، ولكنها في الوقت نفسه تواجه اتهامات اليوم بالتشجيع على سحق الروح الرياضية فوق الملعب والتغاضي عن سلوكيات وُصفت بالعنصرية وسط المدرجات.
والآن، ومع أن الستار قد أسدل على كأس العالم منذ أيام، إلا أن ردود الأفعال الدولية على منصات التواصل الاجتماعي وفي المنابر الرسمية لا تتوقف، وكان آخرها ما صدر عن نجم الكرة الألمانية السابق رودي فولر، الذي تحدث علنا عن استبعاد “منتخب الأرجنتين كمثال يُحتذى به” بسبب أسلوب لعبه العدواني المناقض للروح الرياضية.
وأبعد من ذلك، فإن تداعيات سلوك إنزو فرنانديز الذي أقصي في المباراة النهائية ولكمات لياندرو باريديس ضد لاعبي إسبانيا بعد صفارة النهاية، قد تلقي بظلالها على نتائج عمليات اقتراع غير رسمية، يجريها مجلس الأمن خلف أبواب مغلقة لتقييم مدى التأييد الذي يحظى به المرشحون السبعة المتنافسون حاليا على منصب الأمين العام المقبل للأمم المتحدة.

وعلاقة ذلك بالأرجنتين أن المرشح الأرجنتيني رافائيل غروسي رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة، يظهر منافسا جديا لخلافة الأمين العام الحالي أنطونيو غوتيريش، لكن السياق الحالي قد يمثل حجر عثرة في وجه غروسي.
وقد لا يتعلق الأمر بالانطباع الدولي عن منتخب الأرجنتين فحسب، ولكن أيضا بالرئيس خافيير ميلي نفسه، الذي أظهر حماسا كبيرا في الدفاع عن إسرائيل في ذروة حرب الإبادة على قطاع غزة، وهو ما عزز بشكل غير مباشر حالة الاستقطاب في نهائي كأس العالم بين جماهير مؤيدة لإسبانيا لدعمها الفلسطينيين وأخرى معزولة لتشجيعها منتخبا “لا يبدي اعتراضا على إبادة الأطفال”.
هل هناك حملة؟
الوضع من حول صورة الأرجنتين قد يزداد تعقيدا مع صدور اتهامات مباشرة عن الرئيس خافيير ميلي قبل يومين، تجاه البرازيل والمكسيك بقيادة حملة تشويه ضد بلده، من دون أن يطرح أي أدلة تثبت مزاعمه.
ومثل هذه التعليقات نفسها كانت سائدة خلال بطولة كأس العالم عام 1978، التي استضافتها الأرجنتين، عندما ادعى المجلس العسكري أن انتقاد انتهاكات النظام لحقوق الإنسان كان كذلك جزءا من “حملة مناهضة للأرجنتين”.
لكن تعليقات ميلي لم تكن معزولة، ففي الأرجنتين -كما تشير إلى ذلك صحيفة الغارديان البريطانية- يسري انطباع أيضا بأن الانتقادات ما كان يجب أن تصدر من “إمبراطوريات قديمة” احترفت استعباد البشر والمتاجرة بهم في القرون السابقة، في إشارة إلى تجارة الرقيق عبر الأطلسي.
ويعتقد ميلي -في سياق الاتهامات التي كالها لخصومه الإقليميين- أن الانتقادات ضد الأرجنتين لم تكن عفوية، بل كانت جزءا من حملة منظمة تستهدف مشروعه السياسي، معتبرا أن نجاح الاقتصاد الأرجنتيني وتحسن أوضاع المواطنين يمثلان سببا في رغبة خصومه في مهاجمته.

ومع أن الرئيس الأرجنتيني لم يكشف عن طبيعة هذه “الحملة” ولا الوسائل التي استُخدمت ضد منتخب بلاده خلال المونديال، إلا أنها تأتي في سياق توتر متصاعد مع البرازيل، بعدما استدعت الأخيرة سفيرها لدى الأرجنتين للتشاور احتجاجا على تصريحات عدائية صدرت عن الرئيس ميلي ضد الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بالخصوص.
لكن أكثر ما أثار الجدل في الأرجنتين هو المنشور الذي صدر قبل ساعات من المباراة النهائية، عن الممثل الأمريكي صامويل إل جاكسون عبر حسابه على تطبيق إنستغرام، الذي جاء فيه “أعزائي السود، من فضلكم لا تهتفوا أو تشجعوا الأرجنتين للفوز بكأس العالم لكرة القدم. لقد كانت الأرجنتين تاريخيا واحدة من الدول العنصرية، إن لم تكن أكثرها، في العالم”.
وأثار هذا المنشور ردود فعل متضاربة حتى داخل منظمات حقوق الإنسان، مثل منظمة العفو الدولية في الأرجنتين، التي اعترفت بوجود العنصرية في البلاد لكنها انتقدت “تحويل الأرجنتين إلى صورة نمطية” لهذا السلوك.
وتنقل الغارديان عن الباحثة ناتاليا أروغيتي في المجلس الوطني للبحوث العلمية والتقنية في الأرجنتين والمتخصصة في وسائل التواصل الاجتماعي والأجندات السياسية قولها إن ما فعله ميلي هو تحويل جدل على منصات الإنترنت إلى صراع سياسي يناسب روايته عن “الحرب الثقافية” ضد اليسار، في وقت تواجه فيه إدارته “تدهورا داخليا”، حيث يبدو التضخم تحت السيطرة، لكن ارتفاع معدلات البطالة وفضائح الفساد تدفع شعبية الرئيس إلى أدنى مستوياتها منذ توليه منصبه.
المصدر: الجزيرة