لا تعد اختبارات كشف الكذب أمرا غير مألوف داخل البنتاغون، لكن إخضاع عشرات العسكريين والموظفين المدنيين لها دفعة واحدة، في إطار تحقيق بشأن تسريب معلومات عن مخزونات الصواريخ الأمريكية في حرب إيران، أمر “نادر للغاية”، بحسب ما قاله مسؤولون لشبكة “سي بي إس نيوز”.
وهذا النطاق هو ما كشفته صحيفة نيويورك تايمز الجمعة، إذ قالت إن نحو 50 من العاملين في هيئة الأركان المشتركة خضعوا للاختبارات خلال أغسطس/آب.
ولم يكن التحقيق محصورا بمن سرّب المعلومات للصحافة، إذ قالت الشبكة إن عددا قليلا جدا كان يملك حق الاطلاع على بيانات الذخائر، وإن المحققين درسوا أيضا احتمال أن يكون أحد المطلعين يعمل لصالح جهاز استخبارات أجنبي.
فكيف تحولت أرقام الصواريخ إلى مسألة أمن قومي وشبهة تجسس محتملة؟
لماذا صارت الأرقام مسألة أمن قومي؟
وفق “سي بي إس نيوز”، شملت الاختبارات مسؤولين في القيادة المركزية وقادة في قيادات قتالية أخرى، ولم يخفق أحد في الأسئلة المخصصة لتحديد من سرّب إلى وسائل الإعلام، بحسب مصدرين للشبكة.
ولم يشارك مكتب التحقيقات الفدرالي في الاختبارات، إذ تولى المهمة محققون عسكريون، كما لم يخضع رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين للاختبار، وفق مسؤول كبير في البنتاغون.
وجاء الاختبار ضمن حملة أوسع بدأها وزير الحرب بيت هيغسيث، الذي أعلن في يوليو/تموز تشكيل فريق مشترك بين البنتاغون ووزارة العدل لملاحقة التسريبات، قائلا إن “المعلومات المسربة تعرض الأرواح للخطر”.
أما المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل فقال إن الوزارة “لا تعلق على شؤون الموظفين الداخلية أو مسائل التحقيق”، لكنها تتعامل “بجدية بالغة مع جميع تسريبات معلومات الأمن القومي المصنفة وتحقق فيها وفقا لذلك”، مضيفا أن تأمين هذه المعلومات “ضروري لضمان أمن الولايات المتحدة وقواتها المنتشرة حول العالم”.
وما أشعل هذا التحرك لم يكن تسريبا هامشيا.

ما الذي كشفته التسريبات عن الصواريخ الأمريكية؟
في الرابع من أغسطس/آب، نقلت رويترز عن 3 أشخاص مطلعين على البيانات معلومات عن حجم الاستهلاك.
وقال اثنان منهم إن الجيش الأمريكي استخدم “تقريبا كل” مخزونه من صواريخ “أتاكمز” (ATACMS) وصواريخ الضربة الدقيقة (PrSM)، فيما رفضت المصادر تحديد العدد المتبقي من كل نوع.
وقال مصدر آخر إن الولايات المتحدة استهلكت أقل بقليل من نصف مخزونها العالمي من صواريخ توماهوك، مع توضيح رويترز أنها لم تتمكن من التحقق من هذا الرقم بشكل مستقل.
والأهم أن أرقام المخزون كانت، وفق الوكالة، تتداول داخل الحكومة خلال نقاشات بشأن المدة التي تستطيع فيها واشنطن مواصلة ضرب إيران قبل أن ينخفض المخزون إلى مستويات تحد من قدرتها على الاستجابة لأزمة أخرى. وعبّر الأشخاص الثلاثة عن قلقهم من أن يقيّد ذلك قدرة بلادهم على ردع روسيا والصين.
وتتقاطع هذه المعطيات مع تقديرات لمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS)، أوردتها رويترز، تفيد بأن نحو 65% من صواريخ باتريوت الاعتراضية استُهلكت بين فبراير/شباط ويوليو/تموز، وأن مخزون صواريخ “ثاد” الاعتراضية انخفض بما لا يقل عن 38% عن مستواه في بداية الحرب. وقال مصدران إن التقديرات تتطابق مع البيانات الأمريكية الداخلية.

