بين لهيب الصيف واشتعال الأسعار، تصرُّ غزة على ارتداء ثوب الفرح، فتتصاعد أصوات الزغاريد من بين الركام، وتُقام الأعراس في تفاصيلها المتاحة لتقول إن للحياة بقية. لكن خلف هذه اللقطات السعيدة تخوض العرائس والنساء وكذلك الحلاقون في غزة معركة يومية صامتة سببها شح الإمكانيات وندرة مواد التجميل.
ومع تصنيف مستحضرات العناية والتجميل ضمن “السلع غير الأساسية” وتوقف دخولها بصورة تامة إلى قطاع غزة، واجهت النساء والفتيات حرمانا قسريا من مستحضرات العناية ببشرتهن وأجسادهن بفعل بيئة النزوح القاسية.
“الجزيرة نت” تسلط الضوء على واقع أسواق التجميل في القطاع، وكيف تحول إصرار الغزيين على الفرح إلى تحدٍ جديد يصارع شح المواد وغلاء الأسعار.
شحّ مواد التجميل وارتفاع الأسعار
تقول زينة شاهين، وهي عاملة في أحد صالونات التجميل في مدينة غزة: “مساحيق وأدوات التجميل البسيطة أصبحت شحيحة للغاية، وما يتوفر منها يُباع بأسعار خيالية تتجاوز قدرة غالبية العائلات التي تبحث بالأساس عما يسد رمقها. ونحن هنا في هذا المكان نقع بين رغبة عارمة في احتضان اللحظة وإقامة أفراح تليق بصمود شعبنا، وسوق شلته القيود وجعلت من أبسط مستلزمات الجمال حلما صعب المنال، فالظروف الاقتصادية لا تخفى صعوبتها على أحد في غزة”.
وتتساءل العاملة نهى اليازجي، وهي عاملة أخرى في صالون تجميل دُمرت كل مقتنياته بسبب القصف الذي لا ينتهي على غزة: كيف يمكن تنظيم أفراح تليق بشعبنا وتمنحهم حقهم في البهجة في وقت باتت فيه أبسط مستلزمات الزينة ترفا لا يطاق ثمنه؟
وتضيف: “خرجنا من تحت الركام لنرمم صالوننا بأقل الإمكانات المتاحة لأننا نؤمن بحق نساء غزة في الفرح رغم كل شيء، لكن الوجع لم ينته عند القصف فنحن اليوم نكابد ارتفاعا خياليا في أسعار مستحضرات التجميل والمواد الأساسية إن توفرت أصلا”.
هذا الغلاء القاسي -الذي تحدثت عنه نُهى- أضعف إقبال الزبائن بشكل ملحوظ، وأجبر الكثير من العرائس والنساء على العزوف عن القدوم إلى الصالون والتجمُّل في بيوتهن بطرق بسيطة تقشفا وتوفيرا، كما قالت.

بدائل مؤلمة
وحول البدائل التي تجعلهم مستمرين حتى هذا اليوم من الحصار والدمار، تقول نهى: “غياب المادة أو الجهاز يعني توقف العمل تماما لكننا رفضنا الاستسلام، استبدلنا السشوار وأجهزة التصفيف باللفافات القماشية والأساليب التقليدية التي لا تحتاج كهرباء، ومع انقطاع الصبغات والمستحضرات عدنا إلى الطبيعة وأصبحنا نعدّ خلطات التقشير والترطيب من النشا والزيوت المتاحة، واستعضنا عن الصبغات الكيميائية بالحناء وعن الشمع الإلكتروني بالحلاوة المصنوعة يدويا. نحن نحاول أن نمنح النساء القليل من الأمل والاهتمام في ظل ظروف قاسية وبأقل الإمكانيات الممكنة”.
وفي زاوية أخرى من المعاناة، تقول خبيرة التجميل في غزة سوزان أبو راس: “نحن نبذل قصارى جهدنا لتقديم التسهيلات ومراعاة الظروف الاقتصادية الخانقة للناس وتخفيض الأسعار قدر الإمكان، لكن الارتفاع المستمر لأسعار المواد في السوق يضيّق علينا الخناق يوميا”.
وتضيف: “نحب أن نرى فرحة الناس، ونحاول بكافة الطرق خلق مواد بديلة للتخفيف عنهم ومراعاتهم في الأسعار، لكن الحرب أثرت علينا بشكل كبير فالمحل الذي أعمل به كان -قبل ثلاث سنوات- من أفخم صالونات التجميل في غزة، وترتاده النساء بصورة لافتة، لكنه تدمر مرتين بسبب الحرب المستمرة علينا وحاولنا ترميمه للوقوف والعمل من جديد”.
وبغصة كبيرة تكمل حديثها للجزيرة نت: “نحاول أن نراعي الناس في الأسعار، لكننا نصطدم دائما بأزمات جديدة أولها شح المواد والآن نحن نتحدث عن انقطاعها تماما، ومع ذلك لا نريد للبهجة أن تختفي من ملامح النساء في غزة”.
ولم تكن النساء وحدهن من واجهن هذه الأزمة، إذ امتدت تداعيات الفقدان والغلاء لتشمل صالونات الحلاقة والعناية الرجالية، التي تحولت هي الأخرى إلى أدوات للبقاء على قيد الحياة.

