بريكس في نيودلهي.. كيف تسير الهند على خيط رفيع بين الأقطاب وقوى الإقليم؟

تستعد العاصمة الهندية نيودلهي لاستضافة القمة الـ18 لمجموعة بريكس يومي السبت والأحد 12 و13 سبتمبر/أيلول الجاري، في حين تنشغل البلاد بهاجس الخروج من معضلة تتعلق بالتوازن بين أقطاب العالم وقوى الإقليم.

القمة التي ستشهد مشاركة قادة، يتقدمهم الرئيس الصيني شي جين بينغ، ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، والإيراني مسعود بزشكيان، تأتي في ظل توتر يخيم على قلب العالم بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران منذ نهاية فبراير/شباط الماضي، ومن قبلها الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت في فبراير/شباط 2022 ولم تضع أوزارها بعد.

وتأسس منتدى “بريكس” عام 2009 ليجمع الاقتصادات الصاعدة الكبرى: الصين وروسيا والهند والبرازيل، وسرعان ما انضمت  إليه جنوب أفريقيا، ليتضح إطار التجمع بعيدا عن المؤسسات التي تهيمن عليها الولايات المتحدة ودول الغرب، وفي مقدمتها مجموعة السبع.

ثم انضمت لاحقا 5 دول أخرى، هي مصر والإمارات وإيران وإثيوبيا وإندونيسيا، وهو توسع منح تكتل بريكس وزنا سكانيا واقتصاديا وجيوسياسيا أكبر، لكنه جعل الوصول إلى التوافق أكثر صعوبة.

تكتل المتناقضات

وبينما تنظر البرازيل والهند إلى بريكس على أنها مبادرة ذات دوافع اقتصادية، فإن الصين وروسيا تنظران إلى المجموعة من منظور جيوسياسي بدرجة أكبر، وذلك وفقا لتحليل أعده تشيتيجي باجبايي للمعهد الملكي للشؤون الدولية “تشاتام هاوس”.

لكن الهند، التي سعت دائما إلى ما تسميه “الاستقلال الإستراتيجي”، تبدو في مهمة صعبة، وهي تجد نفسها في قلب شبكة من الخلافات والمصالح المتناقضة التي جعلت ضبط التوازن في العلاقات الدولية مهمة صعبة لكثير من الدول خصوصا مع توالي التغيرات وتبدل التحالفات.

المعضلة الأساسية ليست في أن الهند وسيط بين مختلفين، بل في أنها تجد نفسها في قلب دائرة من التناقضات التي تتطلب ما يشبه السير على حبل مشدود أو خيط رفيع من أجل تحقيق التوازن.

إعلان

فإذا كانت روسيا شريكا للهند في السلاح والطاقة، وإذا كانت إيران مصدرا مهما للطاقة، فإن الهند لا يمكنها تجاهل كونها شريكا إستراتيجيا قديما للولايات المتحدة التي لا تنظر لتكتل بريكس بعين الرضا بطبيعة الحال.

Security officers stand guard ahead of the BRICS summit in New Delhi, India, Friday, Sept. 11, 2026. (AP Photo/Manish Swarup)
أحد ملصقات قمة بريكس أمام مقر استضافتها في نيودلهي (أسوشيتد برس)

 

ليس هذا فقط، فالصين شريك بارز للهند داخل بريكس، لكنها أيضا جار لدود بفعل خلافات حدودية أدت إلى حرب واسعة النطاق في عام 1962، ولم تخمد جذوتها، لتتجدد في صورة اشتباكات حدودية عام 2020 شهدت مقتل جنود من الجانبين.

كما أن الهند لا تنسى بالطبع أن الصين ربما تكون الداعم الاقتصادي والعسكري الأهم لباكستان، التي تجمعها بالهند علاقات شديدة التوتر منذ عقود لم تخل من حروب كبرى في الأعوام 1947 و1965 و1971، قبل أن تنشب جولتها الأخيرة في أبريل/نيسان ومايو/أيار من العام الماضي

أضف إلى ذلك أن قمة بريكس تأتي هذه المرة بينما تخوض إيران، العضو في المجموعة منذ عام 2024، حربا مع الولايات المتحدة وإسرائيل، امتدت تداعياتها إلى الخليج ومضيق هرمز وأسواق الطاقة.

كما تدهورت العلاقات بين إيران والإمارات على خلفية الحرب، وكلتاهما تحتفظ بعلاقات جيدة مع الهند.

