بطيخ مرّ وموز ببذور.. هل نأكل الفواكه والخضراوات نفسها التي عرفها أجدادنا؟

حين نمر أمام قسم الخضروات والفواكه في المتاجر، تبدو الطماطم الحمراء المستديرة، والجزر البرتقالي، والموز الخالي من البذور، والبرتقال الحلو منتجات طبيعية وُجدت بهذه الهيئة منذ البداية. لكن رحلة هذه الأطعمة تكشف قصة مختلفة، فما نأكله اليوم ليس، في معظم الحالات، نسخة مطابقة مما عرفه البشر قبل آلاف السنين، بل نتيجة رحلة طويلة من الانتقاء والتهجين والزراعة.

فعلى امتداد أجيال متعاقبة، احتفظ المزارعون ببذور النباتات الأكبر حجما والأحلى مذاقا والأقل مرارة والأوفر محصولا، وأعادوا زراعتها. ومع تكرار العملية، تغيّر شكل النبات وثمرته وتركيبهما تدريجيا، حتى أصبحت بعض المحاصيل الحديثة مختلفة بصورة لافتة عن أسلافها البرية.

قصص مقترحة

list of 2 items

  • list 1 of 2بريطانيا تحذر مواطنيها: استعدوا لـ72 ساعة بلا خدمات
  • list 2 of 2إيلي صعب و”إتش آند إم”.. شراكة تفتح ملف المقاطعة

end of list

كيف غيّر الإنسان طعامه قبل ظهور المختبرات؟

بدأ استئناس معظم المحاصيل الأساسية قبل 3 آلاف إلى 10 آلاف عام، حين كان المزارعون يحتفظون ببذور النباتات الأكبر والألذ والأقل مرارة لإعادة زراعتها. ومع تكرار الانتقاء عبر الأجيال، ظهرت محاصيل أكبر وأسهل حصادا، قبل ظهور الهندسة الوراثية الحديثة بآلاف السنين.

البرتقال.. ثمرة لها أكثر من أصل

لم يوجد البرتقال الحلو الذي نأكله اليوم في الطبيعة بصورته الحالية، بل تشكّل عبر تاريخ طويل ومعقد من التهجين بين سلالات مختلفة من الحمضيات. فقد كشفت الدراسات الجينية أنه يحمل مزيجا وراثيا من اليوسفي والبوملي، لكن دراسة نشرتها دورية “نيتشر جينيتكس” عام 2025 قدمت تفسيرا أكثر دقة، مرجحة نشأته من تهجين قديم بين البرتقال المر واليوسفي، في حين يجمع البرتقال المر نفسه أصولا وراثية من اليوسفي والبوملي. ودعم الباحثون هذا التصور بتجارب تهجين اصطناعي.

وتتشابه قصة الليمون والجريب فروت وكثير من الحمضيات الحديثة، التي ظهرت نتيجة عمليات تهجين متكررة. ولأن زراعة بذور البرتقال لا تضمن الاحتفاظ بصفات الثمرة الأصلية، يلجأ المزارعون إلى تطعيم أغصان الأشجار المرغوبة على أصول شجرية أخرى، حفاظا على خصائص الصنف نفسه..

الموز.. ثمرة مليئة بالبذور

يختلف الموز البري كثيرا عن الموز المعروف اليوم، فثماره مليئة ببذور سوداء كبيرة وصلبة، ولا تحتوي إلا على كمية قليلة من اللب الصالح للأكل.

إعلان

لكن البشر اختاروا، عبر أجيال متعاقبة، نباتات تجمع بين انخفاض الخصوبة والقدرة على إنتاج الثمار من دون إخصاب، في ظاهرة تُعرف باسم “الإثمار العذري”. وهكذا ظهر تدريجيا الموز الطري الخالي عمليا من البذور الصلبة. وتشير الدراسات الجينية إلى أن معظم الأصناف المزروعة تنحدر أساسا من نوعين بريين، هما “موز أكوميناتا” و”موز بالبيسيانا”، وأن كثيرا من أصناف المائدة الحديثة تمتلك 3 مجموعات من الكروموسومات، وهو ما يفسر عقمها.

غير أن سهولة تناول الموز جاءت مقابل ثمن، فالأصناف العقيمة لا تتكاثر بالبذور، بل تُستنسخ من الفسائل أو بزراعة الأنسجة. ونتيجة لذلك، أصبحت نباتات الصنف الواحد شديدة التشابه وراثيا، ما يجعل المرض القادر على إصابة إحداها تهديدا لبقية المحصول.

