عرض عماني ومسار جديد لإدارة مضيق هرمز.. ماذا تحمل المفاوضات الجارية؟

تسابق طهران ومسقط الزمن لاحتواء تداعيات التصعيد الإقليمي والتوصل إلى تفاهم بشأن إدارة مضيق هرمز، في وقت كشف فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن محادثات دبلوماسية مرتقبة مع إيران، الاثنين، عقب قراره التراجع في اللحظات الأخيرة عن توجيه ضربات عسكرية، في إطار مساع لخفض التوتر ومعالجة الملفات الخلافية العالقة، وفي مقدمتها مستقبل المضيق الذي يُعد أحد أهم شرايين الطاقة العالمية.

ومع احتدام التجاذبات بين التهديد بالتصعيد العسكري والجهود الدبلوماسية الرامية لاحتواء الأزمة، لا يزال الخلاف قائما بشأن آليات إدارة الممر المائي الإستراتيجي، وسط اضطراب حركة الملاحة الدولية وتزايد المخاوف من انعكاسات الأزمة على أسواق الطاقة العالمية وارتفاع أسعار النفط.

عرض عُماني

وأفادت مصادر إقليمية بأن سلطنة عمان قدمت لإيران مقترحا يحظى بدعم خليجي لإدارة الممر المائي يتضمن فرض رسوم طوعية على المستخدمين. لكنْ لم ترد تعليقات مباشرة من الجانب الإيراني حول هذا العرض.

وتسعى طهران للاحتفاظ ‌‌بسلطة إدارية على المضيق وبالقدرة على فرض رسوم خدمات على السفن، في حين ترفض واشنطن فرض أي رسوم وتصر على أن يظل مضيق هرمز ممرا مائيا دوليا بعيدا عن السيطرة الإيرانية.

وكانت وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية الرسمية قد ذكرت في وقت سابق نقلا عن وزير الخارجية عباس عراقجي، أن المفاوضات مع سلطنة عمان ‌ ‌بشأن مضيق هرمز دخلت مراحلها النهائية.

Iranian Foreign Minister Abbas Araghchi listens to his Iraqi counterpart Fouad Hussein during a news conference after a meeting at the foreign ministry in Baghdad, Iraq, Sunday, June 28, 2026. (AP Photo/Hadi Mizban)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أشار إلى اتفاق وشيك مع عُمان ‌ ‌بشأن مضيق هرمز (أسوشيتد برس)

مسار جديد

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن المفاوضات تركز على الاتفاق على مسار جديد عبر المضيق يكون عبارة ‌‌عن طريق واحد يتضمن ‌‌ممرات للدخول والخروج، مضيفا أن ذلك “لا علاقة له بفتح أو إغلاق مضيق هرمز، فهذه مسألة منفصلة”.

إعلان

وفي الوقت ذاته، أكد بقائي، أن الوضع في المضيق المتنازع عليه لن يعود إلى حالته التي كان عليها ما قبل الحرب، مشددا على أن طهران تحركت بناء على مصالحها الخاصة ولن تغير قراراتها تحت تأثير التهديدات أو الترهيب.

ومن شأن هذا التفسير أن يعيد الخلاف على إدارة مضيق هرمز إلى المربع الأول، حيث ترفض واشنطن أي سيطرة إيرانية على حركة الملاحة.

مفاوضات جارية

لعبت سلطنة عمان دورا بارزا في جهود الوساطة التي قادتها دول إقليمية، من بينها قطر والسعودية، لاحتواء التوتر بين طهران وواشنطن والدفع نحو التوصل إلى اتفاق إطار في يونيو/حزيران الماضي، أسهم في وقف إطلاق النار وفتح الباب أمام مفاوضات تستهدف التوصل إلى اتفاق طويل الأمد. وحتى الاثنين، لم تصدر عن عُمان أو إيران أي مؤشرات رسمية تربط بين اتفاق الإطار والمباحثات الجارية بشأن مضيق هرمز.

وتزامنت تلك التطورات مع تحركات تشهدها المنطقة، فذكرت ‌‌وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية أمس الأحد، أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أجرى مكالمات هاتفية مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير لمناقشة الجهود الدبلوماسية.

ونقلت الجزيرة اليوم الاثنين أن وزارة الخارجية الباكستانية وجهت دعوة لعباس عراقجي لزيارة إسلام آباد في أقرب وقت ممكن، مما يُفهم منه محاولات لإعادة تنشيط المفاوضات الدبلوماسية.

