ارتبطت منطقة “باب البحر” في القاهرة القديمة بالنيل الذي كان يمتد إليها قديما، ومنه اكتسبت اسمها، قبل أن يتراجع مجرى النهر وتبقى التسمية شاهدة على تاريخ المكان. ويُعد “باب البحر” أحد الأبواب التي أُنشئت في عهد صلاح الدين الأيوبي، إلى جانب “باب الشعرية”، الذي حمل اسمه نسبة إلى طائفة “بني الشعرية” المغربية التي استوطنت المنطقة منذ العصر الفاطمي.
ورغم أن مياه النيل غابت عن “باب البحر” منذ زمن، احتفظت المنطقة بصلتها بالموروث الشعبي المصري، وتحولت إلى واحدة من أشهر وجْهات صناعة وبيع “حلاوة المولد” (حلويات المولد النبوي الشريف)، حيث تنشط الورش والمتاجر مع اقتراب ذكرى المولد النبوي، مستعيدة موسما يجمع بين الحرفة القديمة والطقوس الاجتماعية المتوارثة.

باب البحر.. سوق الغذاء والدخان وحلاوة المولد
منذ قرون طويلة، تغير وجه باب البحر؛ فلم تعد مياه النيل تمتد في القاهرة حتى ميدان رمسيس، وتغير وجه الميدان نفسه، لكنّ شارع باب البحر بقي مركزا لتجارة الجملة في القاهرة، ولا سيما تجارة المواد الغذائية والدخان على مدار العام، إلى جانب صناعة حلاوة المولد وبيعها بالجملة والتجزئة في موسم المولد النبوي. وهي الحلوى التي أرسى الفاطميون تقاليدها، ثم واصل المصريون التفنن في أصنافها والإضافة إليها، احتفاء بمولد سيد الخلق.
ومع بداية العام الهجري، تبدأ مصانع الحلوى الاستعداد للموسم، فتُجهز حلاوة المولد والعرائس تمهيدا لنقلها إلى المحافظات المختلفة. وفي منتصف شهر صفر، يبدأ توزيع الحلوى بالجملة داخل القاهرة، بينما تنطلق مبيعات التجزئة في الأيام العشرة الأولى من ربيع الأول.
وفي هذا الوقت، يبدأ حسن الزغاط تجهيز “صندوق الملبن”. ويُعد الزغاط، البالغ من العمر 70 عاما، أقدم بائع للملبن في شارع باب البحر؛ إذ يعمل في بيع حلاوة المولد منذ 55 عاما. وقد ورث المحل مع ثلاثة من أشقائه عن والدهم، لكنّ حسن وحده يملك “صندوق الملبن”، وهو صندوق زجاجي مخصص لحفظ الملبن من الحرارة إذا جاء المولد صيفا، ومن البرودة إذا حل شتاء.
يقف عَم حسن طوال النهار يعيد ترتيب أحبال الملبن داخل الصندوق، ويغمرها بمزيج من النشا والسكر ليحافظ على طراوتها، ثم يتحسس قطع الجوز، أو “عين الجمل”، بداخلها ويتمتم: “مش هتلاقي زيه في حتة ده”.

موسم الحلاوة والذكريات
تفرقت السبل بالأشقاء الثلاثة؛ فبقي حسن وشقيقه الأكبر جلال في المحل يبيعان الحلوى خلال الموسم، بينما ابتعد الشقيق الثالث عن هذه التجارة.
ويشير حسن إلى أن تجارة حلوى المولد لم تعد مربحة كما كانت في السابق، وأن العاملين فيها بباب البحر لا يطاردون هامش ربح كبيرا مثل المتاجر الكبرى التي باتت تستحوذ على الزخم الأكبر في الموسم. لكنها عادة لا يقطعها حسن، كما لا يتخلى عنها باب البحر.
“سوق الحلاوة جَبْر”، هكذا كان المصريون يتندرون على ارتفاع أسعار حلوى المولد خلال العامين الماضيين، بسبب القفزة الكبيرة في أسعار السكر. لكنّ حال باب البحر هذه الأيام يبشر بموسم أفضل من سابقَيْه.
يقول حسني، البالغ من العمر 55 عاما، ويعمل في أحد متاجر المواد الغذائية الكبرى في باب البحر، إن صاحب المتجر لا يقطع العادة التي ورثها عن أجداده، ويخصص الطابق الأول لعرض حلوى المولد وبيعها.
ويعمل حسني أيضا خادما في مسجد تابع لوزارة الأوقاف؛ يفتحه في مواقيت الصلاة، ثم يغلقه ويعود إلى سوق الحلوى. يقول “أنا في باب البحر من وأنا عندي 15 سنة، ولما اشتغلت في الأوقاف اتعينت في مسجد سيدي البحر. ربنا أراد لي إني أفضل في مكاني، وما سبتوش من وقتها”.

