ميلوني تحشد أوروبا ضد “الهجرة المنفلتة”.. هل تقود قواعد دبلن إلى مواجهة مع برلين؟

عندما يتعلق الأمر بإدارة ملف الهجرة داخل الاتحاد الأوروبي، تتصدر رئيسة الوزراء اليمينية في إيطاليا جورجا ميلوني الصفوف الأمامية، وهو ما أثبته مؤخرا عبور آلاف المهاجرين نحو الجيب الإسباني “سبتة”، الأمر الذي تسبب في تصدع العلاقات مع مدريد وارتدادات أخرى قد تصل الالتزامات المرتبطة بميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي الجديد.

ورغم أن إيطاليا وإسبانيا كانتا من أوائل الدول التي نادت قبل سنوات بتقاسم الأعباء وبمزيد من التضامن الأوروبي في إدارة توافد المهاجرين، فإن تحول سياستهما إلى طرفي نقيض اليوم يكشف عن خلافات سياسية أوسع نطاقا.

وحاليا تُهدد الارتدادات الناجمة عن أزمة سبتة، بانقسامات أوسع ليس بين دول التكتل كافة ولكنْ بين دول خط الواجهة المطلة على البحر المتوسط والمعرّضة بشكل أكبر لتوافد المهاجرين.

CEUTA, SPAIN - AUGUST 2: Supporters of the remigration movement attend a protest organized by several far-right groups on August 2, 2026 in Ceuta, Spain. Spain's interior ministry has said it's deploying 60 members of the armed forces and an additional 30 Guardia Civil officers to Ceuta after tens of thousands of migrants entered the Spanish enclave in North Africa on Thursday. A large number of people swam through the Tarajal breakwater to enter the Spanish territory from neighboring Morocco, while others scaled the border fence. Some estimates have said that around 60,000 migrants made the crossing this week, with the surge of arrivals overwhelming migrant reception centres, leaving many sleeping on the streets overnight. At least 80 people reportedly died attempting to make the crossing. Spain says the majority of migrants have now been returned to Morocco. (Photo by Adri Salido/Getty Images)
أحداث سبتة أيقظت انتقادات أوروبية تجاه سياسة الهجرة للحكومة الاشتراكية في إسبانيا (غيتي)

تعبئة يمينية

وتتوجه ميلوني نحو الدانمارك في مسعى لحشد الدعم لسياسات أكثر تشددا ضد الهجرة، في مواجهة سياسة الحكومة الاشتراكية في إسبانيا بعد فتحها الباب لتسوية أوضاع نحو نصف مليون مهاجر غير نظامي في مسعى لدعم النمو الاقتصادي.

وحذرت رئيسة الوزراء الإيطالية ونظيرتها الدانماركية مته فريدريكسن، اليوم الاثنين، من “الهجرة المنفلتة” إلى أوروبا، وذلك في رسالة مشتركة.

وسبق أن قادت إيطاليا والدانمارك دعوة مفتوحة في رسالة مشتركة إلى المؤسسات الأوروبية في أعقاب أزمة سبتة، وقعت عليها 22 دولة عضوا، تضمنت طلبات بإجراءات منسقة لمكافحة الهجرة غير النظامية تشمل تعزيز الحدود الخارجية ومعالجة ما وصفه الموقعون بـ”عوامل الجذب”، في إشارة مبطنة لحكومة بيدرو سانشيز بإسبانيا.

لكنّ أكثر ما يلفت الانتباه في الرسالة التي نشرتها ميلوني مع نظيرتها الدانماركية، هو الدعوة مجددا إلى تعميم نموذج مراكز العودة في دول ثالثة، الذي تبنته الحكومة الإيطالية في قانون للهجرة مثير للجدل، والذي تختبره روما حاليا في ألبانيا وفق اتفاق بين البلدين.

إعلان

وتُعد مراكز العودة في دول ثالثة منشآت خارج الاتحاد الأوروبي يُنقل إليها مهاجرون صدر بحقهم قرار بالعودة، بهدف استكمال إجراءات إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية.