البطيخ.. فقد مرارته واكتسب لونه الأحمر

ترتبط صورة البطيخ الحديث بلُب أحمر كثير العصارة وحلو المذاق، لكن عائلته البرية ليست جميعها حلوة أو حمراء، فبعضها مر المذاق، فاتح لون اللُب، ويحتوي على بذور أكثر ولُب أقل.

وتكشف الدراسات الجينية أن استئناس البطيخ ركز على زيادة حجم الثمرة وحلاوتها، وتغيير لون لُبها، والتخلص من مذاقها المر. فبينما تنتج الأنواع البرية مركبات دفاعية تمنح الثمار مرارتها، أدى الانتقاء الزراعي إلى غياب هذه المركبات عن ثمار البطيخ المزروع، مع استمرار وجودها في أجزاء غير مأكولة من النبات، مثل الجذور.

استئناس البطيخ ركز على زيادة حجم الثمرة وحلاوتها، وتغيير لون لُبها، والتخلص من مذاقها المر
استئناس البطيخ ركز على زيادة حجم الثمرة وحلاوتها، وتغيير لون لُبها، والتخلص من مذاقها المر (بيكسابي)

الطماطم.. حبة تضخمت 100 مرة

تعود أصول الطماطم إلى نباتات برية في غرب أمريكا الجنوبية، قبل أن تنتقل إلى أمريكا الوسطى والمكسيك، حيث خضعت لمراحل طويلة من الاستئناس والانتقاء الزراعي.

وكانت ثمارها البرية صغيرة، لا يتجاوز وزن بعضها بضعة غرامات، وتحتوي غالبا على حجرتين للبذور. لكن اختيار الثمار الأكبر جيلا بعد جيل أنتج أصنافا حديثة متعددة الحجرات، قد يصل وزن بعضها إلى نحو كيلوغرام، وتفوق أسلافها البرية حجما بعشرات المرات، وفي بعض المقارنات بأكثر من 100 مرة.

ولم يقتصر التغيير على الحجم، بل شمل الشكل واللون وصلابة القشرة وموعد النضج والقدرة على مقاومة الأمراض وتحمل التخزين. غير أن التركيز على وفرة الإنتاج وسهولة النقل وإطالة مدة الصلاحية جاء أحيانا على حساب النكهة والرائحة.

التفاح.. ثمرة سافرت على طريق الحرير

يعود الأصل الرئيسي للتفاح المزروع إلى التفاح البري (Malus sieversii) في آسيا الوسطى، لا سيما المنطقة المحيطة بجبال تيان شان في كازاخستان. لكن التفاح الحديث ليس مجرد نسخة أكبر منه.

فمع انتقال الثمار والبذور غربا وشرقا على طرق التجارة القديمة، تهجنت الأشجار مع أنواع تفاح برية أخرى، بينها التفاح البري الأوروبي. وأظهرت تحليلات جينومية أن رحلة التفاح على طريق الحرير كانت أيضا رحلة تهجين، إذ اكتسبت الأصناف صفات من مجموعات برية متعددة، ثم حافظ البشر على الأشجار المميزة عن طريق التطعيم.

وكانت الثمار البرية شديدة التنوع: بعضها صغير أو حامض أو قابض، وبعضها حلو نسبيا وكبير. لذا لا توجد صورة واحدة تصلح لتمثيل “التفاحة الأولى”، بل مجموعة واسعة من الأسلاف والسلالات.

التفاح الحديث ينحدر من أسلاف برية في آسيا الوسطى، لكنه اكتسب تنوعه الحالي عبر رحلة طويلة من التهجين
التفاح الحديث ينحدر من أسلاف برية في آسيا الوسطى، لكنه اكتسب تنوعه الحالي عبر رحلة طويلة من التهجين (شترستوك)

الخيار.. أقل مرارة وأكبر حجما

تشير الأبحاث إلى أن الخيار استؤنس في الهند قبل نحو 3 آلاف عام من قريب بري أصغر حجما وأكثر مرارة. ومع الانتقاء، اختيرت النباتات ذات الثمار الأطول والأكثر امتلاء والأقل احتواء على مركبات “الكوكوربيتاسين” المسؤولة عن المرارة في كثير من القرعيات.

إعلان

لكن جينات المرارة لم تختف بالضرورة تماما، ولذلك قد تنتج بعض نباتات الخيار ثمارا مُرة عند تعرضها لضغوط بيئية أو بسبب خصائص الصنف.

