في صناعة السيارات الحديثة، لم يعد الشعار الموجود على مقدمة السيارة يكشف بالضرورة أصلها الحقيقي. وقد تكون عودة اسم “غالوبر” (Galloper) إلى السوق الإسبانية أحد أوضح الأمثلة على ذلك.
فالعلامة التي ارتبط اسمها في تسعينيات القرن الماضي بسيارات دفع رباعي ذات جذور من ميتسوبيشي تستعد للعودة إلى الأسواق بسيارتين جديدتين؛ الأولى رباعية الدفع باسم “غريدوس” (Gredos)، والثانية بيك أب تحمل اسم “أنايت” (Anayet).
لكن خلف الشعار الإسباني الجديد توجد خلطة صناعية عالمية: قواعد وهندسة ترتبط بنيسان، وإنتاج في الصين، ومحرك من ميتسوبيشي، وناقل حركة من “زد إف” ZF الألمانية، ونظام دفع رباعي من “بورغ وارنر” (BorgWarner) الأمريكية.

اسم قديم وشركة جديدة
من المهم التفريق بين غالوبر القديمة والمشروع الحالي. فالعلامة عملت في إسبانيا بين عامي 1998 و2005، وارتبطت هناك بسيارات دفع رباعي مبنية على طرازات هيونداي غالوبر، التي استندت بدورها إلى أجيال من ميتسوبيشي باجيرو/مونتيرو.
أما “غالوبر إيبيريكا” الحالية فهي مشروع جديد تقوده شركة إسبانية ولا تمثل امتدادا مؤسسيا للشركة القديمة، وإن كانت تستفيد بوضوح من الاسم الذي لا يزال معروفا لدى محبي سيارات الطرق الوعرة في إسبانيا.
وتظهر البيانات القانونية للموقع الرسمي أن العلامة تعمل تجاريا من خلال شركة “لوباتو موتور” (Lobauto Motor S.L) الإسبانية.
وتقول الشركة إن هدفها هو إعادة تقديم سيارات دفع رباعي “حقيقية” وعملية يمكن الوصول إليها بسعر أقل من كثير من الخيارات المتاحة حاليا، بعدما تحولت قطاعات واسعة من السوق نحو سيارات (SUV).
هذه الزاوية قد تمنح غالوبر مساحة للمنافسة؛ إذ تقلصت خلال السنوات الماضية خيارات سيارات الـ4×4 التقليدية ذات الشاسيه المنفصل، بينما تحولت كثير من السيارات الباقية في هذا القطاع إلى منتجات مرتفعة السعر.

غريدوس.. نيسان بملامح غالوبر
الطراز الأول في العودة الجديدة هو “غالوبر غريدوس”، وهو سيارة دفع رباعي بـ5 مقاعد تعتمد على بنية ذات شاسيه من العوارض الطولية، وهي تركيبة ترتبط بالسيارات المخصصة للاستخدام الشاق والطرق الوعرة أكثر من سيارات الكروس أوفر التقليدية.
وتشير المصادر المتخصصة إلى أن أساس السيارة يعود إلى (Nissan Terra/Dongfeng Paladin) المصنعة للسوق الصينية، قبل تعديلها وطرحها تحت علامة غالوبر.
لكن الأمر لا يقتصر على تغيير الشعار. فوفق المواصفات الرسمية الأحدث، تأتي غريدوس بمحرك بنزين 2.0 لتر توربيني من عائلة (Mitsubishi 4K31) يولد 218 حصانا، مع عزم دوران يبلغ 360 نيوتن متر بين 1400 و4000 دورة في الدقيقة.
ويتصل المحرك بناقل حركة أوتوماتيكي من 8 سرعات، بينما تضم منظومة الدفع الرباعي علبة تخفيض وقفلا للتفاضل الخلفي، وهي تجهيزات تعزز قدرتها خارج الطرق المعبدة.
