لم تعد لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك)، قادرة على التحكم في صناديق الاقتراع الأمريكية كما كانت في عقود ماضية، وذلك بعدما أصبح المرشحون يتجنبون الارتباط بها ويرفضون الحصول على أموال منها تجنبا لغضب الناخبين الذين باتوا أكثر انحيازا لفلسطين بعد الحرب على قطاع غزة.
ففي فبراير/شباط 2026، أنفق اللوبي المؤيد لإسرائيل “أيباك” أكثر من مليوني دولار في انتخابات تمهيدية بولاية نيوجيرسي الأمريكية لإسقاط النائب الديمقراطي توم مالينوفسكي.
وحسب تقرير “كيف تحاول أيباك التكيف مع تداعيات حرب غزة قبل الانتخابات؟”، الذي نشرته قناة الجزيرة، لم يكن مالينوفسكي معارضا لإسرائيل لكن دعاية أيباك أسقطته لأنه تجاوز خطا أحمر بانفتاحه على فكرة تقييد المساعدات الأمريكية لتل أبيب.
ومع ذلك، أدى سقوط مالينوفسكي إلى فتح الطريق أمام فوز الناشطة التقدمية أناليليا ميخيا بمقعد في مجلس النواب، وهي التي وصفت سلوك إسرائيل في قطاع غزة بالإبادة الجماعية.

تحول الناخب الأمريكي
ما جرى في نيوجيرسي لم يكن حدثا معزولا ولا طارئا لكنه كشف التحديات التي تواجه أحد أقوى جماعات الضغط السياسي في واشنطن بعدما دفعت حرب غزة الأمريكيين إلى التعاطف مع الفلسطينيين بدلا من إسرائيل، حسب ما تكشفه استطلاعات الرأي.
هذا التحول انعكس بوضوح على الحزب الديمقراطي الذي أصبح ثلثا المنتمين إليه أقرب إلى فلسطين، وأصبح كثيرون منهم يصفون ما جرى في غزة بالإبادة الجماعية.
وفيما بقي الجمهوريون على دعمهم القوي لإسرائيل، صارت غزة ملفا يقسم الأمريكيين، وأصبحت حاضرة بقوة في الدعاية الانتخابية لكلا الحزبين قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وباتت “أيباك” عبئا على أي مرشح يقبل أموالا منها.
نفوذ تاريخي يتراجع
في خمسينيات القرن الماضي تأسست أيباك على يد الناشط اليهودي إشعيا كينين، وبدأت نشاطها المكثف عقب مجزرة قيبية التي ارتكبها جيش الاحتلال ضد الفلسطينيين عام 1953، وذلك لتحسين صورة تل أبيب داخل الولايات المتحدة وتوحيد يهود أمريكا خلف إسرائيل.
لكن القفزة الكبرى في عمل المنظمة حدثت في ثمانينيات القرن الماضي عندما وصل رونالد ريغان للبيت الأبيض وتولى حزب الليكود مقاليد الحكم في إسرائيل، إذ اصطفت أيباك منذ ذلك الحين مع التيار اليميني في البلدين.
ولعقود، توسع نفوذ المنظمة ونشاطها ليشمل التأثير في السياسة الأمريكية بالشرق الأوسط، والضغط على الرؤساء ونواب الكونغرس لصالح تل أبيب، كما نظمت رحلات لأعضاء من الكونغرس إلى إسرائيل.
بيد أن النشاط الأهم لأيباك هو المؤتمر السنوي الذي يوصف بأنه محطة رئيسية لكل من يطمح في منصب سياسي ديمقراطيا كان أو جمهوريا، وهو ما مكّنها من التأثير في دوائر صنع القرار دون الانخراط المباشر في العمليات الانتخابية.

تحول تاريخي
وعلى مدار أكثر من 6 عقود، لم تدفع أيباك أي مبالغ مالية مباشرة لأي مرشح وكانت قوتها تتمثل في الضغط والعلاقات، قبل أن يجبرها التيار التقدمي الذي ظهر داخل الحزب الديمقراطي عام 2022، لتغيير مسارها.
فقد انتقد التيار التقدمي الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل بشكل علني، مما دفع أيباك لدخول المعركة الانتخابية للمرة الأولى بشكل مباشر، عبر إطلاق لجنة عمل سياسي تتبرع للمرشحين وصندوق للإنفاق المباشر عرف باسم “مشروع الديمقراطية الموحد”، لتصبح واحدة من أكبر المنفقين في انتخابات الكونغرس.
وسريعا ظهرت نتائج هذا التحول حيث كثفت أيباك نشاطها خلال انتخابات التجديد النصفي للكونغرس عام 2024، وسط ارتفاع حدة الاستقطاب داخل المجتمع الأمريكي بعد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

وخلال تلك الانتخابات، أنفقت المنظمة نحو 100 مليون دولار ونسبت لنفسها الفضل في فوز 361 مرشحا مؤيدا لإسرائيل، كما نجحت في إسقاط نائبين تقدميين بارزين مؤيدين لحقوق الفلسطينيين هما: جمال بومان وكوري بوش، بعدما أنفقت أكثر من 25 مليون دولار ضدهما فيما وصف بأنه “أغلى انتخابات تمهيدية في تاريخ الكونغرس”.
ومع ذلك، خسرت أيباك معركة السمعة وتزايد عدد المرشحين الرافضين لتلقي أموالها، وهو ما دفعها لتغيير أسلوب عملها بعدما أصبح اسمها كافيا لإثارة غضب الناخبين، حيث لجأت لإخفاء بصمتها عبر تمرير الأموال من خلال جماعات لا علاقة لها بإسرائيل ظاهريا، مثل “314 أكشن” التي تركز على دعم المرشحين من ذوي الخلفيات العلمية.
كما أنشأت أيباك لجانا تنشط فجأة قبل الانتخابات بأسماء محلية مثل “انتخبوا نساء شيكاغو”، وهي لجان تنفق ملايين الدولارات وتخفي أسماء مموليها، وتخفي اسم إسرائيل من إعلاناتها وتركز على قضايا محلية كالضرائب والهجرة، حتى إنها موّلت في بعض الأحيان إعلانات تمتدح مرشحا بعينه لا لدعمه وإنما لتشتيت أصوات منافسين أقوى.
وبينما يرى منتقدون أن هذه الأساليب تقوض شفافية الانتخابات، تقول أيباك إن كل أنشطتها قانونية مستفيدة من ثغرات في قوانين تمويل الحملات الانتخابية.
ولعقود، بنت أيباك إستراتيجيتها على معاقبة كل من يخرج عن دعم إسرائيل عبر صناديق الاقتراع، لكن الحرب الأخيرة على غزة حوّلت المنظمة إلى علامة سامة يتجنبها المرشحون، ولم يعد معروفا إن كانت أيباك ستتمكن من التعايش مع أمريكا الجديدة التي باتت تنظر إلى تل أبيب بعين الريبة.
المصدر: الجزيرة