الصفقة الصامتة.. كيف أُُُُطيح بمادورو مرتين؟

في الثالث من يناير/كانون الثاني، لم يكن المشهد مجرد غارة عسكرية خاطفة أسفرت عن نقل رئيس دولة إلى قفص الاتهام الأمريكي، بل كان اختبارا غير مسبوق لصلابة نظام سياسي بُني لعقود على مفاهيم “السيادة المطلقة” وتحدي الإمبراطورية.

وبينما كانت العواصم تراقب سرعة الانزلاق نحو المجهول، أطلقت كاراكاس إشارات متضاربة كشفت عن ارتباك أولي سرعان ما تحول إلى إستراتيجية جديدة لإدارة الصدمة.

وبين النبرة الأولى التي رفعت التحدي وأقسمت على استعادة “الرئيس المخطوف”، والمسار السياسي الذي تشكّل هدوءا في الكواليس، خاضت القيادة الفنزويلية الجديدة تحولا دراماتيكيا اعتمد أسلوب التدرج قطرة قطرة. تتتبع هذه المادة القصة الكاملة لهذا التحول الفنزويلي:

البداية.. “أعيدوا مادورو”

في الساعات الأولى التي أعقبت الإعلان الأمريكي عن احتجاز الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك، جاء رد الفعل الرسمي من كاراكاس محاطا بالرغبة في المواجهة والتمسك المبدئي بالشرعية، دون أي إشارة أو تلميح لكون مادورو أصبح شيئا من الماضي.

لم تكن نائبة الرئيس، ديلسي رودريغيز، تتعامل مع الملف كأزمة رئاسة سابقة أو فراغ يتطلب البحث عن بديل دائم، بل انطلقت من خط موجّه يعتبر مادورو القائد الفعلي والشرعي الوحيد للبلاد.

تجلّى هذا الموقف في ظهور رودريغيز عبر التلفزيون الرسمي محاطة بأبرز قيادات الدولة، حيث وجهت خطابا حادا يصف ما جرى بـ”الاختطاف”، وطالبت بالإفراج الفوري غير المشروط عن مادورو وزوجته سيليا فلوريس.

وحتى مع صدور قرار المحكمة الفنزويلية بتكليف رودريغيز بتولي الرئاسة المؤقتة، أُطّر هذا الإجراء قانونيا وسياسيا كخطوة اضطرارية لتسيير الأعمال وحماية مؤسسات الدولة في ظل حالة القوة القاهرة، وليس كبداية لعهد جديد أو تخلٍّ عن الرئيس المحتجز.

هذه المرحلة الافتتاحية شهدت إصرارا من النظام الفنزويلي على رفض الطرح الأمريكي، ومقاومة محاولات واشنطن فرض سيطرة مؤقتة أو رسم مشهد سياسي جديد يهمش السلطة القائمة في كاراكاس.

خطوة إلى الخلف

لم يصمد التحدي الفنزويلي الأولي كثيرا أمام الضغوط الأمريكية العنيفة والتهديد بالخيار العسكري المباشر. فبعد تصريحات حادة أكدت فيها نائبة الرئيس السابقة والرئيسة المؤقتة، ديلسي رودريغيز، أن بلادها “لن تعود أبدا مستعمرة لأي إمبراطورية”، تلقت تحذيرا شديد اللهجة من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عبر صحيفة “ذي أتلانتيك”، هددها فيه بدفع “ثمن باهظ جدا، ربما أكبر مما دفعه مادورو” إذا لم تلتزم بما يريده.

إعلان

هذا التهديد الصريح بضربة ثانية أحدث تحولا ملموسا وسريعا في الخطاب الفنزويلي، حيث انتقلت رودريغيز من مربع التنديد باختطاف مادورو إلى مربع الانفتاح والمهادنة.

وفي منشور لها عبر “تليغرام”، وجهت دعوة رسمية للإدارة الأمريكية للعمل معا ضمن “أجندة تعاون” تركز على التنمية المشتركة والحوار، مبررة هذا التراجع بالبحث عن السلام وحق الشعب في تجنب الحرب.

ورغم استغلال رودريغيز لاسم مادورو شكليا بالقول إن “رسالة السلام والحوار هي رسالته دائما”، فإن مضامين التصريحات كشفت عن بدء التكيف مع الأمر الواقع الجديد.

