معلمة مسلمة تدرب أطفالا مسيحيين على الصلوات الخمس في بريطانيا.. ما حقيقة الفيديو؟

ضجت منصات التواصل الاجتماعي بموجة تحريضية استهدفت الوجود الإسلامي والأنشطة التعليمية للمسلمين في بريطانيا إثر انتشار مقطع فيديو يُظهر معلمة محجبة وهي تُعلّم أطفالا أنشودة تفاعلية حول أداء الصلوات الخمس باللغة الإنجليزية، على وقع لحن أنشودة “فرير جاك” الفرنسية الشهيرة.

واستغلت حسابات على المنصات الرقمية المقطع للترويج لرواية تزعم أن معلمين مسلمين يمارسون “تلقينا قسريا وغسل أدمغة” لأطفال مسيحيين داخل إحدى المدارس الحكومية في بريطانيا، داعية أولياء الأمور والسلطات إلى التدخل العاجل لـ”إنقاذ الأطفال من التطرف”.

وأثار المقطع موجة غضب وتعليقات تحريضية واسعة، مصحوبة بدعوات صريحة لسحب الأطفال من مدارسهم، ومزاعم بأن ما يظهر في الفيديو يجري “سرا” داخل النظام التعليمي البريطاني دون علم أولياء الأمور. فما حقيقة هذه الادعاءات؟

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2من أرض زراعية إلى مدينة حوسبة.. كيف يتمدد مشروع أمازون الملياري في كاليفورنيا؟
  • list 2 of 2“طريق الحرير الجليدي”.. الصين تدشن خط حاويات يعبر القطب الشمالي إلى أوروبا

end of list

يُظهر الفيديو معلمة محجبة تجلس في مقدمة قاعة أمام أطفال يرتدون زيا موحدا، يرددون خلفها الأنشودة بحماس على شكل حوار وتكرار: تسألهم “كم مرة نصلي؟”، فيجيبون “خمس مرات في اليوم”، ثم تسألهم “وما هي؟” فيرددون أسماء الصلوات الخمس تباعا، ويختتم المقطع برفع الأطفال أيديهم بالدعاء وترديد عبارة “الحمد لله”.

هجوم ورسائل تحريضية

وقد روجت حسابات على فيسبوك وتيك توك، من بينها صفحات تصف نفسها بأنها إخبارية، رواية مفادها أن ما يظهر في المقطع يجري داخل “مدرسة إنجليزية”، وأن معلمة مسلمة “تلقّن أطفالا بيضا غير مسلمين” الصلوات الإسلامية الخمس.

وطرحت إحدى الصفحات السؤال بصيغة استفزازية: “هل ينبغي أن تُدرّس المدارس الإنجليزية عادات الصلاة الإسلامية للأطفال الصغار بهذه الطريقة، أم أن هذا يتجاوز الخط الأحمر؟”.

وذهبت منشورات أخرى إلى مستوى أكثر حدة، إذ وصف أحدها ما يجري بأنه “تلقين لأفكار المسلمين”، وسط تحذير صريح للأهالي بضرورة إخراج أطفالهم من المدرسة “قبل أن يتحولوا إلى جهاديين”، ووصفه بأنه “غسل أدمغة لا أكثر ولا أقل”.

إعلان

وربط منشور آخر مواقيت الصلوات الخمس بمزاعم عن خطة ممنهجة يستخدم فيها المسلمون وظائف التدريس “لتطبيع الإسلام”، بل وتحدث عن هدف مزعوم لـ”إغراق العالم” بالمسلمين وتحويل أطفال غير مسلمين إلى الإسلام لاحقا، مستخدما وسوما مثل “التطرف” و”الأسلمة” و”الراديكالية”.

كما استُخدم المقطع في مواد بلغات أوروبية أخرى وصفت ما يحدث بأنه استمرار لـ”تلقين وغسل أدمغة وأسلمة للأطفال المسيحيين”.

انتشار رقمي واسع

وتفاعل عدد من المؤثرين مع المقطع، فحذر أحدهم من “ضياع الهوية الثقافية البريطانية”، فيما استغل آخرون القضية لجمع تبرعات مالية تحت شعار “مواجهة” ما وصفوه بتهديد لمستقبل الأطفال.

