هل بدأت طفرة الذكاء الاصطناعي تصطدم بحدودها؟

بين مؤشرات سوقية تنذر بتراجع الحماس، ومخاوف سياسية من أن تنفلت التكنولوجيا من السيطرة، يدخل الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة أقل بريقا، وأكثر واقعية، وأشد حاجة إلى قواعد تضبط تمدده.

ولا يبدو أن موجة الذكاء الاصطناعي التي اجتاحت الأسواق والاقتصاد الأمريكي تتجه إلى الانفجار، بقدر ما تتجه إلى إعادة تقييم قاسية للتوقعات التي رافقت صعودها.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2توليد الفيديو بالذكاء الاصطناعي.. مقارنة عملية بين “فلاكس 3″ و”سيدانس 2.5”
  • list 2 of 2الذكاء الاصطناعي في خدمة النفط.. هل تتحول ثورة التكنولوجيا إلى وقود لأزمة المناخ؟

end of list

وفي الوقت نفسه، تتسع المخاوف من أن تتحول البنية التحتية التي تقوم عليها هذه الثورة، ولا سيما مراكز البيانات، إلى نقطة ضعف سياسية واقتصادية تهدد استمرارها.

هل توشك فقاعة الذكاء الاصطناعي على الانفجار؟

وذهب الكاتب بريت ديكر -في مقال رأي بصحيفة وول ستريت جورنال- إلى أن التراجع الأخير في أسهم شركات التكنولوجيا لا يعني بالضرورة نهاية طفرة الذكاء الاصطناعي، وإنما قد يكون مؤشرا إلى انتقال السوق من مرحلة التوقعات المبالغ فيها إلى مرحلة أكثر واقعية.

وقال إن صيف هذا العام شهد تقلبات حادة في أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، مشيرا إلى أن التقدم الذي أحرزته الصين في هذا المجال، إلى جانب عوامل أخرى، أدى إلى تراجع الأسهم الأمريكية في الأسبوع الماضي، كما شهد الأسبوع الذي سبقه عمليات بيع مكثفة لأسهم الذكاء الاصطناعي، تضررت فيها بشدة شركات مثل إنفيديا وميكرون وغيرها.

ووفقا للمقال، فقد سارع المتشائمون، الذين ينتظرون كل تعثر في بورصة وول ستريت للأوراق المالية أو انتكاسة في مراكز البيانات، ليعلنوا أن هذه التكنولوجيا توشك على الانفجار”.

لكن ديكر يحذر من أن التسرع في إعلان “انفجار الفقاعة” قد ينطوي على مبالغة، موضحا أن المخاوف ليست بلا أساس، إذ تمثل الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي نحو 45% من القيمة السوقية لمؤشر ستاندرد آند بورز 500، في حين تستحوذ أكبر 7 شركات تكنولوجية أمريكية على أكثر من ثلث القيمة الإجمالية للمؤشر.

إعلان

ويرى الكاتب أن مستويات التقييم الحالية تثير القلق، خصوصا نسبة “شيلر” لتقييم الأسهم التي بلغت مستويات لم تُسجل منذ الفترة التي سبقت انفجار فقاعة الإنترنت عام 2000.

ورغم هذه الأرقام، شدد ديكر على أن النماذج القديمة لا تكرر نفسها بالضرورة، فقد لا تكون المشكلة في التكنولوجيا نفسها، بل في أنها تتقدم بوتيرة أبطأ مما كان متوقعا.

ويستند هذا الطرح إلى تراجع الفجوة بين الوعود والنتائج، فقد روج رواد التكنولوجيا خلال السنوات الماضية لتوقعات ضخمة، بينها أن الذكاء الاصطناعي قد يقضي على نصف الوظائف المكتبية أو يخلق طبقة دائمة من العاطلين.

لكن الواقع كان أكثر تعقيدا، ويلفت ديكر إلى أن شركات سرّحت موظفين أملا في استبدالهم بالذكاء الاصطناعي بدأت تعيد توظيف بعضهم، في حين خلصت دراسة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى أن 95%  من مشروعات الذكاء الاصطناعي التوليدي التجريبية لا تحقق عائدا قابلا للقياس على الاستثمار.