إذا أمكن تقدير الأرقام علنا، فلماذا يخشى البنتاغون تسريبها؟
هنا تظهر مفارقة أساسية: الأعداد الدقيقة للصواريخ الموجودة فعليا في المخازن الأمريكية سرية، لكن كثيرا من البيانات التي تساعد على تقديرها متاح للعلن.
فمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية يقول إن “مخزونات الذخائر مصنفة سرية”، لكنه يوضح أن وثائق موازنة البنتاغون تكشف أعداد الصواريخ المشتراة ومواعيد تسليمها ومعدلات الإنتاج، وهي معلومات تسمح للباحثين بوضع تقديرات عن حجم المخزون.
أي أن من هو خارج البنتاغون يستطيع الاقتراب من الرقم، من دون أن يعرفه بدقة. وهذا ما يوضحه توم كاراكو، مدير مشروع الدفاع الصاروخي في المركز، إذ قال لمجلة فورين بوليسي إن البنتاغون “محق” في عدم نشر الأعداد الدقيقة للمخزون أو لما استُهلك منه، وإن لذلك “سببا وجيها”.
لكنه قدّم في المقابل تقديرا مبنيا على معلومات المصادر المفتوحة، مرجحا أن الولايات المتحدة كانت تملك نحو 2500 صاروخ باتريوت قبل الحرب، وأن أكثر من نصفها، “ربما 1200 أو أكثر”، قد استُهلك.
وهنا يتضح الفارق: معلومات المصادر المفتوحة قد تكشف اتجاه المخزون وتراجع بعض الأنظمة، أما الرقم الداخلي فيعطي صورة أدق عما استُهلك وما بقي فعليا. ومن هنا تأتي حساسية التسريب؛ فهو لا يكشف المشكلة للمرة الأولى بقدر ما يقلص مساحة الغموض حول حجمها الحقيقي.

ماذا يعني نقص المخزون على الأرض؟
لا يتعلق الأمر بعدد الصواريخا في المستودع فحسب، بل بالخيارات التي تبقى أمام القوات.
ففي تحليل نشره مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في 27 يوليو/تموز، قُدّر مخزون باتريوت بأقل من ألف صاروخ، وثاد بنحو 250.
وخلص إلى أن “المخزونات المتناقصة قد تضطر الولايات المتحدة وشركاءها في التحالف إلى تحمل مخاطر أكبر في عمليات الاعتراض”، مشيرا إلى أنه “لا توجد بدائل جيدة للباتريوت والثاد” في التصدي للصواريخ الباليستية.
وهذا لا يعني أن الخصم يستطيع حساب موعد نفاد الصواريخ، لكنه يمنحه صورة أوضح عن حدود القدرة الدفاعية إذا استمر الاستهلاك بمعدلات مرتفعة.
لماذا لا تكفي المصانع لسد الفجوة؟
لأن تعويض ما أُطلق يستغرق وقتا أطول بكثير من إطلاقه.
ويقدّر مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية أن توماهوك وباتريوت وثاد تحتاج ثلاث سنوات أو أكثر للعودة إلى مستويات ما قبل الحرب، وأن تعويض أكثر من ألف صاروخ توماهوك أُطلق على إيران قد يمتد إلى أواخر 2030. ويلخص المركز العقبة بالقول إن “المشكلة اليوم ليست المال، بل الوقت”.
وفي 31 أغسطس/آب، أعلنت وزارة الحرب اتفاقين إطاريين لسبع سنوات مع “جنرال ديناميكس” و”لوكهيد مارتن”، يستهدفان رفع الطاقة الإنتاجية لصواريخ باتريوت (PAC-3 MSE) إلى ثلاثة أمثالها، وثاد إلى أربعة أمثالها.
وقال وكيل وزارة الحرب مايكل دافي إن الوزارة تعمل على “تقليص الروتين، واختصار الجداول الزمنية، والتوسع السريع في القدرة التصنيعية المحلية”.
لكن رفع الإنتاج لا يعني أن الصواريخ ستصل سريعا، فقد قال الرئيس التنفيذي لشركة راينميتال أرمين بابرغر لرويترز، عن مساهمة مشروع إنتاج “أتاكمز” مع لوكهيد مارتن في إعادة ملء الترسانات الأمريكية: “لن يحدث ذلك خلال سنتين. سيستغرق وقتا أطول بكثير”.

وتزداد حساسية الفجوة لأن الصواريخ نفسها مطلوبة خارج حرب إيران.
فمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية يرى أن واشنطن تملك ذخائر تكفي لأي سيناريو معقول في الحرب الحالية، لكن الاستنزاف خلق “نافذة ضعف” أمام صراع محتمل في غرب المحيط الهادئ. لكنه يرى أيضا أن افتقار الصين إلى خبرة قتالية حديثة قد يساعد على بقاء الردع.
وفي المقابل، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إن لدى بلاده “كميات هائلة من الذخائر”، وتوعد من سرّب معلومات عن المخزون، قائلا إن أصحاب هذه “التصريحات الخيانية” يجري تعقبهم، وإنه “ستُطلب أحكام سجن طويلة الأمد” بحقهم.
لكن رغم كل الأرقام والتقديرات التي خرجت إلى العلن، بقي الرقم الأهم غير معروف: كم تبقى فعليا؟
المصدر: الجزيرة