أثارت تصريحات وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير بشأن الحرب في قطاع غزة، والتي دعا فيها إلى قتل عشرات الفلسطينيين يوميا وإعادة الاستيطان في القطاع، موجة انتقادات في ألمانيا، وسط دعوات إلى تحرك أوروبي وفرض عقوبات عليه.
وطالب سياسيون ألمان الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على بن غفير، فيما حذرت أصوات داخل إسرائيل من تداعيات خطاب اليمين المتطرف على مستقبل البلاد وعلاقاتها الخارجية.
وكانت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية قد نقلت عن بن غفير قوله إنه ينبغي لإسرائيل أن تقتل ما بين 30 و40 فلسطينيا كل ليلة في غزة، وأن توسّع عملياتها العسكرية لتشمل أشخاصا لا يشكلون تهديدا مباشرا، كما جدد دعوته إلى إقامة مستوطنات إسرائيلية في القطاع وتشجيع الفلسطينيين على مغادرته.
وقال بن غفير إنه لا يعتقد أن الاستهداف يجب أن يقتصر على من يشكلون تهديدا فوريا، مضيفا أن هناك، بحسب وصفه، أشخاصا في غزة “لا يستحقون الحياة، إنهم ليسوا حتى بشرا”، كما دعا إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية في القطاع.
وتأتي تصريحات بن غفير في وقت تشهد فيه الحكومة الإسرائيلية خلافات بشأن مسار الحرب في القطاع ومستقبلها، وكان بن غفير قد أعلن في مناسبات عدة معارضته لتقليص العمليات العسكرية، منتقدا توجهات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المتعلقة بمستوى العمليات في غزة، ولا سيما مع تصاعد الضغوط الدولية للدفع نحو مسار سياسي.
ألمانيا تدعو إلى عقوبات
وفي ألمانيا، أثارت تصريحات بن غفير ردود فعل سياسية قوية، فقد دعا المتحدث باسم الشؤون الخارجية لكتلة الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي في البرلمان الألماني، يورغن هاردت، الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات على الوزير الإسرائيلي.
ووصف هاردت تصريحات بن غفير بأنها “لا إنسانية”، معتبرا أن الاتحاد الأوروبي مطالب باتخاذ موقف واضح تجاهها، في إطار التزامه بالدفاع عن حقوق الإنسان والقانون الدولي.
كما انتقد هاردت مشاركة بن غفير ووزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش في الحكومة، معتبرا أن تشكيل حكومة إسرائيلية لا تضم ممثلين عن اليمين المتطرف يمكن أن يسهم في تحسين العلاقات بين إسرائيل وأوروبا بعد الانتخابات المقبلة.
وفي السياق نفسه، دعا النائب عن حزب اليسار الألماني ديتمار بارتش الحكومة الألمانية والاتحاد الأوروبي إلى إدانة تصريحات بن غفير ودراسة فرض عقوبات عليه، بما في ذلك بحث إمكانية منعه من دخول الأراضي الأوروبية.
وتعكس هذه الدعوات نقاشا متزايدا داخل ألمانيا بشأن كيفية التعامل مع المسؤولين الإسرائيليين المنتمين إلى اليمين المتطرف، خصوصا عندما تتعارض تصريحاتهم مع المواقف الأوروبية المعلنة بشأن حماية المدنيين والقانون الدولي.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقد انتقد رئيس المجلس المركزي لليهود في ألمانيا، يوزف شوستر، بشدة تصريحات بن غفير.
تصرفات مخزية
وقال شوستر، في برلين اليوم الثلاثاء، إن تصرفات وزير الأمن القومي الإسرائيلي، “مخزية للغاية وغير مسؤولة”، مضيفا أنها تظهر الخطر الذي تمثله القوى اليمينية المتطرفة.
ووصف شوستر تصريحات بن غفير بأنها تتسم بازدراء الإنسان، وأنها “تتناقض تماما مع القيم اليهودية وتضر بصورة إسرائيل. وأنا أنأى بنفسي صراحة عن إيتمار بن غفير”.
من جانبها، دعت المفوضية الأوروبية إسرائيل إلى الالتزام بالقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، مؤكدة ضرورة حماية المدنيين.
وقالت المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية، أنيتا هيبر، إن الاتحاد الأوروبي يتوقع من إسرائيل الالتزام بتعهداتها بموجب القانون الدولي، مشددة على أن حماية المدنيين يجب أن تكون مضمونة في جميع الأوقات.

انتقادات من داخل إسرائيل
ولا تقتصر الانتقادات الموجهة إلى بن غفير على الخارج، إذ تصاعدت في إسرائيل أيضا أصوات تنتقد مواقفه وسياسات اليمين المتطرف.
وكان الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ قد انتقد في مناسبات سابقة تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، محذرا من انعكاساته على المجتمع الإسرائيلي وعلى صورة إسرائيل في الخارج، وأدت مواقف هرتسوغ إلى سجال مع بن غفير، الذي رد على الانتقادات الموجهة إلى سياساته.
وتكشف هذه المواجهات عن خلاف أوسع داخل إسرائيل بشأن حدود الخطاب السياسي الذي يمكن أن تتبناه الحكومة، ودور اليمين المتطرف في تحديد السياسات المتعلقة بالحرب والاستيطان والعلاقة مع الفلسطينيين.