الحلاقة.. مهنة تقاوم الحرب
وفي زاوية ضيقة على رصيف أحد الشوارع المدمرة في حي الرمال بمدينة غزة، يقف وسيم كحيل محاولا النهوض من اللاشيء، ويقول: “أعمل حلاقا على مدار 10 سنوات، ومع الحرب الإسرائيلية -المستمرة منذ ما يقارب السنوات الثلاث- وجدت نفسي بين ليلة وضحاها بلا مهنة، بعدما دُمر محلي المجهز بالكامل ليبقى مهدوما خلف ما يُعرف بالخط الأصفر”.
ويكمل: “أمام هذا الواقع لم يكن أمامي سوى التشبث بمهنتي فقمت بعمل صالون بدائي صغير من قطع الشوادر وألواح النايلون، ولكن هذا البديل يفرض تحديات يومية شاقة حيث يتحول المكان إلى شبه فرن حراري تحت أشعة الشمس، مما يضاعف معاناة الزبائن والانتظار”.
وعن هذه الظروف الشاقة يقول وسيم للجزيرة نت: “الحرب لم تُتلف المكان فقط بل قطعت عنا شريان الحياة الأساسي، فلا كهرباء لتشغيل الآلات ولا كراسي مريحة يجلس عليها الزبائن الذين ينتظرون في ظروف قاسية، والأصعب من ذلك هو الندرة الحادة في أدوات الحلاقة ومستحضرات التجميل الخاصة بالعرسان إن وُجدت في السوق، فأسعارها خيالية لا يقدر عليها أحد، وإن لم تُوجد فنحن نضطر للارتجال بما يتوفر وإيجاد بدائل للسنفرة والكريمات، ونلاحظ بذلك أن الفرحة تفقد أسرار زينتها، وتتحول الحلاقة من خدمة بسيطة إلى رحلة معاناة واستنزاف”.
ولاستمرارية العمل وعدم تلاشي مهنة الحلاقة في غزة وحول إيجاد بدائل لها، يقول كحيل: “لم نعد نملك ترف انتظار دخول المستحضرات والأدوات الحديثة، فصنعنا بدائلنا بأيدينا وأصبحنا نشحذ المقصات القديمة على حواف السيراميك، ونعدل ماكينات الحلاقة لتعمل على بطاريات صغيرة لتعويض غياب الكهرباء، حتى معجون الحلاقة والمطهرات استبدلناها برغوة الصابون المحلي والتعقيم بالحرارة المباشرة، لنضمن استمرار الخدمة ولتخفيف عبء التكلفة عن الأهالي الذين باتوا يكتفون بالحد الأدنى من العناية المنزلية”.

فرح مؤجل
وعلى الجانب الآخر، تجسد مها ناصر إصرار نساء غزة على انتزاع لحظات الفرح من بين أكوام الركام، فقد جاءت إلى صالون تجميل مؤقت استعدادا لحضور حفل إشهار زواج شقيقها، لتُصدم بوجه آخر للأزمة: أسعارٌ كاوية ومستحضرات تجميل بسيطة لا ترتقي إلى مستوى الجودة المفترضة نتيجة ندرة البضائع، واقتصار المتوفر منها على بدائل رديئة أو مخزنة منذ فترة طويلة.
ورغم هذه العقبات، فإن مها تتمسك برغبتها في صناعة الفرحة وتقول: “الأسعار غالية جدا والمواد المتوفرة ضعيفة الجودة ولا تلبي ما نتمناه، ننتظر فرحة أخي منذ أكثر من ثلاث سنوات، ثم أتت الحرب وأفقدتنا الكثير من الأهل والأحباب لنؤجل الفرح، واليوم رغم كل شيء نريد أن نتزين ونفرح، ونريد لأخي أن يفرح بسباق مع الألم”.
المصدر: الجزيرة