“بحيرة أمريكا” بدلا من أونتاريو.. كيف أشعل ترمب مواجهة سياسية جديدة مع كندا؟

لم تتوقف تداعيات التوتر المتصاعد بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وكندا عند الرسوم الجمركية والحرب التجارية، بل امتدت هذه المرة إلى خريطة أمريكا الشمالية، بعدما أعلن ترمب تغيير اسم بحيرة أونتاريو إلى “بحيرة أمريكا” داخل الولايات المتحدة، في خطوة سرعان ما تحولت إلى مواجهة سياسية ورمزية على جانبي الحدود.

ووقّع ترمب أمرا تنفيذيا يوجه وزارة الداخلية الأمريكية إلى تحديث اسم البحيرة في السجل الأمريكي للأسماء الجغرافية، في حين لا يملك القرار سلطة إلزام كندا باعتماد التسمية الجديدة، مما أبقى الاسم محل انقسام بين البلدين، وحوّل مسطحا مائيا مشتركا إلى ساحة جديدة للتجاذب السياسي.

ولم يكتفِ البيت الأبيض بالإعلان عن القرار، بل نشر عبر حسابه الرسمي خريطة تظهر البحيرة باسم “بحيرة أمريكا”، في منشور حصد أكثر من 26 مليون مشاهدة، وأثار موجة واسعة من التفاعل والانتقادات والسخرية على منصات التواصل الاجتماعي.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2صدام علني بين نتنياهو وبن غفير.. هل تشعل الانتخابات انقسام اليمين الإسرائيلي؟
  • list 2 of 2زجاجة ماء واحدة تمنحك لقب “ثري” بتونس فما القصة؟

end of list

وجاء نشر الخريطة مصحوبا بتأكيد أن القرار “يسري فورا”، لتتجاوز القضية مجرد تعديل لاسم على خريطة، وتتحول إلى رسالة سياسية جديدة في سياق علاقة تشهد توترا متزايدا بين واشنطن وأوتاوا.

كندا تتمسك بالاسم التاريخي

وسارعت الحكومة الكندية إلى رفض التسمية الجديدة، إذ تمسك رئيس الوزراء مارك كارني بالاسم التاريخي للبحيرة، مشيرا إلى أن اسم “أونتاريو” مشتق من كلمة في لغة الوندات، وتحمل معنى يرتبط بجمال البحيرة وعظمتها.

وقال كارني إن الاسم يعود إلى أكثر من 400 عام، أي إلى فترة سبقت قيام الاتحاد الكندي وإعلان استقلال الولايات المتحدة، مضيفا أن كندا تدرك أن الولايات المتحدة تمر بمرحلة من التغيير في علاقاتها التجارية وسياستها الخارجية، وحتى في أسماء معالمها الوطنية ومساحاتها المائية.

 

وأضاف أن الكنديين يعرفون أيضا أن “الأشياء يجب أن تُسمى بأسمائها”، مؤكدا أن اسم البحيرة سيظل بالنسبة لهم بحيرة أونتاريو.

إعلان

وانسجم الموقف الرسمي الكندي مع تصريحات مسؤولين في المقاطعات والأحزاب، إذ أكد الحساب الرسمي لرئيس الوزراء الكندي تمسك أوتاوا بالاسم التاريخي.

أما رئيس وزراء مقاطعة أونتاريو، دوغ فورد، فاختصر موقفه بالقول إن البحيرة “بحيرة أونتاريو بالنسبة للكنديين وبالنسبة لبقية العالم.. الآن وإلى الأبد”.

كذلك رفض زعيم المحافظين الكنديين بيير بواليفر قرار ترمب، مؤكدا أن أمرا تنفيذيا أمريكيا لا يستطيع تغيير اسم البحيرة بالنسبة إلى كندا، وداعيا في الوقت نفسه إلى التركيز على القضايا التجارية الحقيقية التي تؤثر في حياة الأمريكيين والكنديين، بدلا من زيادة التوتر بين البلدين.

ووصف رئيس وزراء نوفا سكوشا، تيم هيوستن، القرار بأنه دخل نطاق “العبث الحقيقي”، مخاطبا ترمب بالقول: “إنها بحيرة أونتاريو يا صديقي”.

الجدل يعبر الحدود إلى الداخل الأمريكي

ولم يتوقف الاعتراض عند كندا، إذ أثار قرار ترمب انتقادات من شخصيات سياسية وإعلامية أمريكية، رأت أن الإدارة تنشغل بتغيير الأسماء والرموز، بدلا من التركيز على قضايا تمس حياة المواطنين مباشرة.

وقالت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون، في تعليق عبر منصة إكس، إن اسم البحيرة هو “بحيرة أونتاريو”، في منشور حصد أكثر من 5 ملايين مشاهدة، في إشارة واضحة إلى رفضها التسمية التي اعتمدها البيت الأبيض.

