سيارات من أنقاض الحرب.. سوق تنمو في الخرطوم

عاد أحمد عبد المنعم إلى الخرطوم بعد رحلة نزوح، محملا بأمل استعادة ما تبقى من حياته قبل الحرب.

لكن الحرب لم تسلبه منزله فقط، بل امتدت خسائره إلى ما كان يعتمد عليه في عمله وحياته اليومية، إذ فقد سيارته التي كان يستخدمها في تنقلاته وأعماله مقاولا في مجال البناء.

لم يكن فقدان السيارة بالنسبة إلى أحمد مجرد خسارة لممتلك شخصي، فقد كان يعتمد عليها في عمله. ومع ارتفاع أسعار المركبات وتراجع القدرة الشرائية، بدا شراء سيارة جديدة خيارا يفوق قدرته.

يقول أحمد -في حديث للجزيرة نت- إنه وجد نفسه مضطرا إلى البحث عن سيارة أعيد تجميعها لكونها أقل تكلفة، مضيفا أن أسعار السيارات السليمة أصبحت مرتفعة مقارنة بما يستطيع تحمله.

ومع اتساع هذا النوع من الطلب، بدأت السيارات المتضررة من الحرب تأخذ طريقا جديدا إلى السوق، فما تبقى من هياكل ومحركات وقطع قابلة للاستخدام يجري تفكيكه وإعادة توظيفه في إصلاح مركبات أخرى أو إعادة تركيبها.

السيارة ليست رفاهية بعد الآن

يعمل فنيون في ورش متخصصة على إعادة تأهيل سيارات تعرضت لأضرار متفاوتة، باستخدام قطع غيار مستعملة وأجزاء جرى إنقاذها من مركبات أخرى، قبل طرحها في السوق بأسعار تقل عن تكلفة السيارات الجديدة.

ويرى أحمد أن السيارة المعاد تأهيلها توفر له وسيلة للتنقل بتكلفة أقل، في وقت تغيرت فيه أولويات كثير من المشترين، وأصبحت السيارة بالنسبة إلى البعض مرتبطة بالحاجة إلى العمل أكثر من كونها وسيلة للراحة.

ويقول متعاملون في السوق إن امتلاك السيارة لم يعد مرتبطا بالرفاهية كما كان لدى شريحة من المستهلكين قبل الحرب، وإنما أصبح بالنسبة إلى أصحاب المهن والأعمال وسيلة ضرورية لتوفير الدخل.

ومع عودة السكان إلى الخرطوم واستئناف الحركة في الأسواق ومواقع العمل، تشهد سوق السيارات المعاد تأهيلها نشاطا متزايدا، مدفوعا بارتفاع أسعار السيارات الجاهزة وتراجع القدرة الشرائية.

الخرطوم الحرب دمرت آلاف المركبات الجزيرة نت
دمرت الحرب آلاف المركبات في الخرطوم (الجزيرة)

تفاوت الأسعار

يقول الطيب عبد المحمود -وهو تاجر في سوق السيارات- إن أسعار المركبات تختلف بحسب حالتها الفنية ومدى اكتمال أجزائها. فالسيارات الجاهزة والخالية من النواقص تكون أسعارها أعلى، بينما تنخفض أسعار المركبات التي تحتاج إلى استكمال بعض الأجزاء أو إجراء إصلاحات.

إعلان

وأوضح أن الحالة الفنية لبعض هذه السيارات تكون جيدة رغم وجود نواقص يمكن معالجتها، وهو ما يتيح للمشتري استكمالها بتكاليف محدودة وإعادتها إلى السوق بسعر أقل من تكلفة شراء سيارة مكتملة.

وأشار عبد المحمود -في حديث للجزيرة نت- إلى أن تحديد قيمة السيارة يتوقف في النهاية على حالتها الفنية وحجم الأضرار أو النواقص الموجودة فيها، إلى جانب تكلفة إعادتها إلى وضعها الجاهز للاستخدام.

مخاطر قانونية

لكن هذه السوق لا تخلو من مخاطر، خاصة ما يتعلق بملكية المركبات ومصدر أجزائها.

