دافع ممثل السودان لدى الأمم المتحدة، السفير الحارث إدريس الحارث، اليوم الاثنين، عن موقف حكومة بلاده من الحرب والملف الإنساني، وأكد أن الخرطوم تعمل وفق خطة وطنية لحماية المدنيين، معلنا رفضها توسيع نطاق حظر الأسلحة المفروض بموجب القرار 1591 ليشمل كامل الأراضي السودانية.
وقال الحارث، خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي خصصت لبحث تطورات الحرب في السودان، إن الحكومة أعدت خطة وطنية لحماية المدنيين خلال مرحلتي الحرب وبناء السلام، وأنشأت آلية لتنفيذها بمشاركة المؤسسات المعنية، مشيرا إلى أن نحو 5.8 ملايين نازح ولاجئ عادوا إلى مناطقهم حتى نهاية يونيو/حزيران، مع توقع ارتفاع العدد إلى 7.9 ملايين بنهاية ديسمبر/كانون الأول 2026.
وفي الجانب السياسي، كشف ممثل السودان عن تفاصيل المقترح الذي قدمته الإدارة الأمريكية لإنهاء الحرب، مؤكدا أن حكومة بلاده قبلت المقترح من حيث المبدأ، وأن الخلاف انحصر في ترتيب الخطوات وآليات التنفيذ.
وأوضح أن رد رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان تضمن مقترحا لهدنة إنسانية مدتها 90 يوما في مناطق العمليات، بهدف تسهيل وصول المساعدات وحماية المدنيين، إلى جانب انسحاب قوات الدعم السريع من المدن التي سيطرت عليها منذ مايو/أيار 2023، وإنشاء آليات لمراقبة تنفيذ الهدنة بمشاركة الولايات المتحدة ومصر والسعودية.
كما يتضمن المقترح، وفق الحارث، ترتيبات لسحب وتجميع قوات الدعم السريع ونزع سلاحها وإعادة دمجها، والحفاظ على القوات المسلحة السودانية باعتبارها جيشا وطنيا موحدا، إلى جانب نشر مراقبين إقليميين ودوليين بموافقة الحكومة السودانية.
وبحسب التصور السوداني، تعقب الترتيبات الأمنية مرحلة حوار وطني شامل لتشكيل حكومة مدنية انتقالية والإعداد لانتخابات حرة، مع إنشاء صندوق لإعادة الإعمار وضمان العدالة والمساءلة.
وأكد المندوب السوداني أن الخرطوم تؤيد حلا تفاوضيا “يقوده ويملكه السودانيون” معتبرا أن الحوار الوطني يمثل مدخلا لإنهاء الحرب وتقليص الاستقطاب، لكنه شدد على ضرورة عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات من العقاب.
رفض توسيع حظر الأسلحة
وشكلت مسألة العقوبات محورا بارزا في كلمة ممثل السودان، إذ رفض مقترحا أمريكيا وغربيا لتوسيع حظر الأسلحة المفروض بموجب القرار 1591 ليشمل كامل الأراضي السودانية.
وقال الحارث إن السودان يفضل تمديد النظام الحالي تمديدا تقنيا، مع تحسين آليات تنفيذه وملاحقة الجهات التي تنتهك حظر الأسلحة، معتبرا أن توسيع نطاق الحظر جغرافيا يمثل تغييرا جوهريا في طبيعة نظام العقوبات الذي أنشئ أساسا بشأن دارفور.
وانتقد ما اعتبره مساواة بين القوات المسلحة السودانية والجماعات المسلحة في نظام العقوبات، قائلا إن الجيش “ليس جماعة مسلحة ولا كيانا موازيا للدولة” وإنما المؤسسة العسكرية الوطنية للدولة السودانية.
وتساءل الحارث عن جدوى توسيع الحظر على السودان في وقت يقر فيه مشروع القرار نفسه بوجود تدفقات عسكرية خارجية إلى أطراف النزاع، قائلا إن الأولوية يجب أن تكون لمساءلة الجهات التي تزود الجماعات المسلحة بالأسلحة والعتاد، بدلا من فرض قيود إضافية على الدولة السودانية.
كما اعترض على توسيع صلاحيات فريق الخبراء التابع للجنة العقوبات، بحيث تشمل مراقبة الطائرات المسيّرة والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج واللوجستيات ونقل الأسلحة والموارد الطبيعية، معتبرا أن هذه التعديلات تعني عمليا إنشاء نظام عقوبات جديد وليس مجرد تجديد للنظام القائم.