هوس أوروبا

ورغم تباين وجهات النظر الأوروبية حول هذه المراكز والجدل القانوني والحقوقي بشأنها داخل إيطاليا، فإن ميلوني تسعى إلى المضي قدما في تطبيقها بالكامل في نهج يتضارب تماما مع ما تتبناه الحكومة الاشتراكية في إسبانيا، وهو تضارب من شأنه وفق ملاحظين، أن يعمق الانقسام الأوروبي.

فعلى النقيض من النموذج الإيطالي، تدافع الحكومة الإسبانية، المنتمية ليسار الوسط، عن نهج أكثر توازنا، يجمع بين التعاون مع دول الضفة الجنوبية للمتوسط، وتنظيم مسارات للهجرة القانونية مع تسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين الموجودين بالفعل فوق الأراضي الإسبانية.

ولا تجد هذه السياسة قبولا لدى حكومات محافِظة أوروبية والتيارات اليمينية في العديد من الدول الأعضاء باعتبارها “عامل جذب” للمهاجرين إلى عموم أوروبا، كما تحوم المخاوف حول انتقال الآلاف من المهاجرين الذين جرت تسوية أوضاعهم داخل إسبانيا لاحقا إلى دول الشمال الأوروبي.

MELILLA, SPAIN - MARCH 20: Would-be immigrants wait at the boarding area to receive permits and tickets to travel by ferry to Malaga on March 20, 2014 in Melilla, Spain. Around 500 would-be immigrants entered Melilla on March 17 from Morocco, forcing the Temporary Immigration Centre (CETI) to shelter around four times its capacity, which is 480 people. The army has placed temporary tents outside the Centre to make space while the government has said it plans to send some to the peninsula. (Photo by Pablo Blazquez Dominguez/Getty Images)
حكومات أوروبية اعتبرت قرار إسبانيا تسوية أوضاع نصف مليون مهاجر غير نظامي “عامل جذب” (غيتي)

وردا على تلك الصورة المتضاربة، علق كلاوديو فرانكافيلا نائب مدير منظمة هيومن رايتس ووتش، لشبكة “يورونيوز” التابعة للاتحاد الأوروبي، أن الأزمة في سبتة خلال الأيام الماضية أظهرت مرة أخرى أن “هوس أوروبا بالهجرة هو أحد أكبر نقاط الضعف لديها”، إذ يتيح لأقصى اليمين استثماره لجني فوائد سياسية، وفق تعبيره.

ويذهب الخبير إلى حد اعتبار الوحدة والتضامن الأوروبيين بشأن هذه القضية مجرد سراب، وهو ما ينطبق أيضا في تقديره على سياسات الهجرة المنظمة والآمنة المطابقة لمعايير حقوق الإنسان.

“قواعد دبلن”

وبغض النظر عن حالة الانقسام، فإن تحركات ميلوني قد ترتد على الحكومة الإيطالية بموجب ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي الجديد الذي بدأ سريانه في 12 يونيو/حزيران الماضي، وهو يدفع بشكل واضح إلى تقاسم الأعباء بما في ذلك احترام “قواعد دبلن”.

و”قواعد دبلن” هي نظام أوروبي يحدد الدولة المسؤولة عن دراسة طلب اللجوء، وفق معايير أبرزها دولة الدخول إلى الاتحاد الأوروبي. وتهدف القواعد إلى منع تقديم طلبات لجوء متعددة في دول مختلفة، وتنظيم توزيع مسؤولية طلبات اللجوء.

وقد أعلنت الحكومة الألمانية رسميا عن نيتها بإعادة طالبي اللجوء القادمين من إيطاليا، والذين تتعين دراسة طلبات لجوئهم في الوجهة الأولى على الأراضي الإيطالية وليس الألمانية.