ومع ذلك، يؤكد الكاتب أن ذلك لا يعني أن الذكاء الاصطناعي فشل، فهو يحقق نتائج ملموسة في مجالات أقل إثارة إعلاميا، مثل استخراج البيانات والبحث وأتمتة سير العمل وخدمة العملاء وتلخيص الأنماط والبيانات.

كما بدأت الحكومة الأمريكية في استخدامه لكشف الاحتيال وتسريع الموافقات، بينما تستفيد منه وزارة الحرب (البنتاغون) في تطبيقاتها العسكرية وعمليات أخرى، في حين أظهرت الحرب في أوكرانيا قدرة التكنولوجيا على إحداث تحوّل فعلي في ساحات القتال.

ويضيف ديكر أن المنافسة مع الصين تدفع الابتكار إلى الأمام، وأن الذكاء الاصطناعي بات جزءا من منافسة صناعية وجيوسياسية عالمية، مما يجعل من الصعب اعتباره مجرد موجة عابرة، وحتى مشكلات مراكز البيانات، ومنها استهلاك المياه، قد تجد حلولا تقنية مع تطور الصناعة.

يسعى الديمقراطيون إلى فرض قيود أشد على مراكز البيانات، في حين يتراجع الجمهوريون عن دعم صناعة كانوا من أبرز مؤيديها خوفا من أن يعاقبهم الناخبون في الولايات المتأرجحة مثل أوهايو

بواسطة موقع أكسيوس

رفض شعبي

على أن الخطر الأكبر والأكثر وضوحا الماثل أمام الذكاء الاصطناعي وأي طفرة اقتصادية مرتبطة به، قد لا يأتي -وفق تقرير نشره موقع أكسيوس الإخباري- من الرقائق أو الطاقة أو الصين، وإنما من المعارضة الشعبية المتنامية في الولايات المتحدة.

وأوضح التقرير أن القلق المتزايد بشأن ارتفاع فواتير الكهرباء، واستهلاك كميات هائلة من المياه، وتمدد المباني الضخمة التي تشبه المستودعات، أدى إلى حالة من الارتباك بين قادة الأحزاب السياسية ورؤساء الشركات الذين يفتقرون للرسائل الكفيلة بتغيير الرأي العام.

ويفيد الموقع الإخباري الأمريكي بأن هذا الرفض الشعبي بدأ يتحول إلى مشكلة سياسية، إذ يسعى الديمقراطيون إلى فرض قيود أشد على مراكز البيانات، في حين يتراجع الجمهوريون عن دعم صناعة كانوا من أبرز مؤيديها خوفا من أن يعاقبهم الناخبون في الولايات المتأرجحة مثل أوهايو.

وتُظهر استطلاعات الرأي حجم التحول، إذ قال 52% من الأمريكيين إنهم يشعرون بقلق أكثر من حماسهم إزاء زيادة استخدام الذكاء الاصطناعي في حياتهم اليومية، مقابل 37% في عام 2021.

إعلان

كما أظهر استطلاع آخر أن 27% فقط من الناخبين يؤيدون إنشاء مركز بيانات في مجتمعاتهم، وهي نسبة جاءت في المرتبة الأخيرة بين مشروعات بنية تحتية مختلفة، حتى مقارنة بمحطات الطاقة النووية.

وأشار تقرير أكسيوس إلى تضخم الاستثمارات المرتبطة بالقطاع، حيث تقدر مؤسسة غولدمان ساكس أن الاستثمارات الأمريكية في الذكاء الاصطناعي ستصل إلى 600 مليار دولار هذا العام، أي ما يعادل نحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين أكدت 6 شركات من عمالقة الحوسبة السحابية أن لديها التزامات شراء تقارب 1.5 تريليون دولار، معظمها مرتبط بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، إضافة إلى نحو 1.5 تريليون دولار أخرى في صورة التزامات إيجارية.