اتساع دائرة النزوح والانتهاكات
في الجلسة الجديدة لمجلس الأمن التي خصصت لبحث تقارير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن التوترات في السودان، بدت صورة الحرب في السودان أكثر قتامة، مع استمرار القتال على جبهات متعددة، وتصاعد استخدام الطائرات المسيرة، واتساع دائرة النزوح والانتهاكات، وسط تحذيرات أممية من تداعيات تتجاوز حدود البلاد.
وقدمت روزماري ديكارلو، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، إحاطة حذرت فيها من التداعيات الكارثية المستمرة للصراع، مشيرة إلى أن نحو 13 مليون سوداني فروا من ديارهم، بينهم 8.7 ملايين نازح داخليا في الولايات الـ18.
ومن جانبه قدم توم فليتشر، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، صورة أكثر تفصيلا لحجم الكارثة الإنسانية، مؤكدا أن أكثر من ثلثي سكان السودان يحتاجون إلى دعم منقذ للحياة.
وأشار إلى أن الهجمات لم تعد تستهدف المدنيين فقط، بل طالت الأسواق ومحطات الوقود ومرافق الطاقة والمياه، في وقت تعاني مناطق واسعة من انعدام الأمن الغذائي وانتشار الأمراض. وفي جنوب كردفان (وسط) تعرقل المعارك وصول المساعدات إلى مناطق تعاني أصلا من احتياجات إنسانية حادة، بينما شهد غرب كردفان تفشيا للكوليرا، مع محدودية الوجود الإنساني.
أما دارفور، فلا يزال مئات الآلاف ممن فروا من الفاشر خلال العام الماضي بحاجة ماسة إلى المساعدة، فيما تواصل المعارك والمسيرات والأمطار عرقلة وصول الإغاثة إلى مناطق أخرى.
إجراءات تتجاوز بيانات القلق
وفي مداخلة تعكس الموقف الأمريكي من مسار الحرب، حذر مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، من تصاعد المخاطر التي تهدد المدنيين السودانيين، مشيرا إلى أن التوترات القبلية والطائفية والدينية، إلى جانب الهجمات على دور العبادة والاحتجاز التعسفي، وضعت الأقليات الدينية وغيرها أمام مخاطر متزايدة.
ودعا بولس طرفي الحرب إلى التخلي عن الاستعداد لمزيد من القتال، والعمل بدلا من ذلك على حوار شامل بقيادة مدنية، ومسار انتقالي يعيد الحكم المدني ويؤسس لسلام دائم، مشيدا في الوقت نفسه بجهود المجموعة الخماسية الدولية الرامية إلى دفع العملية السياسية.
وحذر من أن العاملين في المجال الإنساني باتوا هدفا مباشرا للحرب، مشيرا إلى مقتل 71 عاملا في مجال الإغاثة خلال العام الماضي، فضلا عن استمرار احتجاز عدد من العاملين الإنسانيين في دارفور وولايات كردفان.
وفي لهجة أكثر مباشرة، اتهم المسؤول الأمريكي أطرافا خارجية بتقديم دعم عسكري ومالي وسياسي لطرفي النزاع، معتبرا أن هذا الدعم يمثل أحد المحركات المستمرة للحرب، ويحمل مخاطر جر مزيد من دول المنطقة إلى الصراع.
وفي هذا السياق، كشف بولس عن تحرك أمريكي داخل مجلس الأمن لتشديد نظام العقوبات وحظر الأسلحة المفروض بموجب القرار 1591، مقترحا توسيع حظر توريد الأسلحة ليشمل جميع الأراضي السودانية، وإدراج الطائرات المسيّرة ومنظوماتها والتقنيات المرتبطة بها ضمن نطاق الحظر.
كما دعا إلى زيادة عدد الخبراء العاملين ضمن لجنة العقوبات، وتمكينهم من التعاون مع فرق أخرى معنية بالمنطقة لرصد انتهاكات حظر الأسلحة وتجميد الأصول، بما يعزز قدرة المجلس على الضغط على الأطراف المتحاربة.
وكانت الحكومة السودانية أعلنت عن قرب انطلاق حوار وطني لبحث سبل الخروج من الأزمة الراهنة، في وقت أكد فيه الجنرال البرهان أن القوات المسلحة السودانية ستواصل القتال حتى إنهاء ما وصفه بالتمرد.
المصدر: الجزيرة