رغم عدم إعلان الصين انخراطها عسكريا في المواجهة الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، فإن اسمها لا يزال يتكرر في منشورات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي تزعم تقديمها دعما عسكريا مباشرا لطهران.
وجاء أحدث هذه الادعاءات عقب تقرير نشرته وكالة رويترز نقلا عن مصادر، أفاد بأن إيران قد تتسلم خلال أسابيع نحو 400 صاروخ دفاع جوي محمول على الكتف صيني الصنع، ضمن مساع لتعزيز قدراتها الدفاعية في ظل الحرب الدائرة مع الولايات المتحدة.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
وبالتزامن مع انتشار التقرير، تداولت حسابات موالية لإيران منشورات زعمت أن 16 طائرة شحن عسكرية صينية وصلت إلى إيران خلال 56 ساعة، ووصفت ذلك بأنه “أكبر عملية نقل جوي مسجلة”، في محاولة للإيحاء بوجود جسر جوي عسكري صيني لدعم طهران.
ولتعزيز هذه الرواية، أرفقت الحسابات مقطع فيديو يظهر طائرة النقل العسكرية الصينية، مدعية أنه يوثق وصول إحدى الطائرات إلى إيران ضمن تلك الرحلات.
فما حقيقة هذا الفيديو؟ وهل يوثق بالفعل وصول طائرات شحن عسكرية صينية إلى إيران؟
كيف انتشر الادعاء؟
أظهر تتبع مسار انتشار الادعاء أن أول نسخة أمكن الوصول إليها نُشرت عبر حساب “GBC” على منصة “إكس” بتاريخ 28 يوليو/تموز، حيث زعم أن 16 طائرة شحن عسكرية صينية وصلت إلى إيران خلال 56 ساعة، واصفا ذلك بأنه “أكبر عملية نقل جوي مسجلة”، دون إيراد أي دليل أو الإشارة إلى مصدر رسمي أو بيانات ملاحية تدعم هذا الادعاء.
وبعد ساعات، انتشر الادعاء على نطاق واسع عبر عشرات الحسابات الناطقة بالعربية والإنجليزية، التي أعادت تداوله بالصياغة نفسها، مع إرفاقه بمقطع فيديو لطائرة النقل العسكرية الصينية “شيآن واي-20″ ، للإيحاء بأنه يوثق وصول الطائرات إلى إيران.
كما أظهر تحليل نمط إعادة النشر أن المقطع والادعاء انتقلا بسرعة عبر شبكة من الحسابات التي اعتادت نشر محتوى مؤيد لإيران، من بينها حساب ” Iran Force”، إلى جانب حسابات أخرى أعادت نشر الرواية ذاتها دون تقديم أي وثائق أو صور أو بيانات رحلات أو تصريحات رسمية تثبت حدوث هذا الجسر الجوي المزعوم.
ولم تقتصر أوجه التشابه بين هذه المنشورات على مضمونها، بل امتدت إلى استخدام العبارات نفسها والأرقام ذاتها، وهو ما يشير إلى اعتمادها على مصدر أولي واحد، قبل أن يُعاد تداولها على نطاق واسع عبر حسابات متقاربة في توجهها.
وأسهم تزامن انتشار الادعاء مع تقرير نشرته وكالة رويترز حول احتمال تزويد إيران بمنظومات دفاع جوي محمولة على الكتف في منح الرواية قدرا من المصداقية لدى بعض المتابعين، رغم أن تقرير الوكالة لم يتضمن أي إشارة إلى وجود جسر جوي صيني، أو رحلات شحن عسكرية بين الصين وإيران، أو وصول طائرات النقل “شيآن واي-20” إلى الأراضي الإيرانية.
كيف تحققنا؟
اعتمد فريق التحقق في وحدة المصادر المفتوحة بشبكة الجزيرة على منهجية تحقق متعددة المراحل، جمعت بين تحليل المصادر المفتوحة والبيانات الرسمية والأدلة البصرية، بهدف التحقق من صحة الادعاء الذي يزعم وصول 16 طائرة شحن عسكرية صينية إلى إيران خلال 56 ساعة، والتأكد مما إذا كان الفيديو المتداول يوثق بالفعل تلك الرحلات.
وبدأت عملية التحقق بتتبع المصدر الأول للادعاء، ورسم خريطة لانتشاره على منصات التواصل الاجتماعي، لتحديد الحسابات التي أطلقت الرواية لأول مرة، وكيفية انتقالها بين الحسابات المختلفة، وما إذا كانت تستند إلى أي مصدر رسمي أو بيانات يمكن التحقق منها.
وفي المرحلة الثانية، أجرى الفريق تحليلا بصريا للفيديو، عبر فحص لقطات منه بالبحث العكسي للكشف عن أقدم النسخ المنشورة منه، وتحديد سياقه الأصلي، ومعرفة ما إذا كان قد أُعيد استخدامه خارج سياقه الحقيقي.
وبالتوازي مع ذلك، راجع الفريق بيانات تتبع الرحلات الجوية ومنصات الرصد المفتوحة، لرصد أي حركة استثنائية لطائرات الشحن العسكرية الصينية خلال الفترة الزمنية المذكورة في الادعاء، ومقارنة تلك البيانات بما ورد في المنشورات المتداولة.
كما شمل التحقق كذلك مراجعة البيانات والتصريحات الرسمية الإيرانية والصينية، إضافة إلى التقارير الإعلامية الموثوقة، للبحث عن أي إعلان أو مؤشر يؤكد وجود جسر جوي عسكري بين البلدين خلال تلك الفترة.
فيديو قديم وادعاء متجدد
أظهر البحث في الوكالات ووسائل الإعلام الإيرانية عدم وجود أي إعلان أو تغطية تشير إلى وصول 16 طائرة شحن عسكرية صينية إلى إيران، كما لم تنشر أي جهة رسمية أو وسيلة إعلام موثوقة صورا أو مقاطع توثق وصول هذا العدد من الطائرات.
كما راجع فريق التحقق بيانات منصة “فلايت رادار 24” خلال الفترة الممتدة بين 26 و29 يوليو/تموز، ولم يرصد أي رحلة لطائرة شحن عسكرية صينية من طراز “شيآن واي-20” متجهة إلى المطارات الإيرانية.
ورغم أن الطائرات العسكرية قد تُشغل أحيانا رحلات مع إيقاف أجهزة التتبع، بما يحول دون ظهورها على المنصات المدنية، فإن ذلك لا يُعد دليلا على صحة الادعاء، خاصة في ظل غياب أي تأكيد رسمي أو صور أو بيانات ملاحية أو مصادر مفتوحة موثوقة تشير إلى تنفيذ جسر جوي عسكري بين الصين وإيران.
وأظهر تحليل الفيديو المتداول أنه لا يوثق رحلة واحدة، بل يتكون من عدة لقطات مصورة في أماكن وأوقات مختلفة. كما كشفت مراجعة بعض المشاهد وجود لافتات مكتوبة باللغة الصينية، ما يشير إلى أن التصوير جرى داخل الصين، ولا علاقة له بإيران أو بالأحداث الجارية.
كما أظهر البحث أن الادعاء نفسه سبق تداوله خلال يناير/كانون الثاني الماضي، بالصياغة ذاتها والأرقام نفسها، قبل أن يُعاد نشره بالتزامن مع التصعيد العسكري الحالي.
ولم يعثر فريق التحقق على أي دليل يدعم المزاعم بوصول 16 طائرة شحن عسكرية صينية إلى إيران خلال 56 ساعة.
المصدر: الجزيرة