مفتاح إيقاف الذكاء الاصطناعي

وفي مواجهة هذه المخاوف، يقدم النائبان الجمهوري ناثانيال موران والديمقراطي تيد ليو -في مقال رأي بمجلة نيوزويك تحت عنوان “الذكاء الاصطناعي الذي نبنيه يحتاج إلى مفتاح إيقاف”- مقاربة مختلفة تركز على الخطر المحتمل من أن يفقد البشر سيطرتهم على الأنظمة الأكثر تطورا.

واستهل النائبان مقالهما المشترك بالتذكير بالتحذير الهادئ الذي أطلقه في 1951 عالم الرياضيات البريطاني آلان تورينغ، الذي يُعتبر أبا الحاسوب الحديث، عندما أشار إلى أنه بمجرد أن تصبح الآلات -التي ساهم في اختراعها- قادرة على التعلم والتفكير بنفسها، “فينبغي علينا أن نتوقع أن تتولى الآلات زمام السيطرة”.

وأكد موران وليو في مقالهما أن هذا التحذير لم يعد ضربا من الخيال بعد أن كشفت ثلاثة مختبرات ذكاء اصطناعي رائدة في الولايات المتحدة أن أنظمة متقدمة تجاوزت خلال اختبارات السلامة الحدود الموضوعة لها، ووصلت إلى شبكات غير مسموح لها بدخولها، بل اخترقت في بعض الحالات شركات حقيقية قبل تدخل البشر.

وبناءً على هذه المعطيات، استعرض النائبان مشروعهما التشريعي المسمى “قانون مفتاح إيقاف الذكاء الاصطناعي” (AI Kill Switch Act) الذي يدعو إلى إلزام وزارة الأمن الداخلي بتوجيه مطوري الأنظمة الفائقة لبناء وسائل تتيح للبشر إبطاء النموذج أو قطع وصول المستخدمين إليه أو إعادته إلى حالة سابقة، أو حتى إيقافه بالكامل في حالات الطوارئ.

قد تكون فقاعة الذكاء الاصطناعي بصدد الانكماش لا الانفجار، لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في الأسواق وحدها، بل في قدرة التكنولوجيا على إقناع الناس بأنها تعمل من أجلهم، وتبقى تحت سيطرتهم

وأكد موران وليو أن التشريع لا يستهدف فرض قيود بيروقراطية تخنق التنافسية أو تضر بالشركات الصغيرة والبحوث الأكاديمية، بل يركز حصرا على الأنظمة التجارية الضخمة التي تملك قدرات قد تستغل في الهجمات السيبرانية أو تعزيز الأسلحة الكيميائية والبيولوجية.

ولفت النائبان إلى أن أرباب القطاع التقني أنفسهم يطالبون بوجود هذه الضوابط، حيث استقال جيفري هينتون -الذي يُطلق عليه “الأب الروحي للذكاء الاصطناعي”- من شركة غوغل ليحذر من فقدان السيطرة.

كما وقّع أكثر من 1300 موظف قيادي وباحث في كبرى الشركات رسالة مفتوحة تطلب مساعدة الحكومة الفدرالية في تطوير أدوات الحوكمة تسمح بـ”ضبط إيقاع الحدود”.

واختتم الكاتبان بالإشارة إلى أن الاستطلاع الأخير أظهر تأييد أكثر من 86% من الأمريكيين لفرض هذا المفتاح، مؤكدين ضرورة بقاء التكنولوجيا الإنسانية تحت الإشراف والسيطرة البشرية التامة.

خلاصة القول إن هذه التحليلات الثلاثة، رغم اختلاف زوايا تناولها للموضوع، ترسم صورة لمرحلة لن يختفي فيها الذكاء الاصطناعي، لكنه لن يحقق بالضرورة الوعود الخارقة التي بُنيت عليها تقييمات الشركات والاستثمارات الضخمة.

وفي النهاية، قد تكون فقاعة الذكاء الاصطناعي بصدد الانكماش لا الانفجار، لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في الأسواق وحدها، بل في قدرة التكنولوجيا على إقناع الناس بأنها تعمل من أجلهم، وتبقى تحت سيطرتهم.

إعلان

 

المصدر: الجزيرة