ويحذر عدد من التجار من شراء السيارات أو الهياكل من مصادر غير معروفة، وطالبوا المشترين بضرورة التأكد من هوية المالك وصحة المستندات وتطابق بيانات المركبة مع أوراقها الرسمية.

ويقول تجار إن الحرب أفرزت مشكلات متعلقة بملكية بعض السيارات، وإن التسرع في شراء مركبة دون التحقق من أوراقها قد يقود إلى مشكلات قانونية.

ويرى أحمد يوسف -وهو صاحب معرض سيارات- أن إقبال بعض المشترين على السيارات المتضررة من الحرب أو التي تعرضت للسرقة يرتبط بانخفاض أسعارها مقارنة بالمركبات الجاهزة.

ويشير -في حديث للجزيرة نت- إلى أن ارتفاع تكاليف قطع الغيار والإصلاح قد يجعل إعادة تأهيل هذه السيارات أكثر تكلفة مما يتوقع المشتري، وقد تتجاوز تكلفة تجهيزها في بعض الحالات سعر شراء سيارة جاهزة.

وناشد يوسف الراغبين في الشراء بضرورة التحقق من ملكية المركبة وسلامة أوراقها ومطابقة بياناتها الرسمية قبل إتمام عملية الشراء، لتجنب مشكلات قانونية قد تظهر لاحقا.

تختلف أسعار المركبات بحسب حالتها الفنية ومدى اكتمال أجزائها
تختلف أسعار المركبات بحسب حالتها الفنية ومدى اكتمال أجزائها (الجزيرة)

من الهياكل إلى سيارات جاهزة

داخل إحدى ورش السيارات في مدينة أم درمان، يقضي عبد اللطيف محمود ساعات يومه في إعادة إصلاح مركبات تعرضت لأضرار خلال الحرب، بعضها أصابت الشظايا هياكلها، وأخرى لحقت بها أضرار نتيجة القصف أو بقيت متوقفة لفترات طويلة.

يبدأ عبد اللطيف بفحص السيارة وتحديد حجم الضرر قبل أن يشرع في إصلاح الهيكل والأجزاء المتضررة.

وتتوزع أعماله بين تقويم الهياكل وإصلاح الأبواب والأجزاء الخارجية واستبدال القطع التي لم تعد صالحة للاستخدام، بحسب حالة كل مركبة.

ولا تقتصر عملية إعادة تأهيل السيارات على أعمال السمكرة، إذ تحتاج بعض المركبات إلى الطلاء وتركيب الزجاج والأجزاء الداخلية، بينما تحال الأعطال الميكانيكية والكهربائية إلى فنيين مختصين.

ويقول عبد اللطيف -في حديث للجزيرة نت- إن حجم الأضرار يختلف من سيارة إلى أخرى، فبعض المركبات تحتاج إلى إصلاحات محدودة، بينما تتطلب أخرى عمليات تأهيل واسعة قبل أن تصبح جاهزة للاستخدام.

وفي ورشته، تتحول السيارات التي خلفتها الحرب متضررة إلى مركبات تستعيد شكلها، في محاولة لإعادتها إلى الشوارع وتوفير خيار أقل تكلفة لأصحابها، في ظل ارتفاع أسعار السيارات وتراجع القدرة الشرائية.

وأدت الحرب إلى تدمير ونهب أعداد كبيرة من المركبات في الخرطوم، وفق ما أعلنته الشرطة السودانية، في حين خلفت المعارك سيارات أخرى متضررة أو متوقفة لفترات طويلة.

ومع عودة السكان والحركة الاقتصادية إلى العاصمة، وجدت هذه المركبات طريقها من جديد إلى الأسواق عبر ورش تعمل على إصلاحها وإعادة تأهيلها، لتتحول بقايا الحرب إلى مورد لسيارات أقل تكلفة، وإن ظلت محاطة بأسئلة تتعلق بسلامتها وملكيتها القانونية.

إعلان

 

المصدر: الجزيرة