وفي هذا السياق، يرى منتقدون إسرائيليون أن المشكلة التي يطرحها صعود بن غفير وسموتريتش لا تتعلق فقط بالسياسة تجاه الفلسطينيين، وإنما تمتد إلى طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي وقدرته على الحفاظ على علاقاته الدولية.

التطرف ومصالح إسرائيل
ويحذر سياسيون وشخصيات إسرائيلية من أن استمرار نفوذ التيارات اليمينية المتطرفة قد يترك آثارا تتجاوز مستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
فإلى جانب تأثير هذه السياسات على فرص التوصل إلى تسوية سياسية، يمكن أن يؤدي الخطاب المتشدد إلى زيادة الضغوط الدولية على إسرائيل، وتوسيع دائرة الخلاف مع الدول الأوروبية، وتعقيد علاقاتها مع حلفائها.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت قد انتقد، في مايو/أيار 2025، سياسات بن غفير وسموتريتش، ووصفهما بـ”الإرهابيَين”، محمّلا إياهما مسؤولية التدهور الذي تواجهه إسرائيل على المستويين الداخلي والخارجي، ومحذرا من أن استمرار هذا النهج قد يدفع البلاد نحو مزيد من العزلة الدولية.
وقال أولمرت في تصريحات لإذاعة “103 إف إم” الإسرائيلية إن “السياسة التي يقودها إرهابيان هما بن غفير وسموتريتش تُسبب كارثة لإسرائيل، وستؤدي إلى عزلتها ونبذها من العالم أجمع”.
وفي مقاله المنشور في صحيفة هآرتس في 13 مايو/أيار 2025، استهل الصحفي الإسرائيلي جدعون ليفي مقاله بالقول: “أخيرا، أصبحنا جميعا إيتمار بن غفير”، منتقدا المناخ السياسي السائد في إسرائيل بعد حرب غزة.
ورأى ليفي أن الخطاب القومي والعسكري المتشدد لم يعد مقتصرا على بن غفير وتيار اليمين المتطرف، بل بات يحظى بحضور أوسع في المشهد السياسي الإسرائيلي.
واعتبر ليفي أن التطرف الذي يجسده بن غفير لم يعد حالة استثنائية داخل إسرائيل، بل أصبح جزءا متزايدا من الخطاب السياسي العام، بما يعكس تحولا في مواقف قطاعات من الطبقة السياسية تجاه الحرب والفلسطينيين.
وليست الدعوات الأوروبية الحالية لمعاقبة بن غفير الأولى من نوعها، إذ سبق أن واجه الوزير الإسرائيلي ضغوطا مماثلة بسبب مواقفه وتصرفاته تجاه الفلسطينيين والمتضامنين معهم.
فقد اتخذت سلوفينيا في يوليو/تموز 2025 خطوة أكثر مباشرة عندما أعلنت منع بن غفير وسموتريتش من دخول أراضيها، ووصفت الوزيرين بأنهما شخصان غير مرغوب فيهما، في قرار قالت إنه يهدف إلى الضغط على إسرائيل لإنهاء المعاناة في قطاع غزة.
وفي مايو/أيار الماضي، أظهر اعتراض البحرية الإسرائيلية أسطول الصمود العالمي في المياه الدولية قرب سواحل قبرص واقتياد سفنه إلى ميناء أسدود فصلا جديدا من فصول المواجهة بين آلة القمع الإسرائيلية وحركات التضامن الدولي.
لكن المشهد الأكثر إثارة للجدل، والذي فجّر عاصفة من الغضب الدولي، تجسد في مقطع مصور نشره الوزير الإسرائيلي بن غفير، ظهر فيه متباهيا بما وصفه بالتعامل مع نحو 175 ناشطا ومتضامنا دوليا، وهم مكبلو الأيدي ومعصوبو الأعين، في مشهد أثار انتقادات واسعة، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العزلة السياسية لإسرائيل.
وقد شملت ردود الفعل الدولية تلك دولا عدة من بينها إسبانيا وكندا وهولندا وفرنسا وإيطاليا وبلجيكا وبريطانيا والبرازيل، وتنوعت بين استدعاء ممثلي إسرائيل والاحتجاج على سوء معاملة الناشطين والاعتداء عليهم واحتجازهم.
كما دعا 29 نائبا في البرلمان الأوروبي إلى إدراج بن غفير ضمن “نظام عقوبات حقوق الإنسان العالمي”، بينما طلبت إيطاليا رسميا من الاتحاد الأوروبي بحث فرض عقوبات عليه، على خلفية الانتهاكات بحق الناشطين.
وبينما يواصل بن غفير الدفع باتجاه تصعيد العمليات العسكرية وإعادة الاستيطان وتشجيع الفلسطينيين على مغادرة غزة، تواجه إسرائيل ضغوطا متزايدة من حلفائها وشركائها الأوروبيين، إلى جانب انتقادات من شخصيات إسرائيلية ويهودية ترى في هذا الخطاب ابتعادا عن القيم التي يفترض أن تحكم الدولة.
المصدر: الجزيرة