“الخنق المتدرج”.. كيف تسعى أوكرانيا لعزل القرم وتجريدها من قيمتها العسكرية؟

تخوض أوكرانيا حملة متدرجة لعزل شبه جزيرة القرم، وتجريدها من مقومات استخدامها قاعدةً عسكرية ولوجستية لموسكو، عبر استهداف طرق الإمداد ومنشآت الوقود والطاقة والدفاعات الجوية، ثم توسيع الضغط إلى البحر.

ويقول قائد قوات الأنظمة غير المأهولة الأوكرانية روبرت “ماغيار” بروفدي، في مقابلة مع وكالة أسوشيتد برس، إن الضربات الأخيرة على شبه الجزيرة، التي ضمتها روسيا عام 2014، ليست سوى “المرحلة الأولى” من حملة مفتوحة تهدف إلى جعل القرم غير قابلة للاستخدام كقاعدة انطلاق للقوات الروسية.

ويضيف بروفدي أن القرم تقع “ضمن الركائز المفاهيمية الرئيسية على طريق إنهاء الحرب”، وأن قواته تستطيع ضرب أهداف عسكرية فيها بمعدل يزيد 7 مرات عن المستوى الحالي إذا وصلت الأموال التي تعهد بها الحلفاء الغربيون بوتيرة أسرع.

حملة أكبر من التمويل

ويقول بروفدي إن قواته مجهزة حاليا بنحو 14% فقط مما تحتاج إليه لتنفيذ حملة القرم بكامل طاقتها.

وأوضح أن “المشكلة ليست أن القدرة الإنتاجية للمصنعين الأوكرانيين لا تسمح لنا بصنع الكميات اللازمة” من المسيّرات، وإنما في “المشكلة البديهية المتمثلة في التمويل غير المناسب زمنيا”، مضيفا أن الأموال التي يخصصها الشركاء “تتحرك أبطأ بكثير من خططنا”.

وتقول أسوشيتد برس إن الحملة الصيفية استهدفت جسور سكك حديدية ومستودعات نفط وبنية للطاقة، لتعطيل الإمداد وإضعاف الدفاعات الجوية الروسية التي تعترض المسيّرات قبل وصولها إلى أهدافها.

A Ukrainian serviceman prepares a "Chaklun" strike drone used for deep-strike operations against Russian positions in Crimea, in an undisclosed location in Ukraine on Thursday, Aug. 6, 2026. (AP Photo/Dan Bashakov)
جندي أوكراني يجهّز مسيّرة من طراز “تشاكلون” لضرب مواقع روسية بالقرم، 6 أغسطس/آب 2026 (أسوشييتد برس)

الكهرباء لفتح “نافذة”

ويوضح بروفدي أن كثيرا من معدات الدفاع الجوي الروسية القديمة تعتمد على شبكة الكهرباء، وإن تعطيلها يجعل الجنود الروس “عميانا”، ولا يترك لهم سوى الرشاشات والبنادق.

لكنه أقر بأن ذلك أثر أيضا على وصول الكهرباء للمدنيين، وقال إنه اعتذر علنا مرتين للأوكرانيين المقيمين في القرم.

إعلان

وأضاف أنه حيثما يصل اتصال “ستارلينك”، تستطيع قواته تدمير الأهداف شديدة التحصين باستخدام 3 مسيّرات في المتوسط، وقال إن قواته تتجنب استهداف البنية المدنية.

ويقول بروفدي إن قواته دمرت خلال الأشهر الأخيرة أكثر من 300 من معدات وقدرات الدفاع الجوي الروسية، بينها منظومات أرض-جو ورادارات ومعدات حرب إلكترونية، لتفتح بذلك “نافذة” تعبر منها المسيّرات إلى أهدافها في شبه الجزيرة دون أن تُسقط بأعداد كبيرة.

كما قال إن 4 رشقات صاروخية روسية كبيرة من القرم لم تشمل سوى 5 صواريخ، وربط ذلك بتدمير الدفاعات هناك.

ووثقت وكالة الصحافة الفرنسية مطلع أغسطس/آب انقطاعات الكهرباء ونقص الوقود وإعلان حالة طوارئ محلية في شبه الجزيرة، حيث يعيش نحو 2.4 مليون شخص، وقالت إن لتر البنزين من فئة 95 وصل إلى نحو 250 روبلا (قرابة 3 دولارات)، أي 3 إلى 4 أضعاف مستواه السابق.