فقد أصبحت القيادة الفنزويلية تتدارك الموقف عبر الاستجابة للإنذارات الأمريكية، بينما واصل ترمب تأكيد سيطرته بالإشارة إلى أن واشنطن هي من يمسك بزمام الأمور، معلنا المطالبة بـ”الوصول الكامل” إلى النفط والموارد الفنزويلية، ومؤطرا المشهد كتغيير نظام وإعادة بناء لا بد منها.

مشهد تمثيلي يُظهر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال جلسة استماع في قضية تتعلق بـ"الإرهاب المرتبط بالمخدرات"
مشهد تمثيلي يُظهر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال جلسة استماع في قضية تتعلق بـ”الإرهاب المرتبط بالمخدرات” (رويترز)

الاستسلام الكلي

انتهى مسار التدرج في التعاطي الفنزويلي إلى نقطة لم تكن متوقعة قبل أسابيع قليلة، حيث تحول تهديد المسؤولين الحكوميين (الورثة السياسيين للرئيس الفنزويلي السابق) بأن التدخل الأمريكي سيُشعل 100 عام من الحرب. وقال مسؤول كبير “إذا هاجموا فنزويلا، فلن تتمكن قطرة زيت واحدة من المغادرة من هنا إلى الولايات المتحدة”، تحوّل كل ذلك إلى ترحيب كامل واستسلام لشروط واشنطن.

لم تعد ديلسي رودريغيز تتعامل مع الأزمة كمسألة اختطاف رئيس شرعي يطالَب بالإفراج عنه، بل انتقلت القيادة الفنزويلية الجديدة إلى إبداء مرونة، عبر تسهيل السيطرة الأمريكية على ملف النفط، وإجراء تعديلات تشريعية لفتح الاقتصاد أمام الشركات الأمريكية، والتعاون المباشر في بيع النفط تحت التحكم المباشر للإدارة الأمريكية.

وفي خطوة تعكس حجم “الصدمة” والتخلي الضمني عن مادورو، أطلقت الحكومة سراح معتقلين أمريكيين وسجناء سياسيين دون مقابل تفاوضي تقليدي، بينما سوّقت قيادات النظام -بمن فيهم نجل مادورو نفسه (نيكولاس مادورو غيرا)- هذا الانفتاح كأنه تنفيذ لـ”تعليمات وتوجيهات” مادورو السابقة، لتغطية الانقلاب الكلي في النهج السيادي الذي أسسه هوغو تشافيز.

ومع الزيارات رفيعة المستوى، كزيارة مدير وكالة المخابرات المركزية “سي آي إيه” (CIA) لكاراكاس وحديث ترمب الإيجابي عن رودريغيز، أصبحت القيادة الفنزويلية تراهن على الاستجابة للمطالب الأمريكية لحماية بقائها في السلطة ومنع الانهيار الاقتصادي.

الستار ينسدل

وصل مسار التعاطي الفنزويلي مع رئيس البلاد المحتجز إلى مرحلته الأخيرة والنهائية وهي التخلي الكامل ومسحه من المشهد.

فبعد أسبوعين من المفاوضات الرسمية بين الحكومة والمعارضة، لم تطرح حكومة ديلسي رودريغيز ملف الإفراج عن نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس إطلاقا خلال جلسات التفاوض، لتتراجع نبرة التصريحات الأولى التي وصفت ما جرى بـ”العدوان الخسيس” وتعهدت بـ”عدم الاستراحة” حتى الإفراج عنه، وتحل محلها سياسة واقعية حسمت مصيره وأسقطت مطالب القواعد الشعبية.

إعلان

تجسد هذا التخلي عمليا، حيث أُزيلت اللوحات الإعلانية والجداريات المؤيدة لمادورو من شوارع المدن الفنزويلية، وغاب ذكره تماما عن الخطابات الرسمية للقيادة الجديدة.

ومع قيام رودريغيز بإعادة هيكلة القيادات العسكرية وتقريب الحرس القديم كديوسدادو كابيلو من واشنطن، تحول التركيز الحكومي كليا نحو أولوية واحدة، هي البقاء في السلطة، عبر تسوية الملفات الاقتصادية، كاستعادة الذهب والتنسيق لإصلاح القضاء وإطلاق سراح السجناء السياسيين، ليُترك مادورو لمواجهة محاكمته الفردية في بروكلين دون أي غطاء من نظامه السابق الذي أعاد رسم خطوطه السياسية بدونه.

 

المصدر: الجزيرة