لماذا يصاب بعض الأشخاص بـ”هوس” السيارات؟

بالنسبة لكثيرين، لا تعدو السيارة كونها وسيلة تنقل تؤدي وظيفة واضحة؛ إيصالهم من مكان إلى آخر. لكن الأمر يختلف لدى عشاق السيارات؛ إذ تصبح السيارة جزءا من شخصيتهم واهتماماتهم، ووسيلة للتعبير عن ذوقهم وإبراز معرفتهم بالتفاصيل الميكانيكية، فضلا عما تتيحه لهم من علاقات وتجارب مشتركة مع هواة آخرين.

ومع وجود أكثر من مليار سيارة في العالم، لم يعد الشغف بها ظاهرة هامشية. وقد يبدأ هذا الشغف بفضول تجاه المحركات أو انجذاب إلى تصميم سيارة بعينها، ثم يتسع تدريجيا ليصبح جزءا من حياة صاحبه؛ فيمضي ساعات في ورش الصيانة، ويتابع المعارض والفعاليات، ويجري تعديلات على سيارته، وقد ينفق عليها مبالغ كبيرة.

يتناول هذا التقرير الدوافع النفسية والاجتماعية والثقافية وراء التعلق بالسيارات، وكيف يمكن لهواية عادية أن تتحول إلى شغف راسخ، وأين ينتهي الشغف الصحي ويبدأ الهوس الذي قد يضر بصاحبه ماديا أو يؤثر في سلوكه وحياته اليومية.

السيارة مرآة تعكس الذات ومنصة لإثبات الهوية عند الكثير من عشاق السيارات ـ الصورة من موقع شركة (keithmichaels.co.uk) للوساطة والتأمين في بريطانيا.
السيارة مرآة تعكس الذات ومنصة لإثبات الهوية عند كثير من عشاق السيارات ـ الصورة من موقع شركة (keithmichaels.co.uk) للوساطة والتأمين في بريطانيا.

السيارة “مرآة” لصاحبها

تقول الاختصاصية النفسية شيماء فوزي إن علاقة الإنسان بسيارته قد تتجاوز وظيفتها الأساسية وسيلة للتنقل. فبينما يتعامل معها بعض الأشخاص بوصفها أداة عملية، يرى فيها آخرون أكثر من ذلك: تصميما وصوتا وأداء وذكريات، وربما جزءا من صورتهم عن أنفسهم.

ومن خلال عملها في المجال النفسي واهتمامها الشخصي بالسيارات، ترى شيماء أن ما يستحق التأمل ليس ما يحدث تحت غطاء المحرك فحسب، “بل ما يشعر به السائق عندما يجلس خلف المقود”. لكن لماذا ينجذب شخص إلى سيارة بعينها؟ ولماذا يحتفظ آخر بصورة سيارة أحبها في طفولته؟ وما الذي يدفع بعض الهواة إلى قضاء ساعات في البحث عن أدق تفاصيل المحركات؟

إعلان

تختصر شيماء الإجابة بقولها “نحن لا نتعلق بالأشياء بناء على ما تفعله فحسب، بل بناء على ما تجعلنا نشعر به”.

امتداد للذات والشخصية

تبين الاختصاصية أن السيارات قد تكون -من الناحية النفسية- إحدى وسائل التعبير عن الذات، إذ يتأثر اختيارها بالذوق الشخصي ونمط الحياة والأولويات “فقد ينجذب شخص إلى سيارة رياضية لما تمنحه من إحساس بالسرعة والمغامرة، بينما يفضل آخر سيارة فاخرة بحثا عن الراحة والتميز، ويختار ثالث سيارة عملية لأنها تلائم احتياجاته اليومية”.

ولا يعني ذلك أن نوع السيارة يكشف شخصية صاحبها أو يختصرها، لكنه قد يعبّر عن جانب منها. لذلك ترى شيماء فوزي أن فهم هذا التعلق لا يبدأ بالسؤال “ما الذي يعجبك في السيارة؟”، بل بسؤال أكثر عمقا “بماذا تشعر عندما تكون فيها؟”.