ويختصر بروفدي الغاية بأن “خلق ظروف تجعل بقاء أي نوع من القدرة العسكرية هناك مستحيلا، سيجعل القرم غير مهمة كقاعدة انطلاق عسكرية”، مشيرا إلى أن كييف تعمل أيضا على تفكيك دورها كقاعدة بحرية لروسيا.

A service member of the 414th Separate Unmanned Strike Aviation System Brigade 'Magyar's Birds' of the Ukrainian Armed Forces checks an FP-1 deep-strike drone before it launches for a combat mission, amid Russia's attack on Ukraine, in an undisclosed location in Ukraine, in 2026. REUTERS/Valentyn Ogirenko
عنصر من لواء “طيور ماغيار” الأوكراني يتفقد مسيّرة FP-1 بعيدة المدى قبل انطلاقها في مهمة قتالية عام 2026 (رويترز)

من البر إلى البحر

لكن الضغط على الجسور والسكك ومستودعات الوقود لا يكفي لعزل القرم ما دامت موسكو قادرة على تعويض جزء من الإمداد بحرا، ولذلك تمددت الحملة من بحر آزوف إلى البحر الأسود.

وكان بروفدي قد قال لوكالة رويترز، في تقرير نشرته الشهر الماضي، إن الهدف هو “تحطيم أسطورة” الهيمنة الروسية وفرض السيطرة على المياه الإقليمية الأوكرانية.

وذكرت الوكالة في التقرير نفسه أن وحدات المسيّرات الأوكرانية قالت إنها ضربت أكثر من 180 سفينة وهدفا بحريا حول شبه الجزيرة خلال 3 أسابيع.

وقال قائد كتيبة يستخدم الاسم الحركي “راي” لرويترز “نعمل ليلا ونهارا، كل يوم، بلا إجازات”.

وتقول قوات بروفدي إن معبر كيرتش للعبارات فقد نحو 75% من طاقته.

ونقلت الوكالة عن الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة سيدهارث كوشال وصفه التوسع البحري بأنه “امتداد منطقي” لحملة القرم بعد الضغط على خطوط الإمداد البرية.

أبعد من القرم

وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن في 10 يوليو/تموز، إنشاء قيادة للضربات في العمق الروسي، وقال إن عليها أن “تركز كل مواردها المتاحة لتقليص قدرة روسيا على الحرب بشكل أكبر”.

وقال معهد دراسة الحرب إن جهاز الأمن الأوكراني أعلن في 4 أغسطس/آب تنفيذ أكثر من 100 ضربة على أهداف إستراتيجية روسية خلال عملية استمرت 40 يوما منذ 26 يونيو/حزيران.

وجاء أحدث الأمثلة الاثنين في نيجنيكامسك بتتارستان، حيث قالت أوكرانيا إنها استهدفت مصفاة “تانيكو” التابعة لشركة تاتنفت، في حين قالت السلطات الروسية إن الهجوم أسفر عن مقتل 13 شخصا، بينهم طفل، وإصابة 39 آخرين، وفق رويترز.

وتحققت الوكالة من مقاطع تظهر دخانا يتصاعد فوق المصفاة، التي عالجت 17 مليون طن متري من النفط الخام عام 2024، وأنتجت 2.7 مليون طن من البنزين و8.5 ملايين طن من الديزل.

إعلان

واتهمت موسكو كييف باستهداف المدنيين، بينما تقول أوكرانيا إنها تضرب قدرات الحرب الروسية، في حين يكرر الطرفان أنهما لا يستهدفان المدنيين.

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد أقر أواخر يونيو/حزيران بمشكلات في إمدادات الوقود مرتبطة بالضربات الأوكرانية، ودعا إلى توسيع قدرات الدفاع الجوي، لكنه أكد أن روسيا ستواصل عملياتها على الجبهة.

ولا تقوم الحملة الأوكرانية على قطع القرم جغرافيا فحسب، بل على تقليص قيمتها كقاعدة عسكرية، وإجبار موسكو على توزيع دفاعاتها ومواردها بين شبه الجزيرة والبحر والعمق الروسي.

وكل ذلك يندرج، بحسب بروفدي، ضمن “المرحلة الأولى”، بينما لا تزال قواته تعمل بـ14% فقط من القدرة التي يقول إنها مطلوبة لتنفيذ الحملة بكامل طاقتها.

 

المصدر: الجزيرة