“الخطر الصيني” يحرك نزعة اليابان العسكرية في كتابها الأبيض

لم يخالف “الكتاب الأبيض” للدفاع في اليابان في نسخته الجديدة لعام 2026، التوقعات بشأن الهواجس الأمنية الرئيسية التي تصنف الصين بمثابة “التحدي الإستراتيجي” الأول لها، في ظل تنامي أنشطتها العسكرية ومحاولاتها توسيع نفوذها على نحو غير مسبوق، وهو ما يستدعي، وفق تقديرات طوكيو، تعزيز الصناعة العسكرية أكثر من أي وقت مضى تحسبا لعصر جديد من الحروب.

ويصدر الكتاب في وقت انحدرت فيه العلاقات بين ‌اليابان والصين إلى أسوأ مستوياتها منذ سنوات بعد أن صرحت رئيسة الوزراء المحافظة ساناي تاكايتشي في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بأن اليابان قد تنشر قوات الدفاع الذاتي التابعة لها إذا شكل أي هجوم صيني على تايوان تهديدا لوجود اليابان أيضا، إذ طالبتها بكين بالتراجع عما وصفته بأنه تصريح “مروع”.

“الصين تحد إستراتيجي”

وكرر تقرير الدفاع السنوي الذي جاء تحت عنوان “الدفاع عن اليابان 2026″، التحذيرات ذاتها التي أطلقها لأول مرة في إستراتيجية الأمن القومي اليابانية المنقحة عام 2022 بخصوص التهديد الصيني المتنامي.

BEIJING, CHINA - MAY 20: Chinese People's Liberation Army (PLA) honour guards march during a welcome ceremony for Russian President Vladimir Putin at the Great Hall of the People on May 20, 2026 in Beijing, China. The two leaders are expected to reaffirm strategic ties between Russia and China amid ongoing Western pressure over the war in Ukraine. (Photo by Maxim Shemetov - China Pool/Getty Images)
استعراض لحرس الشرف التابع لجيش التحرير الشعبي الصيني (غيتي)

لكن التعليقات الدولية سلطت الضوء هذا العام على تلميحات الكتاب الأبيض بشأن توسع الأنشطة العسكرية الصينية في المحيط الهادئ، وما تعتبره طوكيو قدرة بكين المتنامية على بسط نفوذها العسكري خارج ما يُسمى بسلسلة الجزر الأولى، والتوغل أكثر فأكثر في المحيط الهادئ.

وجادل التقرير بأن هذه التحديات يجب معالجتها من خلال تعزيز “القوة الوطنية الشاملة” لليابان، إلى جانب توثيق التعاون مع الحلفاء والشركاء ذوي التوجهات المماثلة. كما أكد على الدروس المستفادة من الحروب الحديثة في إشارة إلى الاستخدام الواسع النطاق للمسيّرات في إدارة أوكرانيا لنزاعها مع روسيا، وضرورة تعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية لليابان.

إعلان

ويستند التقرير في بسط تلك التحديات، إلى بعض التحركات المقلقة من الصين، أبرزها:

  • النشاط المكثف لجيش التحرير الشعبي الصيني حول اليابان في بحر شرق الصين، وبحر اليابان، وغرب المحيط الهادئ خارج سلسلة الجزر الأولى.
  • نشر الصين حاملة الطائرات لياونينغ شرق إيو جيما في يونيو/حزيران 2025، والعمليات اللاحقة لحاملات الطائرات في المحيط الهادئ.
  • تحليق طائرات صينية على مسافة قريبة من طائرات يابانية مرتين، إحداهما في يونيو/حزيران والأخرى في يوليو/تموز.

وأشار التقرير خصوصا إلى حادثة استهدفت فيها طائرة عسكرية صينية بشكل متكرر طائرة دورية تابعة لقوات الدفاع الذاتي البحرية اليابانية باستخدام الليزر لمدة 30 دقيقة تقريبا فوق المحيط الهادئ شرق أوكيناوا.

لكن أبرز ما يشير إليه التقرير أيضا، هي المخاوف المستجدة لطوكيو إزاء التعاون العسكري والتنسيق العملياتي الوثيق والمتنامي بين الصين وروسيا، بما في ذلك المناورات والعمليات البحرية المشتركة، ودوريات القاذفات بعيدة المدى بين الجانبين.

وفي سياق متصل، يعكس التقرير قلق طوكيو المتزايد من أن التطورات الأمنية في أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ لم تعد قابلة للفصل.

عصر جديد من الحروب

وبشكل عام يصور الكتاب الأبيض لعام 2026، في مجمله، توسع النفوذ العسكري الصيني في المحيط الهادئ باعتباره السمة الأبرز للبيئة الأمنية اليابانية، مؤكدا على ضرورة رد اليابان ليس فقط من خلال زيادة الإنفاق الدفاعي، بل أيضا بتعزيز تحالفاتها وقاعدتها الصناعية الدفاعية، والاستعداد لعصر جديد من الحروب يعتمد أكثر على الطائرات المسيرة والذكاء والاصطناعي.