كل هذا، يجعل نجاح الهند في إدارة القمة صورة مكبرة من سياستها الخارجية نفسها: كيف تتعاون مع أطراف متصارعة من دون أن تتحول إلى جزء من صراعاتها؟

وبهذا المعنى، ربما لا تكون قمة بريكس اختبارا لوحدة هذا التكتل، بقدر ما هي اختبار للنموذج الهندي في السياسة الدولية.

أمريكا الضرورية

الربع الأول من القرن الـ21 شهد تحول الولايات المتحدة إلى أحد أهم الشركاء الإستراتيجيين للهند، خاصة في مجالات السلاح والتكنولوجيا ناهيك عن التعاون بشأن أمن المحيطين الهندي والهادي.

وينضم البلدان إلى اليابان وأستراليا في حوار أمني رباعي (كواد)، كما أنهما عززا الشراكة العسكرية بينهما عبر اتفاق في العام الماضي يمتد إلى 10 سنوات مقبلة، واتسع نطاق التعاون في مجالات التكنولوجيا العسكرية وتبادل المعلومات والقدرات البحرية.

لكن تجب هنا ملاحظة أن العلاقة بين الجانبين ليست تحالفا وثيقا يخلو من سحب الصيف وعواصف الشتاء، ففي يوليو/تموز الماضي مثلا فرضت إدارة الرئيس دونالد ترمب رسوما إضافية بنسبة 10% على جزء من الواردات الهندية، كما تظل مشتريات الهند من النفط الروسي نقطة احتكاك مستمرة مع واشنطن، وسط مشاريع قوانين أمريكية تتيح فرض رسوم مرتفعة على كبار مستوردي الطاقة الروسية.

ومع حرب إيران تصبح المعادلة أكثر حساسية، إذ تسير واشنطن في اتجاه تغليظ العقوبات على الدول التي تشتري بصورة مباشرة أو غير مباشرة سلعا أو خدمات إيرانية، مما يعني أن توسيع نيودلهي تعاونها الاقتصادي مع طهران قد تكون له تكلفة باهظة على علاقتها بالسوق الأمريكية.

In this pool photograph distributed by the Russian state agency Sputnik, Russia's President Vladimir Putin (R) and India's Prime Minister Narendra Modi visit an exhibition during the BRICS Business Forum 2026 in New Delhi on September 11, 2026.
ناريندرا مودي (يسار) مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أثناء زيارته الهند (الفرنسية)

 

روسيا المهمة

بالتوازي مع العلاقات الجيدة مع واشنطن، قد يبدو مفاجئا للقارئ حجم العلاقة المتميزة مع موسكو، ويكفي أن نقول باختصار إن الهند لا تزال أكبر زبون للسلاح الروسي في العالم، كما أنها أحد أهم المشترين للنفط من موسكو.

إعلان

فالعلاقة بين البلدين ليست إرثا سياسيا من الحرب الباردة فحسب، وإنما تقوم على شبكة ضخمة من المصالح في مجالات السلاح والطاقة.

ببساطة تشير الأرقام إلى أن نحو 40% من السلاح الروسي في السنوات الخمس الأخيرة جاء من روسيا، علما أن النسبة كانت أكثر من ذلك في السابق، كما أن 40% من النفط الذي استوردته الهند جاء هو الآخر من روسيا.

ووفقا لبيانات الحكومة الهندية، بلغ حجم تجارة السلع بين الهند وروسيا  59.9 مليار دولار في عامي 2026/2025، لكن الميزان يميل كثيرا لموسكو التي استوردت من الهند ما قيمته 4.49 مليارات دولار، بينما صدّرت لها ما قيمته 55.37 مليار دولار.

ولا تنسى واشنطن أن الهند أصرت، قبيل الحرب الروسية على أوكرانيا في فبراير/شباط 2022، على المضي قدما في شراء منظومات الدفاع الجوي الروسية “إس-400″، متجاهلة تهديدات العقوبات الأمريكية.

كذلك قامت الهند بدور سياسي داعم لروسيا منذ غزو أوكرانيا، إذ امتنعت عن التصويت على جميع القرارات المضادة لموسكو في الأمم المتحدة، كما رفضت أي قيود اقتصادية عليها، بل وزادت من وارداتها النفطية منها.

