كان القضاء الأمريكي قد منحه حماية من الترحيل إلى أفغانستان خشية أن يقع في قبضة حركة طالبان، بعد أن دفعت عائلته ثمن تعاون اثنين من أشقائه مع القوات الأمريكية.
لكن تلك الحماية لم تمنع إدارة الرئيس دونالد ترمب من وضع الشاب الأفغاني على متن طائرة أقلعت به إلى وجهة لا تربطه بها أي صلة هي جمهورية إفريقيا الوسطى.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
وصلت رحلة الترحيل إلى العاصمة بانغي يوم السبت، وعلى متنها عشرات المرحّلين، بينهم 12 أفغانيا و8 إيرانيين، إلى جانب أشخاص من نيبال ونيكاراغوا، وفق ما نقلته وكالة أسوشيتد برس عن منظمة “هيومن رايتس فيرست”.
وتأتي الرحلة ضمن توسع إدارة ترمب في سياسة ترحيل المهاجرين إلى “دول ثالثة” ليست أوطانهم الأصلية ولا التي لجأوا إليها، في إطار حملة الإدارة لتشديد إجراءات الهجرة.
وتقول منظمات مدافعة عن المهاجرين إن واشنطن رحّلت آلاف الأشخاص إلى نحو عشرين دولة ليست بلدانهم الأصلية، بينما أظهرت تقارير أخرى أن أكثر من 30 دولة وافقت على استقبال مرحّلين من الولايات المتحدة.
وأفادت شبكة “سي بي إس” -نقلا عن مصادر حكومية- بأن إدارة ترمب رحلت خلال الأيام العشرة الماضية أكثر من 100 شخص من أفغانستان وكوبا ونيكاراغوا ودول أخرى إلى 8 دول إفريقية.
لماذا يخشى العودة إلى أفغانستان؟
الشاب الأفغاني، وهو في أوائل العشرينيات، أقنع قاضيا أمريكيا بأن إعادته إلى بلاده قد تعرضه للاضطهاد على يد طالبان، فحصل على حماية قضائية تمنع ترحيله إلى أفغانستان.
ولم تكن المخاوف مجرد افتراض، بحسب محاميته ألما ديفيد. فقد أظهرت وثائق قضائية اطلعت عليها أسوشيتد برس أن عائلته في أفغانستان تلقت تهديدات من طالبان بسبب عمل شقيقيه مع القوات الأمريكية.
ويقيم أحد الشقيقين في الولايات المتحدة، وكان قد خدم في الجيش الوطني الأفغاني الذي تعاون مع القوات الأمريكية قبل عودة طالبان إلى السلطة عام 2021.
أما الشقيق الآخر فكان طيارا تلقى تدريبا على أيدي الأمريكيين، قبل أن تقتله طالبان، بحسب المحامية.
كيف أمكن ترحيله رغم قرار القضاء؟
الحماية التي حصل عليها الشاب تمنع إعادته إلى أفغانستان بسبب الخطر الذي قد يواجهه هناك، لكنها لا تعني بالضرورة منحه حق البقاء في الولايات المتحدة أو حظر ترحيله إلى بلد ثالث.
وهذه الثغرة هي التي أصبحت محورا في سياسة الترحيل الجديدة. فبحسب تقارير إعلامية ومدافعين عن حقوق المهاجرين، تلجأ إدارة ترمب إلى اتفاقات، غالبا لا تُعلن تفاصيلها، لإقناع دول باستقبال أشخاص لا يحملون جنسياتها.
وتقول شبكة “سي بي إس” إن هذه الآلية تستخدم، في بعض الحالات، مع مهاجرين يصعب على واشنطن إعادتهم إلى أوطانهم، سواء لأن دولهم ترفض استقبالهم أو لأن محاكم الهجرة الأمريكية منحتهم حماية من الترحيل إليها بسبب مخاطر قد تهدد سلامتهم. وفي حالة أخرى وثقتها الشبكة، كان إريتري قد حصل منذ 2017 على حماية بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب تمنع ترحيله إلى إريتريا، لكنه رُحل لاحقا إلى أفريقيا الوسطى لأن الحماية لا تمنع قانونا إرساله إلى دولة ثالثة.
لماذا أفريقيا الوسطى؟
ليست هذه الرحلة الأولى التي تحمل مرحّلين من أمريكا إلى جمهورية إفريقيا الوسطى. فقد سبقتها رحلة أخرى في يونيو/حزيران نقلت نحو عشرين مهاجرا، بينهم امرأة إيرانية كانت تواجه خطر الاضطهاد في بلدها، وفق أسوشيتد برس.
وتثير الوجهة نفسها تساؤلات حقوقية وأمنية. فجمهورية أفريقيا الوسطى من أفقر بلدان العالم، وعانت سنوات من النزاعات المسلحة وعدم الاستقرار السياسي. كما تضعها وزارة الخارجية الأمريكية نفسها في أعلى مستوى من تحذيرات السفر، وتنصح الأمريكيين بعدم التوجه إليها بسبب المخاطر الأمنية.
ونقلت CBS عن أشخاص سبق أن رحّلتهم واشنطن إلى بانغي أنهم وجدوا أنفسهم عالقين في بلد لا يعرفونه. وقال كوبي يدعى مورينو دي أرماس إنه لم يسمع بأفريقيا الوسطى قبل ترحيله إليها، وإن المرحّلين لا يستطيعون المغادرة لعدم امتلاكهم الوثائق اللازمة.
إلى أي مدى اتسعت خريطة الترحيل؟
لم تعد أفريقيا الوسطى حالة منفردة. فبحسب سي بي إس، أقنعت الحكومة الأمريكية أكثر من 30 دولة بقبول مرحلين، في توسع ملحوظ لهذه السياسة ضمن حملة ترمب على الهجرة.
وتكشف الحالات التي وصلت إلى أفريقيا الوسطى عن جانب لافت من هذه السياسة: بعض المرحّلين ليسوا مجرد أشخاص تعذر إرسالهم إلى أوطانهم، بل أشخاص سبق أن اقتنع القضاء الأمريكي نفسه بأن إعادتهم إلى بلدانهم قد تعرضهم للاضطهاد أو التعذيب.
وهكذا، لم يعد قرار الحماية يعني بالضرورة أن صاحبه سيبقى في الولايات المتحدة، فقد يحميه القضاء من الإعادة إلى وطن يخشاه، ثم يجد نفسه على متن طائرة إلى بلد آخر لا يعرفه.
المصدر: الجزيرة