ازدحام بنصف تريليون دولار.. هل أصبح عدد السيارات أكبر من قدرة المدن؟

يشهد العالم تحولا هائلا في قطاع التنقل، وتتزايد أعداد المركبات على الطرقات بمعدلات قياسية تفوق أحيانا معدلات النمو السكاني في العديد من المناطق، وفي عالم يتجاوز عدد سكانه 8.2 مليارات نسمة، لم تعد السيارة مجرد وسيلة انتقال، بل أصبحت مؤشرا حضاريا واقتصاديا يعكس مستوى التنمية في كل دولة.

وفي عام 2026، تظهر أرقام جديدة ومذهلة حول حجم أسطول المركبات العالمي، تكشف عن واقع مروري غير مسبوق، وتطرح تساؤلات جدية حول قدرة البنية التحتية والبيئة على استيعاب هذا النمو المتسارع، ليتجاوز إجمالي عدد المركبات المستخدمة على كوكبنا قرابة 1.6 مليار مركبة.

قصص مقترحة

list of 2 items

  • list 1 of 2فولكس فاغن تدرس خفض 4100 وظيفة إضافية في بورشه
  • list 2 of 2أسبوع السيارات.. ماكلارين تفاجئ العالم وهيونداي فينيو بتوقيع مصري

end of list

1.6 مليار مركبة على الطرق

تشير أحدث التقديرات الصادرة عن منصة (LookupAPlate) المتخصصة في البحث عن بيانات المركبات وتتبع معلومات أرقام لوحات السيارات، إلى أن إجمالي عدد المركبات يبلغ نحو 1.546 مليار مركبة (تشمل السيارات الخاصة والدراجات النارية والحافلات والمركبات التجارية)، منها 1.19 مليار سيارة ركاب.

أما المدونة الرسمية لوكالة سيارات أمريكية فقد قدرت العدد بحوالي 1.6 مليار سيارة، مع إنتاج سنوي يقارب 80 مليون سيارة جديدة.

وشهد قطاع السيارات العالمي انتعاشا قويا، وتؤكد بيانات المنظمة الدولية لمصنعي السيارات (OICA) أن عام 2025 سجل إنتاج 96.4 مليون مركبة على مستوى العالم، مع توقعات باستمرار منحنى النمو خلال عام 2026. وسجلت السوق العالمية مبيعات قاربت 100 مليون وحدة، متجاوزة بفارق كبير مستويات ما قبل الجائحة (92.1 مليون في 2019).

YANGON, BURMA - DECEMBER 27: Traffic jam in downtown Yangon on December 27, 2025 in Yangon, Burma. Myanmar is holding a multi-phase general election beginning on December 28, 2025, and continuing into January 2026 under the military administration, which has presented the vote as a step toward restoring civilian rule following the 2021 military coup and subsequent conflict. (Photo by Sirachai Arunrugstichai/Getty Images)
قارة آسيا ومنطقة أوقيانوسيا تستحوذان على النصيب الأكبر من أسطول السيارات العالمي (غيتي)

آسيا تتصدر المشهد

يكشف التوزيع القاري للمركبات عن مفارقة لافتة، إذ تستحوذ قارة آسيا ومنطقة أوقيانوسيا على النصيب الأكبر من أسطول السيارات العالمي متصدرة كافة القارات بنحو 676.2 مليون مركبة، وهو ما يمثل 40% من الإجمالي العالمي.

إعلان

وتأتي قارة أوروبا في المرتبة الثانية باحتضانها 459.1 مليون مركبة بنسبة بلغت 28%، تليها أمريكا الشمالية بـ386.3 مليون مركبة وتشكل 23% من الأسطول الدولي، وفقا لتحليلات بيانات منظمة (OICA) الصادرة عن مؤسسة Hedges & Company.

وفي المقابل، تتوزع النسب المتبقية بحصص أقل حجما، إذ تسجل أمريكا الجنوبية 88.9 مليون مركبة بنسبة 5.2%، في حين يبلغ أسطول منطقة الشرق الأوسط نحو 66.6 مليون مركبة ليشكل 3.9% من إجمالي مركبات العالم.

وعلى مستوى الدول، تتصدر الصين القائمة العالمية كأكبر سوق وأعلى تجميع للمركبات بحصة بلغت نحو 300 مليون سيارة (ما يعادل 21.4% من الإجمالي العالمي)، تليها الولايات المتحدة الأمريكية بفارق ضئيل حيث تسجل 294 مليون مركبة مسجلة وبنسبة تصل إلى 21%.