ولا تبدو العلاقة في وارد التراجع، وآخر المؤشرات جاء من الهند أمس عندما أعلن وزير الصناعة والتجارة الروسي الزائر عن استعداد بلاده للدخول في مشاريع جديدة مع الهند تشمل توريد الطائرات الروسية الحديثة بل والمشاركة في تصنيعها.

كذلك حرص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على الوصول مبكرا، والتقى اليوم الجمعة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، حيث جرت مباحثات تناولت التجارة والتعاون في مجالات الدفاع والطاقة.

FILE PHOTO: Chinese President Xi Jinping and India Prime Minister Narendra Modi meet on the sidelines of the BRICS summit in Kazan, Russia October 23, 2024. China Daily via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY. CHINA OUT//File Photo
ناريندرا مودي (يسار) مع الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال قمة بريكس 2024 التي استضافتها روسيا (رويترز)

الصين الخصم التاريخي

لم يكن خبرا عابرا أن تعلن الصين أن رئيسها شي جين بينغ سيشارك بنفسه في قمة بريكس التي تستضيفها الهند، فالزيارة ستكون الأولى للرجل منذ عام 2019، وهو ما يعني خطوة جديدة في مسار التقارب البطيء، بعد 6 سنوات من المواجهة التي دارت بينهما على طول الحدود المتنازع عليها في منطقة الهمالايا.

ولهذا ربما تكون الصين أصعب أجزاء معادلة التوازن التي تسعى إليها الهند، فالعلاقة بين العملاقين الآسيويين تجمع في الوقت نفسه متناقضات المنافسة التجارية والخصومة العسكرية، بالتوازي مع ضرورات التعاون.

فالهند تريد احتواء النفوذ الصيني إستراتيجيا، لكنها لا تستطيع تجاهل أهمية الصين لسلاسل التوريد والصناعة الهندية.

وتزداد الحساسية بسبب باكستان، التي حصلت على نحو 80% من وارداتها من الأسلحة خلال الأعوام 2025/2021 من الصين، وفق معهد ستوكهولم، في وقت شهد فيه البلدان في مايو/أيار 2025 أخطر مواجهة عسكرية بينهما منذ عقود قبل التوصل إلى وقف لإطلاق النار.

وقبل بضع سنوات فقط، كانت الهند تبتعد عن منظمة شنغهاي للتعاون التي تقودها الصين، ولكنها جددت اهتمامها بها مؤخرا، وسعت إلى تحسين علاقاتها مع الصين وروسيا.

وجاء وصول ترمب إلى السلطة ليثير قلق الهند بالنظر إلى رؤيته القائمة على المصالح أكثر من كونها قائمة على التحالفات، فضلا عن انفتاحه على كل من الصين وروسيا، ما جعل الهند تشعر بالخوف من تضاؤل أهميتها في الإستراتيجية الأمريكية.

لكن الهند أيضا قد تستفيد من سياسة ترمب، وفقا لتحليل للكاتب جيانلي يانغ نشرته مجلة ناشونال إنترست الأمريكية، لأن العلاقة الأقل صداما بين واشنطن وبكين تقلل من خطر نشوب صراع كارثي في آسيا، وتمنح الهند مساحة أكبر للمناورة الدبلوماسية.

وحسب يانغ، فإذا ما أعطت القوى الكبرى الأولوية للاستقرار وليس التصعيد، فإن نيودلهي ستكسب وقتا لمواصلة تعزيز اقتصادها وجيشها وقدراتها التصنيعية وقاعدتها  التكنولوجية. كما يمكن للهند أن تستفيد من تنويع سلاسل التوريد العالمية، في ظل سعي الشركات الغربية المستمر لإيجاد بدائل للاعتماد المفرط على الصين.

إيران البوابة

أما بالنسبة لإيران، فهي تمثل للهند أكثر من مجرد مورد محتمل للطاقة، فميناء تشابهار الإيراني يمنح نيودلهي ممرا إلى أفغانستان وآسيا الوسطى من دون المرور بأراضي باكستان الغريم التقليدي، ولهذا ضخت نيودلهي استثمارات كبيرة في هذا الميناء عبر تعاقد طويل الأجل تم توقيعه عام 2024.

إعلان

لكن الحرب والعقوبات ضيقتا مساحة الحركة، وزادت من المخاوف بشأن أمن الميناء ومستقبله.

وتشير أحدث البيانات إلى تراجع الصادرات الهندية إلى إيران وتعقد عمليات الدفع والشحن والتأمين، خصوصا بعد تعليق الإمارات تعاملاتها مع طهران وتشديد العقوبات الأمريكية.