وتشير شيماء إلى أن القيادة قد تمنح الإنسان شعورا بالحرية والسيطرة، خصوصا مع ضغوط يومية لا يملك التحكم في كثير منها “فعندما يجلس خلف المقود، تصبح الأمور أكثر تحديدا: أمامه طريق ووجهة، وفي يده قرار السرعة والاتجاه”.

لهذا، قد يجد بعض الناس في القيادة وقتا هادئا ينفردون فيه بأنفسهم ويخففون خلاله توترهم. وربما يفسر ذلك خروج بعض الأشخاص بالسيارة من دون وجهة محددة؛ فهم لا يبحثون عن مكان بعينه بقدر ما يبحثون عن الشعور الذي تمنحهم إياه الرحلة.

العلاقة بين الإنسان وسيارته مساحة عاطفية ونفسية تعكس أبعادا عميقة في الشخصية ـ (الصورة من موقع PASMAG وهو مجلة متخصصة في ثقافة السيارات المعدلة).
العلاقة بين الإنسان وسيارته مساحة عاطفية ونفسية تعكس أبعادا عميقة في الشخصية (الصورة من موقع PASMAG  مجلة متخصصة في ثقافة السيارات المعدلة)

الذاكرة والحواس

تضيف الاختصاصية النفسية أن علاقة عاشق السيارات بمركبته لا تقوم على شكلها أو أدائها فقط، بل تتكون أيضا من تفاصيل تخاطب الحواس مثل صوت المحرك، واستجابته عند الضغط على دواسة الوقود، وملمس عجلة القيادة، ورائحة المقصورة، وطريقة توزيع عناصر التصميم.

وقد ترتبط هذه التفاصيل بذكريات وتجارب شخصية، حتى تصبح السيارة جزءا من مرحلة معيَّنة في حياة صاحبها. ولهذا لا يكون بيعها أو التخلي عنها قرارا عمليا دائما، بل قد يحمل قدرا من الصعوبة العاطفية.

ومن الناحية العصبية، قد تنشط أنشطة مثل البحث عن سيارة نادرة أو جمع السيارات وتعديلها نظام المكافأة في الدماغ، الذي يؤدي فيه الدوبامين دورا مهما. ولا تقتصر المتعة هنا على امتلاك السيارة، بل تبدأ قبل ذلك؛ من البحث والترقب، ثم العثور على الطراز المطلوب أو الانتهاء من تعديل جديد.

كما قد يجد بعض الهواة في صيانة سياراتهم والاهتمام بتفاصيلها فرصة للابتعاد مؤقتا عن ضغوط الحياة. فالعمل على مهمة واضحة يمكن التحكم في خطواتها ونتيجتها يمنحهم شعورا بالهدوء والإنجاز.

الانتماء الاجتماعي والرسائل الثقافية

وترى شيماء فوزي أن الاهتمام بالسيارات لا يقتصر على العلاقة بين الشخص ومركبته، بل يفتح الباب أمام التعارف مع أشخاص يشتركون في الاهتمام نفسه “ففي المعارض والنوادي وورش التعديل، تتكون صداقات ويجري تبادل الخبرات، ويجد الهواة مساحة يشعرون فيها بأن الآخرين يفهمون شغفهم”.

وفي الوقت نفسه، تحمل السيارة دلالات اجتماعية وثقافية تتصل بالنجاح والاستقلال والمكانة “وهنا يظهر الفرق بين من يختار سيارة لأنها تمنحه متعة شخصية، ومن يجعلها وسيلة لإثبات ذاته أو نيل إعجاب الآخرين”.