TOWNSVILLE, AUSTRALIA - JUNE 17: Soldiers from the Japanese Ground Self Defence Force (JGSDF) conduct a clearance operation of an enemy position in the fictional town of 'Line Creek Junction' on June 17, 2026 in Townsville, Australia. Personnel from Australia, the United States, Japan and the Republic of Korea gather at the Townsville Field Training Area to conduct the largest Australian Army exercise of 2026, which will see more than 3,000 troops train together through 2 July. (Photo by Ian Hitchcock/Getty Images)
جنود من قوة الدفاع الذاتي البرية اليابانية يشاركون في تدريب دولي مشترك في أستراليا (غيتي)

وترى اليابان أن الأسلحة غير المأهولة قد تساعد في تعويض النقص المتزايد في أعداد أفراد القوات المسلحة، بالمقارنة مع تعداد الجيش الصيني الذي يتفوق بعدة أضعاف مقارنة بجيش اليابان، إلى جانب جيش كوريا الشمالية، وفي ظل تراجع عدد السكان.

لكن خبراء يرون أن تطوير طائرات مسيرة محلية بالكامل سيكون تحديا كبيرا، في وقت تهيمن فيه الواردات الصينية على سوق الطائرات المسيرة التجارية في اليابان.

وكانت اليابان قد شرعت بالفعل في زيادة الإنفاق العسكري وتعزيز التعاون الأمني في آسيا، من خلال نشر منصات إطلاق صواريخ في الجزر النائية، والسعي إلى امتلاك قدرات “الضربة المضادة”، وتخفيف القواعد المتعلقة بتصدير الأسلحة.

GOTEMBA, JAPAN - JUNE 07: Japanese Defense Minister Shinjiro Koizumi waves as he leaves a live-fire exercise held by the Japan Ground Self-Defense Force (JGSDF) at the East Fuji Maneuver Area on June 07, 2026, in Gotemba, Shizuoka Prefecture, Japan. Japan lifted its ban on exporting lethal weapons in April, reversing the nation's postwar policy, while defense-related spending reached a record 9.04 trillion yen in the fiscal 2026 budget, up 3.8 percent from the previous fiscal year and marking a record high for the 12th consecutive year. (Photo by Tomohiro Ohsumi/Getty Images)
وزير الدفاع الياباني شينجيرو كويزومي يشدد على التعاون مع الدول الحليفة (غيتي)

لكن وزير الدفاع الياباني شينجيرو كويزومي اعتبر في مقدمة الكتاب الأبيض السنوي للدفاع أن “من الضروري أن تُعزز اليابان قدراتها الدفاعية… بروح أقوى، وأكثر من أي وقت مضى”.

وقررت اليابان في أبريل/نيسان الماضي رفع الحظر الذاتي الذي كانت تفرضه على صادرات الأسلحة، لكن الكتاب الأبيض سلّط الضوء على مشكلات في قاعدة الإنتاج المحلية التي يمكن أن تقوّض عمليات الشراء والابتكار.

وقال كويزومي أيضا إنه تبادل مع نظيره الأمريكي بيت هيغسيث “وجهات نظر صريحة” بشأن التحالف الأمريكي الياباني “الراسخ”، في موازاة العمل في الوقت نفسه على زيادة التعاون الأمني مع الفلبين وأستراليا وكوريا الجنوبية من أجل جعل “منطقة المحيطين الهندي والهادئ حرة ومفتوحة”.

منافع اقتصادية

وفي كل الأحوال، تقول وثيقة الدفاع إن تسريع وتيرة الإنتاج العسكري من شأنه أن يسهم في تحقيق مزيد من الازدهار والنمو الاقتصادي بما يعود بالنفع على حياة الناس.

إعلان

ويدعو التقرير إلى استفادة اليابان من التكنولوجيا وتمويل الشركات الناشئة واستخدام مزيد من المكونات التجارية في إنتاج الأسلحة.

وتتوافق هذه الرسالة مع نهج رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي في الاستخدام الأوسع نطاقا للإنفاق الإستراتيجي للدولة في محاولة لدفع عجلة النمو الاقتصادي.

تحفظات صينية وكورية

سارعت الصين إلى رفض تقييم الكتاب الأبيض. ففي تعليق نشرته وكالة أنباء شينخوا الرسمية، اتهمت بكين اليابان بالمبالغة في التهديد الأمني الإقليمي، وتصوير أنشطة الصين الدفاعية كذريعة لتسريع وتيرة تعزيز قدراتها العسكرية.

واتهم المتحدث باسم وزارة الدفاع الصينية تشن شي، في بيان، اليابان بالبحث عن ذرائع لتخفيف ‌القيود العسكرية، ودعا طوكيو إلى التفكير في “تاريخها من العدوان” وعدم المضي قدما في “الطريق الخاطئ لإعادة التسلح”.

والتحفظات على الكتاب الأبيض لم تقتصر على العدو القديم الصين، فقد جاءت الانتقادات سريعة من كوريا الجنوبية على خلفية مزاعم يابانية بالسيادة على جزر دوكدو الواقعة في أقصى شرق البلاد.

ولم تتأخر خارجية كوريا الجنوبية، في استدعاء كازوو تسوتشيا، نائب رئيس بعثة السفارة اليابانية في سول، للإعراب عن احتجاجها الشديد ومطالبتها بسحب التلميحات بشأن السيادة على دوكدو.

 

المصدر: الجزيرة