يعاني البعض من حالة تجعلهم يضيعون في أماكن يعرفونها منذ سنوات، وقد تصل بهم الحال إلى الضياع داخل منازلهم.
وهذه الحالة، المعروفة باسم “الارتباك الاتجاهي التطوري” (Developmental Topographical Disorientation) أو اختصارا DTD، هي اضطراب عصبي نادر يحرم الدماغ من القدرة على بناء تمثيل ذهني للمحيط المكاني، رغم سلامة القدرات الإدراكية والحسية الأخرى.
ويعد الارتباك الاتجاهي التطوري حالة تستمر مدى الحياة، وتختلف عن مشاكل الملاحة التي قد تنجم عن إصابة دماغية أو مرض عصبي، إذ تحدث دون أي ضرر مكتسب في الدماغ يفسر هذه الصعوبة.
وقد ورد أول وصف للحالة باستخدام هذا المصطلح في عام 2009 على يد عالم الأعصاب جوزيبي إياريا وزملائه في جامعة كولومبيا البريطانية بكندا، حيث كانت المرأة التي درسوا حالتها تعاني من صعوبات في الملاحة طوال حياتها، رغم سلامة قدراتها الحسية والفكرية.
الخريطة الإدراكية: جوهر المشكلة
الخريطة الإدراكية (Cognitive Map) هي تمثيل ذهني لكيفية ارتباط الأماكن ببعضها بعضا، وهي تختلف عن مجرد التعرف على المعالم. فمعظم الناس لديهم قدرة طبيعية على بناء هذا التمثيل الذهني الذي يسمح لهم بإيجاد اختصارات، واستعادة الاتجاه بعد منعطف خاطئ، والتنقل بمرونة بين الأماكن. لكن المصابين بالارتباك الاتجاهي التطوري يواجهون صعوبة شديدة في بناء هذه الخريطة الذهنية، رغم أن قدرتهم على التعرف على المعالم تبقى سليمة.
وأشارت الاختبارات التي أجريت في بيئات حقيقية وافتراضية إلى مشكلة محددة بشكل ملحوظ: صعوبة في بناء تمثيل ذهني للمحيط. كما أظهر تصوير الدماغ أن المناطق المسؤولة عن الذاكرة والملاحة المكانية لم تظهر النمط النموذجي للنشاط عند محاولة تكوين خريطة إدراكية لدى المصابين بهذا الاضطراب.
وقد يمتد تأثير هذه الحالة إلى المنزل نفسه. وفي الحالات الشديدة، طلب من بعض المصابين رسم خرائط لمنازلهم، فتمكنوا من تذكر تسلسل الغرف لكنهم واجهوا صعوبة في تمثيل أشكالها وأحجامها ومواقعها بدقة. ويمكن أن يعمل الطريق المألوف بشكل جيد طالما أن كل شيء يحدث كما هو متوقع، لكن أي تغيير بسيط، كإغلاق طريق أو مدخل مختلف، قد يعطل تسلسل الإشارات التي يعتمد عليها الشخص، ما يجعله عاجزا عن إيجاد طريق بديل.
ويؤثر الارتباك الاتجاهي التطوري في الحياة اليومية بشكل كبير، إذ تشير الأبحاث إلى أنه يمكن أن يحد من التنقل المستقل، ويؤثر في الخيارات التعليمية والمهنية.
ويلجأ المصابون إلى استراتيجيات تكيف مختلفة، مثل حفظ مسارات محددة، أو الاعتماد على الآخرين، أو استخدام تقنيات الملاحة مثل GPS.
التحديات العلمية والآفاق المستقبلية
ما تزال هناك فجوات كبيرة في فهم هذه الحالة. فقد استخدمت الدراسات تعريفات وأساليب تقييم مختلفة، ولا توجد أداة تشخيصية موحدة للارتباك الاتجاهي التطوري.
ويعمل الباحثون على تطوير طرق أكثر دقة لتمييز الحالة عن النطاق الواسع من القدرات الملاحية الطبيعية.
ويؤكد الباحثون أن سهولة الوصول إلى تقنيات الملاحة قد تجعل الصعوبات الشديدة أقل وضوحا، إذ قد يكتشف الشخص الذي يتبع التوجيهات على هاتفه نادرا مدى صعوبة الملاحة من دونه.
المصدر: ساينس ألرت
إقرأ المزيد
الهرمونات تغيّر السمع!.. دراسة تكشف فروقا لافتة بين الرجال والنساء
أثبتت دراسة جديدة وجود اختلافات جوهرية بين الجنسين في طريقة معالجة المعلومات، بما في ذلك المعلومات السمعية.
“الدماغ مصنع لا يتوقف”.. عالمة تشرح لماذا يستحيل فهمه بالكامل
تشبّه الدكتورة يلينا بارانوفا، رئيسة قسم التشخيص الوظيفي لأمراض الجهاز العصبي في المركز الفيدرالي للدماغ والتكنولوجيا العصبية، الدماغ بمصنع ضخم يعمل بلا توقف.
اكتشاف سر مشترك بين مرض نادر يصيب الأطفال وألزهايمر
حدد فريق بحثي مسارا خلويا رئيسيا مشتركا بين اضطراب نادر يصيب الأطفال ومرض ألزهايمر الأكثر شيوعا، ما يكشف عن آلية موحدة لتدهور الدماغ في كلتا الحالتين.