إعلان

وفي النهاية، قد تكون السيارة مصنوعة من المعدن “لكن علاقتنا بها لا تبقى مادية تماما؛ فنحن نربطها برحلات وذكريات ومراحل من حياتنا، حتى تصبح جزءا من الحكاية التي نرويها عن أنفسنا”.

اختيار نوع السيارة يتقاطع بشكل مباشر مع الذوق والشخصية ونمط التفكير ـ (موقع Car Throttle أحد أشهر المنصات الإعلامية الرقمية والمجتمعات التفاعلية الموج).
اختيار نوع السيارة يتقاطع بشكل مباشر مع الذوق والشخصية ونمط التفكير ـ (موقع Car Throttle أحد أشهر المنصات الإعلامية الرقمية والمجتمعات التفاعلية الموج)

متى يتجاوز الشغف حدوده؟

تشدد الاختصاصية النفسية شيماء فوزي على ضرورة التمييز بين الشغف الذي يثري حياة صاحبه والتعلق الذي يبدأ في الإضرار بها “فحب السيارات -مهما كان قويا- لا يمثل مشكلة في حد ذاته ما دام الشخص قادرا على الموازنة بين هوايته والتزاماته الأخرى”.

ويظهر الشغف الصحي في الاستمتاع بالسيارات، والقراءة عنها، وحضور فعالياتها، والتعرف إلى أشخاص يشاركون الاهتمام نفسه، من دون أن يأتي ذلك على حساب العمل أو الأسرة أو الاستقرار المالي.

أما الخطر فيبدأ حين تصبح السيارة الوسيلة الوحيدة للهروب من الضغوط أو الحصول على تقدير الآخرين، أو عندما يشعر الشخص بأن قيمته مرتبطة بما يقوده. وقد يظهر ذلك في إنفاق يفوق قدرته، أو تراكم الديون، أو إهمال علاقاته ومسؤولياته، أو الإقدام على سلوكيات خطرة لإثبات نفسه.

ولا يكفي سلوك واحد للحكم على شخص بأنه يعاني اضطرابا نفسيا، فالأمر يتوقف على مدى تكراره، والدوافع الكامنة وراءه، والأثر الذي يتركه في حياته.

الجانب المظلم لـ”هوس” السيارات

توضح الاختصاصية النفسية أن العلاقة بالسيارة قد تبدأ مصدرا للمتعة، ثم تتحول تدريجيا إلى عبء إذا فقد الشخص قدرته على ضبط إنفاقه أو وقته أو سلوكه.

وتؤدي الرسائل التسويقية دورا في تعزيز هذا التعلق؛ فشركات السيارات لا تبيع المحرك والتصميم فقط، بل تربط منتجاتها بصور الحرية والقوة والنجاح والمكانة الاجتماعية. ومع طرح طرز جديدة باستمرار، قد يجد بعض المستهلكين أنفسهم في دائرة متواصلة من الرغبة في التحديث والتغيير.

لكن التأثر بهذه الرسائل لا يعني بالضرورة وجود إدمان. ويصبح الأمر مقلقا عندما يفقد الشخص قدرته على مراجعة قراراته، أو يستمر في الشراء والتعديل رغم ما يسببه ذلك من أضرار واضحة.

أولا: الهندسة النفسية وإدمان السيارات

لم يعد الشغف بالسيارات مجرد صدفة أو ميل فردي، بل أصبحت هناك صناعات بمليارات الدولارات تعمل عمدا على “هندسة الشغف” وتحويله إلى إدمان سلوكي عبر:

استغلال مراكز المكافأة في الدماغ: تعتمد الحملات التسويقية وإعلانات السيارات على دغدغة مشاعر الحرية والقوة والسيطرة، لربط الشراء الدائم بإفراز الدوبامين.

غياب النقد الذاتي لدى المدمنين: كما هو الحال في أي إدمان سلوكي، يميل الشخص المستهدف نفسيا إلى غض الطرف عن التكلفة الإجمالية لشغفه. لا يتساءل المدمن عن دوافعه أو ما إذا كان السلوك منطقيا، بل يظل مستغرقا في “مطاردة النماذج الأحدث” أو “التعديل المستمر” دون تقييم موضوعي.