ويبلغ طول السيارة 4.882 أمتار وعرضها 1.85 متر وارتفاعها 1.875 متر، مع قاعدة عجلات بطول 2.85 متر. كما تبلغ زاوية الاقتراب 32 درجة وزاوية المغادرة 27 درجة، فيما يصل حجم صندوق الأمتعة إلى 748 لترا.
وتعلن غالوبر استهلاكا يبلغ 8.5 لترات لكل 100 كيلومتر وفق دورة WLTP، وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون عند 201 غرام لكل كيلومتر.
وتشمل التجهيزات المعلنة 7 وسائد هوائية وشاشة عالية الدقة بقياس 13 بوصة وكاميرا رؤية بزاوية 360 درجة وسقفا كهربائيا.
كما تطرح الشركة اختيارا أطلقت عليه “الدوران كالدبابة” 360 درجة، وهي تقنية مصممة لتقليل المساحة المطلوبة للمناورة في بعض ظروف القيادة على الطرق الوعرة.

أنايت.. بيك أب للعمل
أما النموذج الثاني فهو “أنايت”، وهي بيك أب مزدوجة المقصورة تعيد استخدام هندسة ترتبط بعائلة (Nissan Navara/Dongfeng Rich 6)، مع تعديلات لتناسب الاستخدام التجاري والطرق الوعرة.
ويبلغ طول السيارة 5.287 أمتار وعرضها 1.85 متر، بينما تصل قاعدة عجلاتها إلى 3.15 أمتار. وتبلغ أبعاد صندوق التحميل 1.510 متر طولا و1.562 متر عرضا و475 مليمترا ارتفاعا، في حين تعلن الشركة حاليا قدرة تحميل تبلغ 490 كيلوغراما.
وهذا الرقم هو الأحدث المنشور رسميا، ويختلف عن أرقام أعلى وردت في بعض التقارير الصحفية السابقة قبل اكتمال مواصفات السيارة النهائية.
وتستخدم أنايت محورا خلفيا صلبا مع نوابض ورقية، وهي تركيبة شائعة في سيارات البيك أب المخصصة للعمل وتحمل الأوزان، مع ارتفاع عن الأرض يبلغ 219 مليمترا وسرعة قصوى معلنة تبلغ 170 كيلومترا في الساعة.
ويبلغ استهلاك الوقود الرسمي 10.5 لترات لكل 100 كيلومتر، وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون 235 غراما لكل كيلومتر وفق WLTP.
قلب ياباني وتقنيات عالمية
ربما تكون منظومة الحركة أكثر ما يعكس الطبيعة “متعددة الجنسيات” للمشروع، فالسيارتان ترتبطان بهندسة نيسان، لكن غالوبر لم تعتمد محركات نيسان المستخدمة في النسخ الأصلية، واختارت محركا توربينيا بسعة لترين من ميتسوبيشي.
وينتقل العزم عبر ناقل حركة أوتوماتيكي من 8 سرعات من (ZF)، في حين تأتي تقنية الدفع الرباعي من (BorgWarner).
وهكذا تتكرر بصورة حديثة فكرة صاحبت غالوبر منذ بداياتها؛ فالعلامة القديمة أيضًا لم تطور سيارة دفع رباعي من الصفر، وإنما اعتمدت على مكونات وتصميمات أثبتت وجودها لدى شركات أخرى. لكن الفارق هذه المرة أن الصين أصبحت مركز التجميع الذي يربط تلك المكونات معا.

صنعت في الصين.. وقد تجمع في إسبانيا
تتولى شركة (Anhui Coronet) تصنيع السيارات في الصين بالتعاون مع (Zhengzhou Nissan)، المشروع المشترك الذي يجمع دونغفنغ ونيسان.
وستصل السيارات في المرحلة الأولى إلى السوق الإسبانية مكتملة التصنيع من الصين. لكن غالوبر تدرس على المدى المتوسط إمكانية تنفيذ عمليات تجميع من نوع (SKD) في إسبانيا إذا حققت المبيعات حجما يبرر ذلك.
