يتوالى الإعلان عن مشاريع استثمارية عقارية بمليارات الدولارات في دمشق وريفها، تُطرح في ضوئها استفسارات عن الشريحة المستهدفة بهذه المشاريع، وعن ابتعادها عن المناطق المدمرة خلال سنوات الثورة وحصرها في العاصمة السورية، يقابلها مؤشرات اقتصادية تشي إلى دور تلك المشاريع في “جذب رساميل أجنبية ضخمة وتحريك السوق وتأمين فرص العمل”.
ووقّع الصندوق السيادي السوري ومجموعة “أرادَ ” الإماراتية، الاثنين الماضي، اتفاقية لتنفيذ مشروع التطوير العقاري “دمشق الجديدة ” بقيمة نحو 7 مليارات دولار.
ويمتد المشروع على 4 ملايين متر مربع قرب منطقة المزة، ويضم 11 ألف وحدة سكنية و500 غرفة فندقية وألف شقة، ومستشفى بسعة 300 سرير، ومرافق تعليمية تستوعب 4 آلاف طالب، وحديقة عامة مساحتها 700 ألف متر مربع.
جذب الاستثمارات وتشغيل العمالة
ويرى الدكتور جمعة حجازي – الأكاديمي والخبير الاقتصادي – في المشروع إشارة مهمة إلى “عودة اهتمام رأس المال الإقليمي بالسوق السورية” مضيفا في تصريح لـ”سوريا الآن” أن المشروع قد يشجع مستثمرين آخرين على الانتقال من مرحلة الاستكشاف إلى الاستثمار الفعلي، لافتا إلى أن هذا الحجم من العمل قادر على تنشيط قطاع البناء والقطاعات المرتبطة به.
لكن حجازي يدعو للتمييز بين القيمة التطويرية الإجمالية للمشروع وبين تدفق استثماري نقدي بقيمة 7 مليارات دولار دفعة واحدة، موضحا أن “القيمة المعلنة غالبا ما تمثل إجمالي قيمة التطوير والمبيعات المتوقعة على عدة مراحل، وليست بالضرورة رأس مال أجنبي سيدخل الاقتصاد السوري فورا”.
وقال إن المشروع يمكن أن يكون “رافعة اقتصادية إذا نشأت حوله روابط إنتاجية محلية قوية، لكنه قد يتحول إلى مشروع عقاري مرتفع القيمة ومحدود الأثر إذا اعتمد بصورة كبيرة على المواد والخبرات المستوردة”.
بدوره يصف عدنان عبد الرزاق – الصحفي والمحلل الاقتصادي – قطاع العقارات بـ”القطاع التحريضي الذي يحرك السوق وينهض بقطاعات كثيرة ترتبط بالبناء والإعمار” مضيفا في تصريح لـ”سوريا الآن” أن المعلومات عن مشروع “دمشق الجديدة” تعني فتح فرص عمل في أكثر من عشرين مهنة وامتصاص فائض البطالة في سوريا.
مشاريع في دمشق وريفها
وأطلقت شركة “ثرا” السعودية للتطوير والاستثمار العقاري بالشراكة مع المؤسسة العامة للإسكان في 25 أغسطس/آب الماضي، مشروع “شام فيو” غربي دمشق على مساحة 1.78 مليون متر مربع، ويتضمن 7500 وحدة سكنية وأكثر من ألفي وحدة تجارية وفندقية، ويستهدف استيعاب أكثر من 22 ألف نسمة.
كما أطلقت شركة “أبيات هيلز” السعودية للاستثمار والتطوير العقاري مع المؤسسة العامة للإسكان في يونيو/حزيران الماضي مشروع “أبيات هيلز” في ضاحية قدسيا بريف دمشق.
وتصل مساحة المشروع إلى نحو 380 ألف متر مربع، ويضم أكثر من ألفي وحدة سكنية بخطة إنجاز تمتد لأربع سنوات.
ماذا عن باقي المدن السورية؟
يلفت عبد الرزاق إلى ظاهرة انحصار الاستثمارات العقارية في محافظتي دمشق وريف دمشق وبصورة أقل في حمص وحلب، مشيرا إلى وجود مناطق مدمرة على امتداد الجغرافيا السورية بحاجة لإعادة إعمار وإطلاق مشاريع تنموية، وأضاف أن منطقة الجزيرة السورية (دير الزور والرقة والحسكة) وإدلب وريف حلب بحاجة ماسة لمشاريع استثمارية عقارية وغير عقارية تحسن معيشة السكان وتحقق نوعا من التنمية المتوازنة.
وقال “لا لوم على الشركات الاستثمارية في اختيار ما يناسبها ” مطالبا الحكومة السورية بـ”طرح خريطة استثمارية واضحة بأهم القطاعات التي يحتاجها الاقتصاد الوطني لتحقيق تنمية أفقية واسعة”.