وهنا تظهر المعضلة بوضوح، فالهند تريد الاحتفاظ بإيران بوصفها شريكا جغرافيا واقتصاديا مهما، لكنها لا تريد أن تتحول هذه العلاقة إلى سبب لمواجهة اقتصادية مع الولايات المتحدة.

وكان ملحوظا أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لم يفوت الفرصة فور وصوله إلى الهند اليوم الجمعة عشية انطلاق قمة بريكس، إذ انتقد “العدوان العسكري” الأمريكي الإسرائيلي على بلاده.

وفي تصريح لافت، حذر بزشكيان من أن تعرض بلد (في إشارة لإيران) لضغوط سياسية وعسكرية في قطاعات التجارة والطاقة والبنية التحتية والنظام المالي يعني أن تداعيات ذلك ستمتد إلى خارج حدوده.

Iranian President Masoud Pezeshkian, center right, arrives for the BRICS summit in New Delhi, India, Friday, Sept. 11, 2026. (Indian Foreign Ministry via AP)
مسعود بزشكيان (يمين) لدى وصوله اليوم إلى نيودلهي استعدادا لحضور قمة بريكس (أسوشيتد برس)

ماذا تفعل نيودلهي؟

في الحقيقة، لا يكمن حل هذه الشبكة من التناقضات التي تحيط بالهند، في اختيار الانضمام إلى هذا المعسكر أو ذلك، بل ربما يكون الأجدى هو محاولة منع تشكل الأحلاف والمعسكرات أصلا حولها.

الهند اعتادت السنوات الأخيرة تسمية ذلك بـ”الاستقلال الإستراتيجي”، فهي تتعاون مع الولايات المتحدة في التكنولوجيا وأمن المحيط الهندي، وفي الوقت نفسه تتعاون مع روسيا في الدفاع والطاقة، ومع إيران في النقل والربط القاري، ومع الصين داخل بريكس ومنظمة شنغهاي والتجارة، من دون منح أي طرف حق تحديد حجم علاقاتها مع الآخرين.

ومن داخل بريكس تحاول الهند تنفيذ هذه الإستراتيجية، فهي من ناحية تسعى باستمرار لأن تكون صوتا للجنوب العالمي، لكنها في الوقت نفسه تسعى لتجنب تحول هذا التكتل إلى تحالف صريح ضد الغرب بقيادة الولايات المتحدة.

ولذلك، سعت الهند إلى التقليل من أهمية بعض العناصر الأكثر إثارة للجدل في جدول أعمال قمة بريكس، ومن بينها الدعوة إلى التخلي عن هيمنة الدولار، التي تتبناها دول مثل البرازيل وروسيا، وهي فكرة دفعت الرئيس ترمب العام الماضي إلى التهديد بفرض رسوم جمركية 10% على دول التكتل.

وتشير وكالة الأنباء الألمانية إلى أن موقف الهند لا ينسجم مع تكتل يضم دولا لديها مواقف أكثر وضوحا في معاداة الغرب كالصين وروسيا وإيران، أو حتى جنوب أفريقيا والبرازيل اللتين دخلتا في خلافات لافتة مع زعيم البيت الأبيض.

ومن ثم، ترى الوكالة أن “إحدى النقاط الرئيسية التي تتطلع إليها الأنظار خلال قمة بريكس هي كيفية توفيق نيودلهي بين جهودها للحفاظ على علاقات جيدة مع واشنطن، ودعوات دول بريكس إلى التعبير عن معارضتها للتحركات الأمريكية”.

السير على هذه الحبال المشدودة ليس سهلا، خصوصا أن الأطراف المحيطة كلها إما قوى دولية عظمى أو قوى إقليمية مهمة، لكن الهند تراهن -فيما يبدو- على أن حجم اقتصادها وموقعها الجغرافي وثقلها السياسي هي عوامل تساعدها على أن تكون شريكا لخصوم متنافسين من دون أن تصبح تابعة لأي منهم.

بعبارة أخرى، فإن نجاح نيودلهي لن يقاس بقدرتها على إرضاء واشنطن أو موسكو أو بكين أو طهران، وإنما بقدرتها على إبقاء الجميع قريبين بالقدر الذي يخدم مصالحها، وبعيدين بالقدر الذي يمنع أي منهم من تقييد حركتها.

 

المصدر: الجزيرة