كيف نفهم إستراتيجية أمريكا في سوريا؟ وما دور توم براك فيها؟

في 18 أغسطس/آب الجاري، أكد المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم باراك أن بلاده تعمل على إنشاء آلية لتفادي الصدام بين إسرائيل وتركيا، وذلك عقب الضربة التي نفّذها سلاح الجو الإسرائيلي على مطار أبو الظهور العسكري شمال غرب سوريا، بحجة نقل معدات تركية إلى المطار.

صعّدت تل أبيب لهجتها تجاه أنقرة بعد الضرب، حيث شدد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو على أن بلاده لن تتسامح مع الوجود العسكري في سوريا.

وسبق أن رعت الولايات المتحدة مطلع 2026 تشكيل آلية تنسيق مشتركة بين سوريا وإسرائيل؛ بهدف تبادل المعلومات الاستخباراتية وخفض التصعيد، إلا أن عودة الهجمات الإسرائيلية على الأراضي السورية يطرح التساؤلات حول إستراتيجية أمريكا في سوريا، ومدى فاعلية الدور الذي يقوم به المبعوث الخاص توم براك.

استقرار سوريا ركيزة لأمن الشرق الأوسط

أوضح المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم براك الرؤية تجاه سوريا بشكل صريح عندما تم تكليفه بمنصب المبعوث الرئاسي الخاص إلى سوريا والعراق معا مطلع يونيو/حزيران الماضي، حيث أكد أن استقرار سوريا جزء لا يتجزأ من استقرار المنطقة، وركيزة أساسية في أمن الشرق الأوسط.

وفي إطار هذه الرؤية، أدمجت الولايات المتحدة سوريا ضمن التحالف الدولي في صيف عام 2025، وزادت وزارة الخزانة الأمريكية تنسيقها مع الحكومة السورية؛ من أجل إدماج سوريا ضمن النظام المالي العالمي بهدف دعم التعافي الاقتصادي، كما تعمل شركات أمريكية على تنفيذ مشاريع لتطوير البنية التحتية للقطاع النفطي في سوريا ومنها شركة مارك رولينز.

ويرى الدبلوماسي السوري المقيم في واشنطن بسام بربندي أن أعضاء إدارة ترمب عموما لديهم توجّه لخفض الوجود العسكري في دول المنطقة؛ ولذا يعملون على تقوية دول إقليمية لتضمن الاستقرار في المناطق التي ستنسحب منها واشنطن عسكريا.

وأكد بربندي، في حديثه لموقع الجزيرة نت، أن الإدارة الأمريكية أولويتها في سوريا هي الاستقرار الاقتصادي قبل أي شيء آخر، لاعتقادها أن الاقتصاد أرضية للوحدة، بينما السياسة والعقائد والصراع على شكل الحكم سببا للتفرقة، ولذلك التركيز على قوانين مكافحة الفساد الاقتصادي وغسيل الأموال ومنع تمويل الإرهاب، وتجهيز أرضية لدخول شركات أمريكية لاحقا تساهم في دمج سوريا ضمن الاقتصاد العالمي.

فلسفة باراك تجاه سوريا والمنطقة

يوصف براك بأنه شخصية مقربة من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وتجمعهما علاقة قديمة ووطيدة، واتضحت ثقة الإدارة الأمريكية به من خلال تكليفه بإدارة العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا عبر تعيينه سفيرا في أنقرة، ليشرف على تطبيع العلاقات بعد سنوات من التوتر في ظل الإدارات الديمقراطية السابقة، كما أُوكل بملف سوريا والعراق ليشرف على تطبيق خطة واشنطن لإنهاء نفوذ الفصائل خارج إطار الدولة العراقية.

وفقا للتصريحات العلنية، يعتقد براك أن استقرار الشرق الأوسط يمر عبر سوريا والعراق وتركيا، وهي الركيزة الإستراتيجية الأساسية لتحقيق استقرار دائم في المنطقة.