وحصدت المنشورات آلاف التفاعلات التي اتسمت بلغة عدائية حادة ودعوات صريحة للتحريض على المعلمة وطردها.

أين التُقط الفيديو؟

تعقبت وحدة المصادر المفتوحة في الجزيرة أصل المقطع عبر البحث العكسي وتتبع أقدم نسخة متداولة منه، فتبين أنه نُشر للمرة الأولى على إنستغرام في الثامن من أبريل/نيسان 2026 عبر حساب باسم “clever little muslims”، وهو اسم يشير بوضوح إلى محتوى تعليمي إسلامي موجّه للأطفال.

وجاء المنشور الأصلي مرفقا بتعليق يخاطب الأهالي بعبارة: “تخيل طفلك وهو يكبر معتقدا أن الصلاة مجرد جزء من الحياة، ليست مفروضة (بالإكراه) ولا موضع تفاوض، بل أمر طبيعي”، مختتما المنشور بعدة وسوم من بينها “مسلمون صغار أذكياء” و”حضانة إسلامية”.

وبالبحث عن اسم المؤسسة صاحبة الحساب عبر خرائط غوغل تبين أنه مركز دروس خصوصية مقره في ولاية نيو ساوث ويلز في أستراليا، وليس في بريطانيا كما روّجت المنشورات المتداولة.

صورة تؤكد موقع المركز التعليمي في ولاية نيو ساوث ويلز بأستراليا
صورة تؤكد موقع المركز التعليمي في ولاية نيو ساوث ويلز بأستراليا (خرائط غوغل)

ويقدِّم المركز وفق موقعه الرسمي “برنامج تهيئة للمدرسة” يجمع بين دروس اللغة العربية وتلاوة القرآن والدعاء من جهة، وتعليم القراءة عبر منهج الصوتيات والحساب والفنون والتربية البدنية من جهة أخرى.

وأشار إلى أنه يقدِّم المحتوى للأطفال ضمن فلسفة تربوية معلنة تقوم على التنمية الشاملة للطفل، وغرس القيم الإسلامية، والتعلم القائم على اللعب، مستشهدا بحديث نبوي: “أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم” كشعار لفلسفته التعليمية.

هذه المعطيات تؤكد أن الأطفال الظاهرين في المقطع هم أطفال مسلمون ملتحقون بمركز تعليمي إسلامي خاص باختيار أسرهم في أستراليا، وليسوا تلاميذ في مدرسة حكومية إنجليزية يتلقون تعليما دينيا “سرا” ودون علم ذويهم، كما زعمت المنشورات المتداولة.

سجلات رسمية

وللتأكد من أن المركز كيان تعليمي فعلي مرخص وليس مجرد واجهة على وسائل التواصل، رجعت الوحدة إلى سجلات حكومية أسترالية رسمية.

 وأظهر البحث في سجلات هيئة الأوراق المالية والاستثمارات الأسترالية “إيه إس آي سي” (ASIC) أن الاسم التجاري “Clever Little Muslims Educational Centre” مسجل رسميا منذ 25 مايو/أيار 2021، وأن حالته سارية حتى 25 مايو/أيار 2027، ويحمل رقم عمل أسترالي.

وثيقة رسمية تؤكد السجل التجاري للمركز في هيئة الأوراق المالية والاستثمارات الأسترالية
وثيقة رسمية تؤكد السجل التجاري للمركز في هيئة الأوراق المالية والاستثمارات الأسترالية (إيه إس آي سي)

وبمطابقة الرقم عبر سجل (ABN Lookup) الحكومي تبين أن النشاط المسجل باسم “سامية قطّار” نشط منذ 8 يوليو/تموز 2013، أي أن عمر النشاط أقدم بثماني سنوات من تاريخ تسجيل الاسم التجاري عام 2021، وهو ما يتطابق مع ما يذكره المركز على موقعه من أنه يعمل منذ 2013.

بيانات المركز الاسلامي في سجل (ABN Lookup) الحكومي في أستراليا
بيانات المركز الاسلامي في سجل (ABN Lookup) الحكومي في أستراليا

ويتقاطع ذلك مع إعلان رسمي نشرته إدارة المركز بتاريخ 30 أبريل/نيسان 2024 عن انتقالها إلى مقرها الحالي في “3 Waldron Road, Sefton”، وهو العنوان نفسه الظاهر على خرائط غوغل. وبذلك تتطابق هوية النشاط من حيث الاسم التجاري ورقم التسجيل واسم صاحبته عبر مصادر التحقق المستقلة.