ثانيا: التكاليف الأربعة للعلاقة السامة بالسيارات

  1. التكاليف المالية

تتحول السيارة هنا من أصل يستفاد منه إلى نزيف مالي قهري بسبب:

  • الديون القسرية: الشراء المفرط للسيارات أو الوقوع في فخ التحديث السنوي يدفع الفرد إلى الاقتراض المتكرر أو استنزاف مدخراته وتجاوز قدراته المادية لمجرد مواكبة الشغف أو التباهي.
  • فخ التعديل المستمر: إنفاق مبالغ طائلة على تعديل الأداء أو المظهر الخارجي دون حاجة حقيقية، لمجرد تغذية الشعور المؤقت بالتجديد.

  2. التكاليف الاجتماعية والعاطفية

  • العزلة وتفكك العلاقات: عندما تصبح السيارة أهم من العلاقات الإنسانية، يفاضل الشخص بين قضاء الوقت أو إهداء الاهتمام لشريك الحياة/العائلة والعناية بالسيارة، مما يولّد جفاء وزعزعة في الاستقرار العائلي.
  • ربط القيمة الذاتية بالآلة: يصبح إحساس الفرد بقيمته واستحقاقه مرهونا بنوع السيارة التي يقودها؛ فإذا خسرها أو قاد سيارة أقل مستوى، شعر بالتدني وبفقدان القيمة أمام مجتمعه.
إعلان

 3. التكاليف الأخلاقية والسلوكية

  • المخاطرة والسلوكيات العدوانية: قد يتحول الهوس إلى قيادة متهورة، أو استعراض خطير في الطرق العامة (كالقيادة الاستعراضية والتفحيط)، مما يضع حياة السائق والآخرين في خطر مباشر لمجرد نيل إعجاب لحظي أو إثبات الذات.
  • النرجسية المرورية: الشغف المفرط أحيانا يولّد شعورا كاذبا بالاستعلاء والاستحقاق خلف عجلة القيادة، مما يؤدي إلى ممارسات عدائية تجاه بقية مستخدمي الطريق.

   4. التكاليف البيئية والمجتمعية

  • الاستهلاك غير المستدام: التخلي عن السيارات السليمة وتغييرها بصفة مستمرة يرفع معدلات النفايات الصناعية والانبعاثات الكربونية.
  • تكريس ثقافة الإنهاك الاستهلاكي: التحول من الاستفادة من المركبة كوسيلة نقل صديقة للبيئة إلى أداة للهدر والتلوث الناجم عن المحركات المعدلة ذات الانبعاثات العالية.

عندما تصبح السيارة وسيلة دائمة للهروب من المشكلات أو تعويض الشعور بالنقص، تتراجع المتعة التي بدأت منها الهواية. فلا يعود الشخص مهتما بالسيارة لذاتها، بل بما تمنحه مؤقتا من قبول أو انتباه أو شعور بالسيطرة.

وهوس السيارات -بهذا المعنى- ليس ظاهرة بسيطة؛ إذ تتداخل فيه الدوافع الشخصية مع البيئة الاجتماعية والرسائل الثقافية والتسويقية. فقد يكون الاهتمام بالسيارات هواية تمنح صاحبها المتعة والمعرفة والصداقات، لكنه قد يتحول إلى عبء إذا بدأ يستنزف ماله أو يضر بعلاقاته أو يدفعه إلى المخاطرة.

ولا يتعلق التوازن بالتخلي عن الهواية، بل بأن تبقى جزءا من الحياة لا أن تستحوذ عليها. والمقياس الأوضح هو أثرها: هل ما زالت السيارة تضيف إلى حياة صاحبها، أم بدأت تأخذ منها أكثر مما تمنح؟

 

المصدر: الجزيرة