ومن جهته أكد أيضا المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني حسن قشقاوي أن وسطاء يسعون إلى إحياء مذكرة التفاهم الموقعة في إسلام آباد والمكونة من 14 بندا.

وقال قشقاوي في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية: “يعلمون أن القضية الأساسية، بل أن أساس المسألة الآن، هو قضية مضيق هرمز، لذا نعم، هناك تبادل لوجهات النظر”.

وتم التوصل إلى مذكرة تفاهم في إسلام آباد بوساطة قطرية وباكستانية في جولات تفاوض عُقدت في إسلام آباد. وتضمنت ترتيبات تتعلق بمضيق هرمز واستئناف الجهود الدبلوماسية بين طهران وواشنطن لإبرام اتفاق أوسع نطاقا.

المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي ينفي أي مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة
المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي ينفي أي مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة (الفرنسية)

نفي إيراني

وخلال اليومين الماضيين، كرر ترمب نمطا اتبعه خلال الأشهر الخمسة الماضية، وهو الإعلان عن خطط لشن “هجمات واسعة” على إيران، قبل أن يقرر إلغاءها في اللحظة الأخيرة.

وكان ترمب قد صرح قبل ذلك، في وقت متأخر السبت على منصة تروث سوشيال، أن إيران ودولا أخرى في الشرق الأوسط طلبت مهلة لإتمام اتفاق من شأنه أن يؤدي إلى إعادة فتح المضيق “بشكل فوري وكامل وشامل” و”إنهاء التهديد النووي الإيراني”، لكنه أشار إلى أن طهران يجب أن “تبرم اتفاقا بسرعة”.

وليس واضحا ما إذا كان ترمب يشير إلى إحياء المفاوضات الخاصة باتفاق الإطار أو عقد اتفاق آخر، لكن في كلتا الحالتين نفى إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية تصريحات ترمب، قائلا إنه لا تجري أي مفاوضات مع الولايات المتحدة ولم يتم تحديد موعد لأي اجتماعات.

كما أضاف أن إيران ليس لديها خطط لاستضافة وفود أجنبية أو إرسال مفاوضين إلى الخارج في الأيام المقبلة، مشيرا إلى أن جميع المفاوضين الإيرانيين موجودون حاليا داخل البلاد، باستثناء وزير الخارجية عباس عراقجي، الذي يقوم بزيارة دينية للعراق.

إعلان

وأوضح أن المحادثات الوحيدة الجارية هي المناقشات مع سلطنة عُمان حول إدارة مضيق هرمز. وفي هذا السياق نقلت وكالة رويترز عن مصدر إيراني كبير، أنه لا توجد محادثات مخطط لها، وأن عراقجي لن يكون متفرغا على الأقل حتى نهاية الأسبوع.

 

“تراجع ترمب عزز موقف إيران”

وفي السياق، قال أستاذ العلوم السياسية عبد الله الشايجي للجزيرة: “إن تراجع ترمب عن ضرب إيران منحها ثقة وإصرارا على مواقفها”.

وأضاف الشايجي أن إيران تعمل على استثمار الزخم الحالي لكي تماطل وتؤجل المواجهة في محاولة لكسب الوقت ودفع الرئيس ترمب إلى القبول بدور إيران في مضيق هرمز، الذي يمثل وفق تقديره، العنصر الإستراتيجي الأهم لطهران الذي يمنحها القوة والنفوذ.

ويرى مراقبون أن إيران تراهن على قدرتها على التحمل أكثر من واشنطن من خلال تحويل طرق التجارة وممرات الملاحة والبنية التحتية للطاقة في الشرق الأوسط إلى نقاط ضغط ترفع بشكل مطرد تكلفة المواجهة.

ويقوم هذا التحليل على الاعتقاد بأن إيران بوسعها تعزيز موقفها في أي مفاوضات مستقبلية، من خلال تعريض العديد من الممرات البحرية المهمة وأصول الطاقة للخطر.

وقال مايكل نايتس من معهد واشنطن: “تحاول إيران، منذ البداية، التفوق على الولايات المتحدة في التصعيد من خلال توسيع خياراتها التصعيدية بحيث يكون لديها دائما شيء جديد تقدمه كل أسبوع، منطقة جغرافية جديدة، أو نوع جديد من الأسلحة، أو نوع جديد من الأهداف”.

وأضاف نايتس “الميزة الأكبر التي يتمتعون بها ليست قدرتهم على إلحاق الضرر بأمريكا أو إسرائيل. بل إن ميزتهم الكبرى تكمن في قدرتهم على إلحاق الضرر بدول المنطقة والاقتصاد العالمي”.

 

المصدر: الجزيرة