الباذنجان.. من ثمار صغيرة مُرة إلى أشكال متعددة

يُرجح أن الباذنجان المزروع ينحدر من نوع بري آسيوي يُعرف باسم “سولانوم إنسانوم” (Solanum incanum)، كان أكثر امتلاء بالأشواك، ويحمل ثمارا أصغر وأكثر مرارة. ومع تكرار الانتقاء الزراعي، اختار البشر النباتات الأقل شوكا وذات الثمار الأكبر والأفضل مذاقا.

وأدى هذا التطور إلى ظهور أصناف متعددة، فلم يعد الباذنجان مقتصرا على الشكل البنفسجي الطويل، بل أصبح منه الأبيض والأخضر والمخطط، والمستدير والطويل. ولا يزال العلماء يدرسون تاريخه الدقيق، لكن الأدلة تشير إلى مروره بمراحل متعددة من الاستئناس والتحسين في شبه القارة الهندية والصين وجنوب شرقي آسيا.

مع تكرار الانتقاء الزراعي، اختار البشر الباذنجان الأقل شوكا وذا الثمار الأكبر والأفضل مذاقا
مع تكرار الانتقاء الزراعي، اختار البشر الباذنجان الأقل شوكا وذا الثمار الأكبر والأفضل مذاقا (ماغنيفيك)

الكيوي.. تحول حديث جدا

ليست كل قصص الاستئناس موغلة في القدم. فالكيوي التجاري مثال على فاكهة حديثة العهد بالتحسين المكثف، إذ بدأت عملية استئناسها الواسعة في أوائل القرن العشرين، بعد نقل بذورها من الصين إلى نيوزيلندا. وخلال عقود، اختار المزارعون ثمارا أكبر وأفضل مذاقا وأكثر ملاءمة للتسويق، حتى ظهرت الصناعة العالمية المعروفة حاليا.

هل أصبحت الفواكه والخضروات أحلى؟

في كثير من الحالات، نعم. فالإنسان ينجذب فطريا إلى الحلاوة وينفر من المرارة التي قد تشير، في الطبيعة، إلى وجود مركبات دفاعية أو سامة. لذلك اختيرت عبر الزمن ثمار تحتوي على سكريات أكثر أو أحماض ومواد مرة أقل.

هل أصبحت أقل فائدة غذائية؟

حين اختار الإنسان الثمار الأكبر حجما والأسرع نموا والأكثر إنتاجا، لم تزد جميع مكوناتها بالمعدل نفسه. ففي بعض الحالات، ارتفعت نسبة الماء أو النشا واتسع حجم الثمرة، بينما لم تواكبها بعض المعادن والمركبات النباتية بالقدر ذاته، فتراجعت كثافتها في كل 100 غرام. وتُعرف هذه الظاهرة باسم “تأثير التخفيف” (Dilution effect).

لكن الزراعة ليست المتهم الوحيد، فالقيمة الغذائية تتأثر أيضا بنوعية التربة والأسمدة والري وموعد الحصاد وظروف التخزين، وحتى بارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. وبالفعل، رصدت مراجعات علمية انخفاض تركيز بعض المغذيات في عدد من المحاصيل، لكن هذا التراجع لا يحدث بالمعدل نفسه، ولا يشمل جميع النباتات أو العناصر الغذائية.

بينما لم يكن الاستئناس رحلة من الخسائر فقط، بل منح بعض النباتات مزايا غذائية وعملية جديدة. فالجزر البرتقالي، مثلا، غني بالكاروتينات، كما أن اختيار ثمار أقل مرارة جعل الخضروات أكثر استساغة وأسهل تناولا، ورفع إنتاجية المحاصيل أسهم في توفير الغذاء لأعداد أكبر من البشر.

لا يمكن اختصار الحكاية في القول إن النبات البري كان أفضل دائما، فقد يكون أغنى بمركب معين، لكنه قد يكون أيضا أصغر حجما، وأشد مرارة، وأصعب هضما، أو محمّلا بمركبات دفاعية غير مرغوبة. وبعبارة أخرى، كسبت النباتات المزروعة الحجم والطعم وسهولة الأكل، وربما خسرت في المقابل شيئا من كثافة بعض المغذيات.

وحين نسأل: هل نأكل اليوم ما أكله أجدادنا؟ تكون الإجابة الأدق: نحن نأكل أحفاد تلك النباتات، بعدما أعاد الإنسان على مدى آلاف السنين تشكيل مذاقها وحجمها ولونها، بل وحتى طريقة تكاثرها.

 

المصدر: الجزيرة