إعلان

وأشار الدبلوماسي السوري بسام بربندي إلى أن نظرية براك تجاه الشرق الأوسط تنطلق من تقوية الدور التركي، على اعتبار أن وجود الدولة العثمانية سابقا أدى للاستقرار في سوريا والعراق ولبنان والأردن، وبالتالي تركيا يمكن أن تكون حاليا ضامنا لاستقرار هذه البلدان، خاصة أن تركيا دولة اقتصادية قوية، ولديها خبرة بالمنطقة، وفوق هذا كله حليف للولايات المتحدة.

وبعد تصعيد اللهجة الإسرائيلية تجاه الوجود التركي في سوريا إثر قصف مطار أبو الظهور، أدلى براك بتصريحات صحفية أشار فيها إلى أن أنقرة تدخل حاليا في مرحلة تتسم بالقوة وهو أمر مثير للقلق للآخرين، لكنه يعد تطورا رائعا، ونفى في الوقت ذاته أن تكون تركيا راغبة بالدخول في صراع مع إسرائيل.

وبارك الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اتفاق مكة للدفاع المشترك الذي أعلن عنه مطلع أغسطس/آب الجاري، والذي كانت تركيا أحد أضلاعه الرئيسية إلى جانب السعودية وباكستان، كما نفى المبعوث براك أن يكون هذا الاتفاق معاديا لإسرائيل أو الولايات المتحدة، بل هو ناتج عن الحاجة للعمل الجماعي لأن دول المنطقة أدركت ضرورة تحمل مسؤولية الدفاع عن نفسها.

حفظ الاستقرار ومنع التصادم

تدخلت إدارة ترمب مرارا منذ ربيع 2025 لوقف موجات تصعيد إسرائيلية في سوريا، كان أكبرها في يوليو/تموز من العام ذاته، حيث استهدفت تل أبيب رئاسة الأركان السورية.

وبعد الهجوم الأخير على مطار أبو الظهور، شدد براك على أن الصدام بين تركيا وإسرائيل لا يصب في مصلحتهما ولا مصلحة المنطقة، وأكد على أن واشنطن تواصلت مع تل أبيب ونفت لها المعلومات التي تتحدث عن نقل معدات إلى مطار أبو الظهور.

واعتبر الدبلوماسي السوري بسام بربندي أن إدارة ترمب لديها خطوط حمراء في سوريا وهي منع استهداف إسرائيل للرئاسة السورية، ورفض حصول قصف مدمر للبنية التحتية أو القوات العسكرية والأمنية التي تشرف على أمن الحدود، كما ترفض واشنطن حصول تدخل إسرائيلي يؤدي لعدم استقرار في سوريا أو يسمح بعودة إيران وتنظيم الدولة الإسلامية.

وبحسب وجهة نظر بربندي، فإن إدارة ترمب على الرغم من خطوطها الحمراء التي رسمتها في سوريا، لكنها لن تمانع بعض ردود الأفعال الإسرائيلية تجاه ما قد يهدد بالفعل أمنها مثل نشر معدات تقنية تهدد أمن إسرائيل.

وكانت الإدارة الأمريكية قد أكدت عقب الهجوم الجوي الإسرائيلي الذي استهدف مطار أبو الظهور أنها بدأت بخوض مباحثات مع جميع الأطراف المعنية لإعادة تفعيل خلية التنسيق وفض الاشتباك بين سوريا وإسرائيل، بالإضافة إلى إمكانية إشراك تركيا في الآلية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وبالفعل فقد رعت الإدارة الأمريكية اجتماعا استضافته الأردن بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان لخفض مستوى التوتر.

ويدعم براك في تصريحاته الرسمية التي كان آخرها في 24 أغسطس/آب الجاري مبدأ التوصل إلى اتفاق بين إسرائيل وسوريا يتم من خلاله رسم الخرائط بالتفاهم، وليس عبر فرض الواقع على الأرض، ويعتبر أن الأرض التي تُنتزَع بالقوة تبقى محل صراع بين الأجيال على غرار ما يحصل في ما يتعلق بالجولان، لكنه في الوقت نفسه ينفي أن تكون تصريحاته حول استمرار النزاع على الجولان تتعلق برغبة الإدارة الأمريكية بتغيير اعترافها بضم إسرائيل للجولان.

إعلان

 

المصدر: الجزيرة