عايدة ووفاء.. رحلة الموسم وفرحة الحلوى
يمثل شراء حلوى المولد طقسا مصريا يتجاوز فكرة البيع والشراء؛ فهو عادة سنوية وفرحة تشبه استقبال الأعياد وانتظار هلال رمضان وليلة العيد. وهي فرحة تحرص السيدتان عايدة ووفاء على إحيائها معا كل عام؛ إذ تجمعهما صلة القرابة ورفقة العمر، وتتشاركان المنزل والأفراح والأحزان والمناسبات العائلية.
تأتي السيدتان من ميدان الجيش إلى باب البحر سيرا على الأقدام، مرورا بباب الشعرية، في رحلة سنوية اعتادتا القيام بها لشراء الحلوى لأبنائهما. ورغم مشقة الطريق وارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، لم تتخليا عن طقسهما السنوي؛ فبعد تسلُّم معاشيهما، حان موعد نزهتهما المعتادة في باب البحر. تستند السيدة عايدة إلى عكازها، وترافقها ابنة خالها السيدة وفاء طوال الطريق.

تقول السيدة عايدة “أنا ما أعرفش المحلات الكبيرة، لازم أشتري ليا ولولادي من باب البحر”. وقد زوّجت ثلاثة من أبنائها، بينما لا يزال الرابع يقيم معها، لذلك تشتري 4 علب، وتختار محتويات كل منها بحسب تفضيلات الأسرة التي ستحملها إليها.
أما السيدة وفاء، فتشتري هذا العام، للمرة الأولى، علبة خاصة لابنتها الكبرى التي تزوجت قبل أشهر قليلة وتستقبل أول “موسم للمولد” في بيتها، وتقول “لازم أشتري لها حاجة تشرّف”.
حلاوة زمان.. عروسة حصان
تغيرت معالم حلوى المولد، واستجدت أصناف مختلفة تحمل السمت السوري، واحتل الفستق الحلبي أشكال الملبن والحلوى، لكنْ بقيت “العروسة الحلاوة” التي تحمل الهوية المصرية، لا تقبل تجديدا ولا ترضى إلا بذات القالب الصاج ونفس الألوان البسيطة التي تزينها، والأوراق المزركشة التي تصنع فستانها، وتاجها، ومعهن علم الملكية الأخضر بهلاله ونجومه الثلاثة؛ صناعة مصرية خالصة، لا يجاريها أحد.

مصنع العربي للحلويات، هو المصنع الوحيد في القاهرة الذي لا يزال يصنع العروسة والحصان التقليديين (الحلاوة) اللذين عادا بقوة في السنوات الأخيرة، كمحاولة لاستعادة النوستالجيا القديمة واستعادة الذكريات، يصنعها مصنع واحد فقط في باب البحر، ويزداد الطلب عليها في المحافظات المختلفة. الطاهي أحمد، يغادر المحل الذي يعمل به كشَيف للحلويات الشرقية، ويأتي للعمل في تجهيز العرائس وتلوينها وتزيينها كبهجة مرتبطة به منذ طفولته، حين كان يأتي مع أبيه يمارس نفس العمل في كل مولد نبوي، يجهز العرائس المصبوبة في قوالبها، يرسم حاجبيها باللون الأسود والشفاه يصبغها بالأحمر، ثم يزينها بالفستان الورقي، ثم يضيف لها زميله علم الملكية المصري القديم “العروسة عادة من زمان أوي كانت بتتقدم للملوك وأبنائهم وعشان كده كان بيتحط لها علم الملكية ولسه العادة مكملة”.
المصدر: الجزيرة