تطابق الموقع الجديد للمركز (يسار) مع لقطات أرشيفية لنفس المكان من "خرائط غوغل"
تطابق الموقع الجديد للمركز (يسار) مع لقطات أرشيفية لنفس المكان من “خرائط غوغل”

هوية المعلمة

وبمراجعة أرشيف حساب المركز على إنستغرام، عثرنا على منشور سابق يعود إلى عام 2024 يظهر فيه وجه السيدة نفسها الظاهرة في المقطع ويعرفها باسم “السيدة عايدة” إذ ذكر أنها تُدرّس أحد صفوف ما قبل الروضة في المركز وتلقب بـ”أم الفريق التعليمي”.

وهذا يؤكد أن المعلمة موظفة معروفة الهوية داخل المركز نفسه منذ عامين على الأقل قبل انتشار المقطع، وليست شخصية مجهولة أو “متسللة” كما أوحت الروايات المضللة.

من يقف وراء التضليل؟

يشير البحث عبر المصادر المفتوحة إلى أن أول من أعاد نشر المقطع مقرونا بالصياغة المضللة هو حساب يحمل اسما يجمع بين كلمة “Albanach” واسم تنظيم “Scottish Defence League” أي “رابطة الدفاع الأسكتلندية”، وذلك بتاريخ الثاني من أغسطس/آب 2026.

واللافت أن هذا الحساب، وفق أدوات الشفافية الخاصة بفيسبوك، أُنشئ في اليوم نفسه الذي نشر فيه المقطع.

إعلان

وبمراجعة سجل منشوراته، تبين أنه ينشر بانتظام محتوى يحمل خطابا معاديا للمهاجرين والمسلمين، من بينها مقاطع تصف مهاجرين بأوصاف عنصرية مهينة في سياق حديثها عن حوادث عنف مزعومة في غلاسكو.

كما أنشأ صاحب الحساب نفسه في الفترة ذاتها قناة على يوتيوب باسم “SDL Scotland” بتاريخ 31 يوليو/تموز 2026، أي قبل يومين فقط من نشر المقطع، ونشر عبرها 49 مقطع فيديو، في جهد منظم لتوزيع الرواية نفسها عبر أكثر من منصة في وقت متزامن.

انخراط منظمة يمينية

وتصنف الحكومة الأسكتلندية رسميا رابطة الدفاع الأسكتلندية “إس دي إل” (SDL) بأنها منظمة تنتمي إلى أقصى اليمين، مرتبطة ارتباطا وثيقا بحركة “رابطة الدفاع الإنجليزية” “إي دي إل” (EDL)، التي نشأت في سياق حركة احتجاجية تركز خطابها على قضايا الإسلام والهجرة والهوية البريطانية، وقدمت نفسها مدافعة عن التراث المسيحي في أسكتلندا وبريطانيا.

واعتمد نشاطها على مظاهرات وتجمعات حملت خطابا معارضا لما تصفه بـ”أسلمة البلاد” وأثارت مواجهات مع جماعات مناهضة للعنصرية، وتناولت وثائق حكومية وبرلمانية أثر هذه المسيرات على تماسك المجتمعات المحلية في أسكتلندا وبريطانيا.

وكشف تحقيق نشرته منصة “ذا فيريت” الأسكتلندية عام 2020 أبعادا أكثر خطورة في تاريخ الجماعة. ونقل عن خبير متخصص في التطرف اليميني أن للرابطة روابط مقلقة بجماعات نازية جديدة محظورة في بريطانيا، مشيرا إلى أن أحد أعضائها السابقين حُكم عليه بالسجن 12 عاما بتهم إرهاب، كما حظرت فيسبوك صفحة الرابطة عام 2019 بسبب خطاب الكراهية.

وقد جعلت ما تصفه بـ”الإسلام والأسلمة” محورا أساسيا في خطابها المعلن، كما ناقش نواب في البرلمان الأسكتلندي في وقت سابق نشاطها صراحة في سياق العنصرية وخطاب الكراهية ضد الأقليات وخصوصا المسلمين.

 

المصدر: الجزيرة