تعيش المملكة المتحدة واحدة من أكثر الفترات المناخية حرجا في تاريخها الحديث، إذ تتوالى موجات الحر الصيفية لتسجل درجات حرارة قياسية متتالية، مما وضع البلاد أمام اختبار غير مسبوق لبنيتها التحتية ونمط حياة سكانها. ومع تسجيل أعلى درجة حرارة خلال العام، تحوّل التغير المناخي من مجرد تحذيرات أكاديمية إلى واقع ملموس يمس تفاصيل الحياة اليومية، ويضع السلطات والمواطنين في مواجهة مباشرة مع أزمات الجفاف والحرائق وتضرر شبكات المواصلات.
إنذارات الهواتف وأزمة المواصلات
لم تكن صفارات الإنذار، التي انطلقت عبر نظام الطوارئ الوطني على الهواتف المحمولة في 14 أغسطس/آب، مجرد تنبيه عابر، بل جاءت تحذيرا صريحا من المخاطر المضاعفة لارتفاع الحرارة والجفاف الممتد. وسط تحذيرات متواصلة من أجهزة الإطفاء بشأن الانتشار السريع لحرائق الأعشاب والغابات، إذ أصبحت التربة المتيبسة والنباتات الجافة بمثابة وقود سريع الاشتعال يهدد المناطق السكنية، والمساحات الزراعية على حد سواء.
وأدت هذه الظروف الجوية القاسية إلى ضغوط هائلة على شبكات النقل، حيث تسببت التغيرات الحرارية وجفاف التربة في حوادث ومخاطر استثنائية، كان أبرزها حادثة انحراف قطار عن مساره في منطقة “إسكس”، وهو ما تناولته الصحافة العالمية كدليل على تأثر البنية التحتية التاريخية لبريطانيا بالظواهر المناخية الحادة.
كما أعلن سائقو الحافلات إضرابهم عن العمل، محذرين من شدة حرارة كبائن القيادة خلال موجات الحر، إلى درجة تعرّضهم لخطر التسبب في حوادث قاتلة أو الإغماء أثناء القيادة. وتطالب هذه الإضرابات، التي نظمتها نقابة “يونايت” (Unite the Union) في 11 يوما منفصلا بدءا من الآن وحتى منتصف أكتوبر/تشرين الأول، بإحلال أجهزة تكييف هواء متكاملة محل أنظمة التبريد الهوائي في الكبائن.

هايد بارك واصفرار الرئة الخضراء
في قلب لندن، تجلت آثار حبس الأمطار والجفاف في حديقة هايد بارك الشهيرة (Hyde Park) وغيرها من الحدائق الملكية. فالحديقة التي طالما ارتبطت في أذهان الزوار بالمسطحات الخضراء الممتدة، أصبحت تعاني من جفاف شديد تحوّل معه العشب النضير إلى اللون الأصفر الباهت.
وأعلنت وكالة البيئة أن 71.3% من مساحة إنجلترا باتت في حالة جفاف، مع تزايد الضغط على موارد المياه، وفرض الهيئات المعنية قيودا مشددة على الاستهلاك. في حين استمرت التوقعات الجوية الصادرة عن “بي بي سي ويذر” (BBC Weather) والتحليلات الصادرة عن صحيفة “الإندبندنت” في الإشارة إلى أن موجات الحر القادمة قد تمتد لفترات أطول، مما يعمق أزمة المياه، ويضاعف المخاطر على البيئة والمناطق الحضرية.
صلاة الاستسقاء: دعوة عربية وإسلامية لطلب الغيث
أمام هذا الاحتباس المطري المتواصل، والارتفاع غير المسبوق في درجات الحرارة، أعلنت الجالية العربية والإسلامية في بريطانيا عن تنظيم صلاة الاستسقاء في مختلف المساجد والمراكز الإسلامية، وذلك يوم الأحد 16 أغسطس/آب، للانضمام إلى ما أطلق عليه المنظمون (اليوم الوطني للصلاة من أجل المطر 2026). وتُعد هذه المرة الثانية بعد دعوتهم السابقة للصلاة يوم السبت الأول من أغسطس/آب.
وتأتي هذه الدعوة للتوجه إلى الله بالدعاء والاستغفار لطلب المطر ورفع حالة الجفاف والحرائق، كخطوة إيمانية ومجتمعية تعكس اندماج الجاليات المسلمة وتفاعلها الصادق مع الأزمات البيئية والمناخية التي تمس المجتمع البريطاني بأكمله.
بين الإرشادات الرسمية ومطالبات النشطاء: كيف يتعامل المجتمع؟
أمام هذا الوضع الاستثنائي، كثفت الجهات الحكومية والإنسانية جهودها التوعوية لحماية السلامة العامة:
الإرشادات الحكومية والصحية: نشرت الحكومة البريطانية دليلها الرسمي “قاوم الحر” (Beat the Heat) للتعامل مع الطقس الحار، متضمنا نصائح لترشيد المياه والحفاظ على برودة المنازل.
الدعم الإنساني والتوعية: قدّم الصليب الأحمر البريطاني، عبر منصته “بريتش ريد كروس” (British Red Cross)، إرشادات فورية لحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر، مثل كبار السن والأطفال، أثناء موجات الحر.
الضغط السياسي والمناخي: في المقابل، وجهت منظمات بيئية نداءات حادة إلى القيادات السياسية، إذ حثت المجموعات الخضراء، وهي ائتلاف يضم أكثر من 50 منظمة بيئية ومناخية ومجتمعية بارزة في المملكة المتحدة، عمدة مانشستر الكبرى “آندي بيرنهام” على كسر صمته تجاه أزمة المناخ، وتفعيل خطط مواجهة الطوارئ المناخية بصورة أكثر جذرية.
التكيف السلوكي: أظهر التقرير الصادر عن “بي بي سي نيوز” (BBC News) كيف بدأ المواطنون تعديل أنماط حياتهم اليومية، بدءا من تجنب الخروج في أوقات الذروة والالتزام بحظر الشواء في الأماكن المفتوحة، ووصولا إلى تغيير عادات الاستهلاك المنزلي للمياه.
تثبت الأزمة الحالية أن ما تشهده بريطانيا ليس مجرد صيف حار عابر، بل تحوّل هيكلي في مناخ البلاد، يستدعي استجابة شاملة تجمع بين التخطيط الحكومي الصارم والتوعية الإنسانية والتضامن المجتمعي، لتجاوز هذه التحديات الحادة والحفاظ على أرواح السكان ومقومات البيئة.
المصدر: الجزيرة