وانتقد السياسي الأمريكي فيل سكوت الخطوة، واصفا إياها بأنها “تصرف تافه ومخيب للآمال”، وقال إن الولايات المتحدة وكندا بحاجة إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات لإيجاد مسار يعزز اقتصاد البلدين، بدلا من زيادة التوتر بينهما.

بدورها، قالت النائبة الديمقراطية ديبي دينغل إن البحيرات العظمى تمثل كنزا مشتركا تكاتفت أجيال من الأمريكيين والكنديين لحمايته، مؤكدة أن ترمب يستطيع توقيع ما يشاء من أوامر تنفيذية، لكن البحيرة ستظل “بحيرة أونتاريو”.

وفي السياق ذاته، قالت حاكمة ولاية مين، جانيت ميلس، إن على الرئيس الأمريكي التركيز على خفض تكاليف المعيشة بدلا من “العبث بالرسومات على الخرائط”، بينما كتب النائب الديمقراطي تيم كينيدي أن البحيرة “ستظل بحيرة أونتاريو كما كانت دائما”.

من البحيرة إلى الحرب التجارية

وربط عدد من المنتقدين الخطوة بالخلافات التجارية المتصاعدة بين واشنطن وأوتاوا، معتبرين أن الخطاب التصعيدي تجاه كندا قد ينعكس سلبا على العلاقات الاقتصادية والاجتماعية الممتدة بين البلدين.

وقال السياسي الأمريكي تيم كينيدي إن كندا هي “أقرب حلفائنا وأصدقائنا وشركائنا الاقتصاديين”، مشيرا إلى خصوصية العلاقة بين سكان الولايات المتحدة والكنديين، ومعتبرا أن الحرب التجارية والخطاب المصاحب لها قد يكلفان وظائف على جانبي الحدود.

أما الصحفي الأمريكي تيري موران، فانتقد ما وصفه بتكريس صورة الولايات المتحدة بوصفها بلدا يتغذى على الاستفزاز والسخرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، معتبرا أن غالبية الأمريكيين لا يمثلهم هذا الخطاب، قبل أن يضيف أن ترمب يعيد إنتاجه باستمرار.

وفي إشارة إلى العلاقات التاريخية بين البلدين، قال الخبير الأمريكي تومي فيتور إن رجال إطفاء كنديين توجهوا إلى نيويورك عقب هجمات 11 سبتمبر/أيلول للمشاركة في عمليات البحث والإنقاذ، كما قاتل كنديون إلى جانب القوات الأمريكية في أفغانستان.

إعلان

واعتبر أن خطاب البيت الأبيض تجاه كندا “أحمق ومخجل ومشين”، وقد يلحق ضررا بالولايات المتحدة على المدى الطويل.

 

قرار رمزي يثير عاصفة من الانتقادات

ولم تخلُ الانتقادات من السخرية، إذ قال الكاتب الأمريكي نيكولاس كريستوف إن ترمب، في ظل عجز إدارته عن حسم عدد من الملفات وخفض تكاليف المعيشة، اختار اللجوء إلى تغيير اسم بحيرة، معتبرا أن الخطوة تبدو محاولة لصرف الانتباه عن ملفات أكثر إلحاحا.

كما قدم الضابط الأمريكي السابق تشاد سكوت تقديرا لتكلفة تغيير اسم البحيرة، قائلا إن التعديلات المادية المباشرة قد تصل إلى نحو 500 ألف دولار، بالنظر إلى أن معظم الخرائط والسجلات الفدرالية أصبحت رقمية.

وربط سكوت ذلك بتغيير اسم خليج المكسيك أيضا، معتبرا أن التكلفة الإجمالية لهذه التغييرات تقترب من مليون دولار، فضلا عن الوقت الذي سيضطر الموظفون الفدراليون إلى إنفاقه لتحديث الخرائط والسجلات، قبل أن تضطر إدارة أمريكية لاحقة إلى إلغاء هذه التغييرات إذا قررت ذلك.

ووصلت الانتقادات إلى حد وصف الخطوة بأنها تعكس انشغالا بالرموز على حساب القضايا الأكثر إلحاحا، إذ قالت الناشطة السياسية ميلاني داريجو إن الولايات المتحدة وصلت، برأيها، إلى “أكثر مراحل التاريخ الأمريكي غباء”.

من “خليج المكسيك” إلى “بحيرة أمريكا”

ولا تأتي خطوة تغيير اسم بحيرة أونتاريو بمعزل عن توجه سابق لترمب؛ ففي يناير/كانون الثاني 2025، أعلن تغيير اسم خليج المكسيك إلى “خليج أمريكا” داخل الولايات المتحدة، في خطوة أثارت بدورها خلافا واسعا بشأن حدود السلطة الأمريكية في فرض التسميات الجغرافية.

وتُعد بحيرة أونتاريو واحدة من البحيرات العظمى الخمس في أمريكا الشمالية، وتتشاركها الولايات المتحدة وكندا، وهو ما يجعل أي تغيير في تسميتها أكثر حساسية من مجرد تعديل إداري في سجل جغرافي.

 

المصدر: الجزيرة