أزمة البنية التحتية

مع هذا التدفق الهائل للمركبات، تواجه البنية التحتية العالمية ضغوطا غير مسبوقة، إذ تؤكد تقارير مؤسسة (Oliver Wyman) أن الازدحام المروري تحول إلى نزيف اقتصادي حقيقي يكبّد الاقتصاد العالمي أكثر من 500 مليار دولار سنويا.

ويتجسد هذا الأثر بوضوح في خسائر الوقت والإنتاجية، حيث يفقد سكان المدن الكبرى أكثر من 100 ساعة سنويا عالقين في الاختناقات المرورية، وهو ما يعادل أكثر من أسبوعي عمل كاملين لكل فرد. وعلى الصعيد المالي، تتكبد مدن الهند الكبرى خسائر تناهز 22 مليار دولار سنويا، بينما تسجل مدينة نيويورك فقدان ما يقارب 8000 دولار سنويا لكل مركبة بسبب تراجع الإنتاجية الناجم عن تكدس الطرق.

ولمواجهة هذه التحديات المتصاعدة، تجاوزت قيمة مشاريع الطرق قيد التنفيذ عالميا حاجز 3.9 تريليونات دولار في الربع الأول من عام 2026، مع توقعات بنمو سوق بناء الطرق والجسور من 904.47 مليارات دولار في عام 2025 إلى 947.69 مليار دولار في عام 2026، محققا معدل نمو سنوي بنسبة 4.8%.

ومع ذلك، تحذر التقارير المتخصصة من أن التوسع الإنشائي وحده لم يعد كافيًا لاحتواء الأزمة، نظرا لأن النمو السكاني والتزايد المستمر في أعداد المركبات الخاصة يتجاوزان بكثير القدرة الاستيعابية للطرق، مما يفرض على الحكومات وصناع القرار تبني إستراتيجيات جذرية لإدارة الازدحام تعتمد على آليات ذكية تشمل أنظمة الرسوم المرورية ورسوم المواقف المتطورة.

Electric buses move through dense traffic alongside other vehicles and scooters in New Delhi, India, Tuesday, July 14, 2026. (AP Photo/Manish Swarup)
حركة مرور كثيفة في نيودلهي بالهند (أسوشيتد برس)

السيارات الكهربائية تغير المعادلة

يشهد قطاع السيارات تحولا جذريا نحو الطاقة النظيفة، وسط تسارع متزايد في معدلات التحول الكهربائي عالميا. ووفقا لتقرير (Global EV Outlook) الصادر عن وكالة الطاقة الدولية (IEA)، فقد تجاوزت مبيعات السيارات الكهربائية العالمية حاجز 20 مليون وحدة خلال عام 2025، محققة زيادة بنسبة 20% مقارنة بالعام السابق، لتصبح بذلك سيارة واحدة من بين كل 4 سيارات جديدة مبيعة على مستوى العالم تعمل بالكهرباء.

ويعكس هذا الانتشار السريع أثرا ملموسا على خفض الاعتماد على الوقود التقليدي، حيث يسهم الأسطول الكهربائي الحالي في خفض الاستهلاك العالمي للنفط بما يعادل 1.2 مليون برميل يوميا. ومن المتوقع أن يواصل هذا المسار صعوده ليرتفع إجمالي الأسطول الكهربائي قيد التشغيل -شامل الحافلات والشاحنات- إلى 116 مليون وحدة بنهاية عام 2026.

إعلان

وفي مقابل هذا النمو المتسارع، يطرح خبراء الصناعة محاذير تتصل بحدود الاعتماد الكلي على هذا التحول، إذ يشير معهد (Transportation Energy Institute) إلى أن استبدال التكنولوجيا وحدها لأسطول عالمي يتجاوز 1.5 مليار مركبة لن يكون كافيا لتحقيق الأهداف البيئية، دون معالجة موازية لانبعاثات أسطول محركات الاحتراق الداخلي القائم.

في عام 2026، يقف العالم أمام مفترق طرق: 1.6 مليار مركبة تجوب الطرق، و100 مليون سيارة جديدة تضاف سنويا، و500 مليار دولار تفقد بسبب الازدحام. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل هي دعوة عاجلة لإعادة التفكير في نموذج التنقل العالمي.

فبين التحول الكهربائي، والقيادة الذاتية، والاستثمارات الضخمة في البنية التحتية، يبدو أن مستقبل النقل لن يقاس بعدد السيارات، بل بمدى ذكاء إدارتها واستدامتها.

 

المصدر: الجزيرة