وأكد وزير الأشغال العامة والإسكان مصطفى عبد الرزاق – في تصريحات خلال التوقيع على إطلاق مشروع شام فيو العقاري الاستثماري – أنه سيتم خلال المرحلة القادمة الإعلان تباعا عن مجموعة من المشاريع والمبادرات السكنية والعمرانية في عدد من المحافظات، وأضاف أن تلك المشاريع تأتي ضمن خريطة وطنية شاملة تمتد على كامل أراضي سوريا، وبما يراعي النشاط الاقتصادي ويعزز التنمية المتوازنة.
لمن هذا السكن؟
لكن عبد الرزاق يتساءل عن الشريحة المستهدفة بهذه المشاريع مع تقديرات متقاطعة بأن سعر المتر المربع الواحد يتجاوز ألف دولار كأقل تقدير، مشيرا إلى أن الشريحة العريضة من السوريين لا تستطيع الشراء بهذه الأسعار، مضيفا أنه من الصعب الحديث عن حل مشكلة السكن أو إعادة إعمار المدن المدمرة عبر مثل تلك المشاريع باهظة التكاليف.

بدوره قال الدكتور حجازي إن وحدة سكنية بمساحة 100 متر مربع ستبدأ كلفتها من نحو 100 ألف دولار، قبل احتساب رسوم التسجيل والخدمات والتجهيز، مضيفا أن هذا السعر يفوق القدرة التمويلية لمعظم الأسر السورية في ظل تراجع الأجور الحقيقية، وضعف فرص العمل، وغياب سوق فعالة للتمويل العقاري طويل الأجل.
وأوضح الأكاديمي السوري أنه وفق تقييم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يعيش نحو 9 من كل 10 سوريين في الفقر، ما يكشف عن فجوة كبيرة بين أسعار العقارات المتوقعة والدخل المحلي الفعلي.
ورجح حجازي أن يتجه الطلب الأساسي في المراحل الأولى إلى المغتربين السوريين، وأصحاب الدخول والمدخرات المرتفعة، والمستثمرين الباحثين عن أصل عقاري لحفظ القيمة، مضيفا أن هذا أمر “مفهوم تجاريا، لكنه يعني أن المشروع، بصيغته الحالية، لا يمكن اعتباره حلا لأزمة السكن لدى الأسر محدودة ومتوسطة الدخل”.
خريطة استثمارية
ودعا عبد الرزاق إلى “عقد مؤتمر استثماري” تطرح الحكومة السورية خلاله خطة استثمارية لتوجيه رجال الأعمال والرساميل الأجنبية إلى القطاعات الاقتصادية التي يستهدفها الاقتصاد السوري وخصوصا في مجالات البنى التحتية والصناعات الغذائية والزراعية – التي تمتلك سوريا فيها باعا طويلا – وإلى قطاعات المياه والطاقة والسياحة، مضيفا أن “حصر الرساميل في العقارات والطاقة لا يحقق تنمية متوازنة في سوريا”.
بدوره لفت الدكتور حجازي إلى أنه “لا يجوز اعتبار هذه المشاريع بديلا عن برنامج وطني لإعادة الإعمار والإسكان” مشيرا إلى أن البنك الدولي يقدر الأضرار المادية المباشرة في المباني السكنية بنحو 33 مليار دولار، وكلفة إعادة بناء القطاع السكني بنحو 75 مليار دولار، وأضاف أن 11 ألف وحدة سكنية في مشروع “دمشق الجديدة” على أهميتها، تبقى محدودة جدا أمام حجم الدمار والاحتياجات المتراكمة.
الاهتمام بالسكن الاجتماعي
ودعا الدكتور حجازي إلى اعتماد معادلة واضحة “كل مشروع عقاري فاخر يجب أن يقابله التزام محدد بالإسكان الميسر والبنية التحتية العامة والتنمية المحلية”، مضيفا أنه يمكن تحقيق ذلك من خلال “تخصيص نسبة معلنة من الوحدات أو عائدات الأرض للإسكان الاجتماعي، وإعطاء الأولوية للمقاولين والعمال والمنتجات السورية”، كما دعا إلى “منع المضاربة العقارية، وإلزام المطور بتمويل احتياجات المشروع من المياه والطاقة والصرف الصحي من دون تحميل الشبكات العامة أعباء إضافية”.
وأضاف الأكاديمي السوري أنه بهذه الشروط يصبح المشروع جزءا من إعادة الإعمار الشامل، أما من دونها، فسيبقى استثمارا عقاريا ناجحا تجاريا، لكنه محدود الأثر في معالجة الأولويات الاقتصادية والاجتماعية لغالبية السوريين.
المصدر: الجزيرة