يعزز القرار الأردني تزويد لبنان بالغاز الطبيعي عبر الأراضي السورية دور سوريا كشريان ربط إقليمي بين دول المنطقة، لنقل المشتقات النفطية والبضائع والسلع من الشمال إلى الجنوب ومن العراق إلى البحر المتوسط والعكس حسبما يؤكد باحثون، كما يقدم عوائد اقتصادية تحتاج إليها دمشق في دفع خطط إعادة الإعمار.
ووافق مجلس الوزراء الأردني، الأحد الماضي، على الاتفاقيات اللازمة لتزويد لبنان بالغاز الطبيعي عبر البنية التحتية الأردنية ومن خلال سوريا، بحسب وكالة الأنباء الأردنية الرسمية (بترا).
وسيجري تزويد لبنان بالغاز من خلال الباخرة العائمة في ميناء العقبة، بالتعاون مع الجانب السوري.
جغرافيا سياسية للطاقة
ويرى الباحث والخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش أن سوريا تبرز بوصفها حلقة الوصل الأهم والرابح الأكبر على الصعيدين الاقتصادي والجيوسياسي في هذا الربط بين الأردن ولبنان عبر أراضيها.
وقال لـ”سوريا الآن” إن القرار الأردني يحمل أبعادا إستراتيجية تتجاوز البعد التجاري المباشر، ليعيد رسم ملامح الجغرافيا السياسية للطاقة في منطقة المشرق العربي، وذلك عبر تفعيل عملي لـ”خط الغاز العربي” وتحويل الاتفاقيات النظرية السابقة إلى واقع ملموس ومستدام.
وخط الغاز العربي هو مشروع لنقل فائض الغاز الطبيعي المصري إلى الأردن وسوريا ولبنان ولاحقا إلى أوروبا، وأنجزت مرحلته الأولى عام 2003 وجرى الاتفاق على إعادة إحيائه قبل عام 2021 في اجتماع رباعي بين وزراء الطاقة في مصر والأردن وسوريا ولبنان، لكنه واجه تحديات كبيرة أبرزها “قانون قيصر” في حينه.

وأضاف عياش أن الأهمية الجوهرية للربط الثلاثي تتجلى في الانتقال بمشاريع الطاقة الإقليمية من المبادرات السياسية المعطلة، إلى الآليات التنفيذية المحكومة بالمصالح المشتركة والاعتماد المتبادل.
وأوضح أن الاتفاق يشكل منظومة أمن طاقة مترابطة لا يمكن فصل أجزائها، يسخر فيها الأردن قدراته اللوجستية في منطقة العقبة لتحويل الغاز المسال، بينما تقدم سوريا موقعها الجغرافي لضمان وصول الطاقة إلى الشبكة اللبنانية المتهالكة، مما يخلق شبكة أمان إقليمية تمهد لربط كهربائي أوسع في منطقة شرق المتوسط.
رسوم عبور وحركة
بدوره قال الدكتور زياد عربش -الأكاديمي والمستشار في شؤون الطاقة- إن الفائدة المباشرة لسوريا، تتمثل بتحصيل رسوم عبور وحركة، مضيفا أن دمشق ستحصل على دخل من رسوم عبور الغاز عبر أراضيها إذا وُضعت اتفاقيات واضحة، مشيرا إلى أن هذه الرسوم قد تغطي صيانة خط الأنابيب وأمنه.
كما أن تشغيل الخط وصيانته حسبما أكد المتحدث لـ”سوريا الآن”، يوفر “فرص عمل ومناقصات محلية لشركات صيانة البنية التحتية وخدمات حراسة وتأمين المسارات”، مضيفا أن إدماج سوريا في شبكات طاقة إقليمية “قد يسهل لاحقا مشاريع تبادل الكهرباء أو الغاز مع دول أخرى”.
دعم قطاع الكهرباء
ويؤكد الباحث الاقتصادي فادي عياش هذه الفوائد المالية المباشرة، مشيرا إلى أن الاتفاق يتيح لسوريا فرصة ذهبية للحصول على رسوم عبور عينية متمثلة في حصص من الغاز الطبيعي أو الطاقة الكهربائية، وهو ما يمثل شريانا داعما لقطاع الكهرباء السوري المحلي دون تكبد أعباء مالية بالعملة الصعبة.
وأضاف عياش أن المشروع يفرض ضرورة صيانة وتأهيل مقاطع في خطوط الأنابيب المتضررة داخل الأراضي السورية، مما يعني تحديث البنية التحتية للطاقة وتوفير الكلف التشغيلية للمحطات المحلية التي تعتمد على الوقود السائل عالي التكلفة.
تعاون اقتصادي إقليمي
ولفت عربش إلى أن العقد الجديد يمرر الغاز إلى لبنان، ولا يعني بالضرورة زيادة إمداد سوريا بنفسها أو حصولها على كميات مجانية من الغاز، مضيفا أن استفادتها تعتمد على بنود الاتفاق (حصة عبور، إمدادات مقايضة، أو إعفاءات).
وأوضح عربش أن خطوط الغاز عبر الأراضي السورية قد تكون هدفا محتملا للهجمات أو التخريب إن لم تؤمَّن بشكل كافٍ، ما يتطلب موارد وحماية أمنية مستمرة.
وأكد المستشار في شؤون الطاقة، أن استفادة سوريا تتجلى في تعزيز العلاقات مع الأردن ولبنان وفتح قنوات تعاون اقتصادي قد يترجم إلى تسهيلات في ملفات أخرى.
ممر إستراتيجي
ويزيد عياش على تلك الفوائد “ترسيخ الاعتراف الدولي والإقليمي بموقع سوريا المهم بوصفه ممرا إستراتيجيا في ظل أزمات المنطقة، ويكرس حقيقة أنه لا يمكن صياغة أي ترتيبات إقليمية للمشرق العربي بمعزل عن سوريا”.
وأضاف أن هذا الدور المحوري يمنح سوريا “غطاء سياسيا مدفوعا بضرورات إنسانية واقتصادية تخص استقرار لبنان، مما يسهم عمليا في تفكيك العزلة المفروضة عليها، وتخفيف وطأة القيود والعقوبات الدولية المفروضة على قطاع الطاقة السوري، واستثمار هذه الانفراجات، الأمر الذي يدفع بقوة نحو تعزيز اندماج سوريا في منظومة العمل العربي المشترك ويمنحها أوراق قوة إضافية في مشهد التفاعلات الإقليمية”.
غاز عبر الأردن إلى سوريا
ووقعت الشركة السورية للبترول مع شركة الكهرباء الوطنية الأردنية في يناير/كانون الثاني 2026 اتفاقية لتزويد سوريا بنحو 4 ملايين متر مكعب يوميا من الغاز الطبيعي عبر الأراضي الأردنية.
وأوضح وزير الطاقة السوري محمد البشير جينها أن الاتفاقية تشكل خطوة مهمة لتأمين احتياجات قطاع الكهرباء، وتحسين واقع التغذية الكهربائية، خاصة في ظل التحديات التي مر بها القطاع خلال السنوات الماضية.
من جانبه، أوضح الوزير الأردني صالح الخرابشة أن التوريد اليومي لسوريا يبلغ نحو 4 ملايين متر مكعب، أي نحو 140 مليون قدم مكعب، مما يعزز استقرار قطاع الكهرباء السوري.
المصدر: الجزيرة