وتشير تقارير إسبانية إلى إمكانية ارتباط هذه الخطوة بمنظومة التصنيع التابعة لـ(Coronet) في مدينة ليناريس الإسبانية، لكن الأمر لا يزال قيد الدراسة وليس مشروعًا محدد الموعد.
ويمثل ذلك اتجاها متناميا في أوروبا، إذ تلجأ علامات جديدة أو عائدة إلى منصات وتقنيات صينية لخفض تكاليف التطوير، ثم تضيف إليها هوية وتسويقا وتصنيعا جزئيا محليا.
شبكة تتوسع سريعًا
لا تبدو غالوبر وكأنها تختبر السوق بعدد محدود من السيارات فقط. فالموقع الرسمي للعلامة يعرض حاليًا شبكة تضم 44 نقطة بيع موزعة على 13 منطقة في إسبانيا، إلى جانب وجود في أندورا، مع حديث عن التوسع إلى أسواق أخرى.
وهذا الرقم أعلى من الخطط الأولية التي تحدثت عن بدء النشاط بما بين 30 و35 موزعا ثم رفع العدد لاحقا إلى نحو 60 نقطة بيع.
كما رصدت بيانات السوق الإسبانية تسجيل وحدتين من غالوبر بالفعل خلال يوليو/تموز الماضي، في خطوة تبدو تمهيدية قبل الإطلاق التجاري الأوسع. وتستهدف الشركة بدء المبيعات الفعلية خلال أكتوبر/تشرين الأول 2026.
الأسعار
تختلف الأرقام المتداولة حتى الآن بين المصادر، فقد ذكر موقع كارسكوبس (Carscoops) المتخصص في السيارات أن الأسعار ستبدأ من نحو 26 ألف يورو (نحو 28 ألف دولار) للبيك أب “أنايت”، ومن نحو 39 ألف يورو (نحو 42 ألف دولار) لـ”غريدوس”.
وفي المقابل، تحدثت تقارير إسبانية سابقة عن استهداف سعر يقل عن 37 ألف يورو (نحو 40 ألف دولار) لغريدوس، بينما لم ينشر الموقع الرسمي الحالي قائمة نهائية للأسعار.
لذلك تبقى الأسعار المتداولة تقديرية إلى أن تعلن غالوبر رسميا قائمة الأسعار والتجهيزات الخاصة بكل نسخة عند بدء البيع.
هل تنجح عودة غالوبر؟
لا تراهن غالوبر على ابتكار منصة ثورية أو محرك جديد، بل على شيء أكثر بساطة: إيجاد فجوة في السوق ومحاولة ملئها.
فعدد سيارات الدفع الرباعي التقليدية المزودة بشاسيه منفصل وعلبة تخفيض وأنظمة قفل تفاضلي قد تقلص، بينما ارتفعت أسعار كثير من الطرازات الباقية.
وفي الوقت نفسه، وفرت الصناعة الصينية قواعد إنتاج جاهزة يمكن لعلامات أصغر الاعتماد عليها دون إنفاق مليارات الدولارات لتطوير سيارة جديدة بالكامل. وهذا يجعل غالوبر الجديدة سيارة يصعب اختصارها في جنسية واحدة.
الاسم والعلامة والمشروع إسبانية، والهندسة الأساسية مرتبطة بنيسان اليابانية، والإنتاج صيني، والمحرك يحمل جذور ميتسوبيشي، وناقل الحركة ألماني، ومنظومة الدفع الرباعي أمريكية.
وربما تكون هذه الخلطة نفسها أكثر ما يختصر صناعة السيارات في 2026؛ فالحدود بين “السيارة الصينية” و”اليابانية” و”الأوروبية” أصبحت أقل وضوحا، بينما باتت القدرة على جمع تقنيات جاهزة وموثوقة في منتج منخفض التكلفة نسبيا جزءًا من المنافسة الجديدة.
وبالنسبة إلى غالوبر، قد يكون السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت عادت بالسيارة نفسها التي يتذكرها جمهور التسعينيات، بل ما إذا كان الاسم القديم يستطيع فتح الطريق أمام مشروع جديد تماما.
المصدر: الجزيرة