LAMPEDUSA, ITALY - 04: Migrants wait to board a commercial ship before being transferred from the so-called "Hotspot" operational facility, containing over 1,500 people, on August 4, 2022 in Lampedusa, Italy. The Italian island of Lampedusa reached 500 percent over capacity in migrant reception centres with the recent uptick in sea rescues, with former Interior Minister Matteo Salvini, leader of the League party, capitalising on this situation with a visit during election campaigning ahead of snap elections. (Photo by Antonio Masiello/Getty Images)
جزيرة لامبيدوسا الإيطالية الوجهة الأولى للمهاجرين غير النظاميين العابرين للبحر المتوسط (غيتي)

وفي خطوة قد تمثل اختبارا أول للنيات الألمانية ومدى فعاليتها على أرض الواقع، نقلت صحيفة “بيلد” عن وزارة الداخلية، اعتزامها ترحيل طالبة لجوء صومالية إلى إيطاليا يوم 19 أغسطس/آب الجاري مع التعهد بتطبيق كامل للقواعد مستقبلا.

ويقيم على الأراضي الألمانية عشرات الآلاف من اللاجئين، الذين تقع مسؤولية إجراءات لجوئهم على عاتق دولة أخرى من دول الاتحاد الأوروبي بموجب اتفاقية دبلن.

إعلان

وبحسب صحيفة “بيلد”، قدمت ألمانيا في عام 2025، ما يقارب 35 ألفا و900 طلب نقل لملفات طالبي لجوء إلى دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، حيث تمت الموافقة على حوالي 23 ألفا و900 منها، إلا أنه لم يتم تنفيذ سوى حوالي 5370 عملية نقل.

صدام مع ألمانيا؟

ويمكن أن تؤجج الخطوة الألمانية توترا قديما مع روما التي رفضت بالفعل في عام 2022 تسوية قضايا ترتبط باتفاقية “دبلن” مع ألمانيا.

ووفق الصحيفة، ترى الحكومة اليمينية في إيطاليا أن عمليات الإعادة الفعلية سابقة لأوانها في الوقت الحالي لدواع فنية، بالنظر إلى ضيق الوقت الفاصل مع بدء تطبيق قواعد الميثاق الجديد للهجرة واللجوء.

وتعتبر روما أنه لا يزال من الضروري توضيح أيّ عمليات الإعادة مسموح بها فعليا بموجب قواعد الاتحاد الأوروبي الجديدة، وأيّ آليات تعويض مطبقة.

وتلمح الحكومة الإيطالية بشكل خاص إلى آليات التعويض المنصوص عليها بشأن نقل المهاجرين إلى إيطاليا على متن سفن إنقاذ تتبع منظمات غير حكومية أوروبية، نسبة كبيرة منها تحمل العلم الألماني.

HAMBURG, GERMANY - NOVEMBER 03: A bottle of sparkling wine is hanging in front of the hull of the Sea-Watch 5 rescue ship during its first presentation to the public and official baptism on November 3, 2022 in Hamburg, Germany. Sea-Watch 5 is the latest ship of Berlin-based rescue initiative Sea-Watch e.V. that will go into operation in the Mediterranean Sea to rescue refugees in distress while crossing by boat from northern Africa. (Photo by Gregor Fischer/Getty Images)
سفينة إنقاذ تتبع منظمة “سي ووتش” الألمانية غير الحكومية (غيتي)

ووفقا لتفسير روما فإنها لا ترى أن الحكومة ملزمة بإعادة كل مهاجر دخل الاتحاد الأوروبي عبر أراضيها في البداية ثم سافر إلى دولة عضو أخرى.

وينص ميثاق الهجرة في الاتحاد الأوروبي على آليات معقدة للتضامن الأوروبي، تشمل آليات التوزيع، والمساهمات المالية، وترتيبات تعويض أخرى.

مع ذلك، تقول صحيفة “بيلد” الألمانية إن خطوة الحكومة الألمانية أثارت انتقادات سياسية لميلوني في إيطاليا، حيث اتهم زعيم حزب “إيطاليا فيفا” المعارض المنتمي ليسار الوسط، ماتيو رينزي، رئيسة الوزراء بالتخلي عن التضامن الأوروبي، بينما انتقد ريكاردو ماجي، من حزب أوروبا، سياسة إيطاليا الأوروبية، مشيرا إلى الخلافات الأخيرة مع إسبانيا بشأن إعادة فرض ضوابط الحدود.

 

المصدر: الجزيرة