على حافة حرب جديدة.. ماذا يجري في إثيوبيا؟

تتصاعد المخاوف من اندلاع حرب شاملة في إثيوبيا، مع تجدد النزاع الداخلي المسلح واتساع رقعة الاضطرابات، عقب إعلان حكومة إقليم تيغراي -صباح الأربعاء- خوض “حرب دفاعية ” ضد القوات الفدرالية.

وقالت الحكومة المركزية في أديس أبابا إن قوات جبهة تحرير شعب تيغراي هاجمت منشآت ومرافق رسمية، وسيطرت على مطارات إستراتيجية في الإقليم، أبرزها مطار ميكيلي، في حين يتوسع نطاق الاشتباكات ليشمل إقليمي عفر وأمهرة.

قصص مقترحة

list of 2 items

  • list 1 of 2انقلاب التحالفات.. تقارب إريتريا وتيغراي ينذر بحرب إقليمية طاحنة
  • list 2 of 2“فانو” وأخواتها.. ماذا يريد التحالف السباعي في إثيوبيا؟

end of list

ويأتي التصعيد عقب أيام قليلة من إعلان تحالف يضم جبهة تحرير شعب تيغراي المناوئة لحكومة أديس أبابا، إضافة إلى 6 مجموعات مسلحة أخرى تعمل في تيغراي والأقاليم المجاورة، بهدف الإطاحة بحكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد.

وتتهم سلطات أديس أبابا منذ أشهر الجبهة بالتقارب مع مجموعات مسلحة عدة تنشط في أقاليم أخرى، وكذلك مع إريتريا المجاورة.

وشهدت البلاد حربا دامية من عام 2020 إلى عام 2022 بين القوات الفدرالية ومتمردي جبهة تحرير شعب تيغراي، أودت بحياة 600 ألف شخص على الأقل، بحسب الاتحاد الأفريقي. وانتهت الحرب بتوقيع اتفاق سلام في نوفمبر/تشرين الثاني 2022.

Members of the Tigray People's Liberation Front (TPLF) walk along a main road in Mekelle on September 23, 2026, as tensions intensify in northern Ethiopia after Tigrayan rebels seized control of airports in the region.
أفراد من جبهة تحرير تيغراي يسيرون على طريق رئيسي في مدينة ميكيلي (الفرنسية)

عودة القتال.. ماذا جرى؟

نقلت وكالة رويترز عن مسؤول إثيوبي كبير قوله إن قوات من إقليم تيغراي بشمال إثيوبيا شنت هجوما واسع النطاق على الحكومة الفدرالية صباح الأربعاء، مما أثار مخاوف من انهيار اتفاق سلام مُبرم منذ نحو أربع سنوات.

في حين قال غيتاشو رضا -مستشار رئيس وزراء إثيوبيا- إن مقاتلي تيغراي شنوا هجوما على مواقع تابعة للحكومة الفدرالية في منطقتي عفار وأمهرة، وسيطروا على المطارات في تيغراي.

وأعلنت الخطوط الجوية الإثيوبية -وهي الوحيدة التي تسيّر رحلات داخلية في إثيوبيا- تعليق رحلاتها إلى ‌‌ميكيلي وأكسوم وشاير في منطقة تيغراي.

إعلان

من جهتها، قالت حكومة إقليم تيغراي في بيان -الأربعاء- إن مقاتليها يخوضون “حربا دفاعية” ضد قوات الحكومة الفدرالية. وأضافت أن الحكومة “شنت غزوا وهجوما علنيا ضدنا”.

وتابعت “بناء على ذلك، فقد صدرت الأوامر لجيشنا بالتصدي لهذا الغزو”، الذي وصفته بأنه “غزو إبادي”.

ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية أن قوات تيغراي تخوض مواجهات مع الجيش الفدرالي منذ الليلة الماضية في أبالا وإيربتي، وهما بلدتان في عفر قريبتان من الحدود مع تيغراي.

كما نقلت عن مسؤول بارز سابق في جبهة تحرير شعب تيغراي أن قوات الإقليم سيطرت على مناطق عدة في عفر، في مقدمتها أبالا وإيربتي وأخرى مجاورة لهما، مشيرا إلى أن “قوات الدفاع الوطني الإثيوبية تتراجع بسرعة”.

وتوتر الوضع مجددا بين الطرفين خلال الأشهر الأخيرة، إذ باتت الجبهة محظورة في إثيوبيا منذ عام 2025، وتتهمها سلطات أديس أبابا بحكم إقليم تيغراي بصورة غير شرعية.

وسبق أن اندلعت معارك بين قوات تيغراي والقوات الفدرالية في مطلع السنة الجارية، بينما يحشد الطرفان قواتهما على جانبي الحدود. كذلك استهدفت الطائرات المسيّرة الإثيوبية قوات تيغراي نحو عشر مرات منذ مطلع أغسطس/آب الماضي.

تحالف خصوم الأمس

وجاءت هذه التطورات عقب إعلان 7 حركات مسلحة مناوئة لرئيس الحكومة الإثيوبية آبي أحمد -الأحد الماضي- الانخراط معا في “تحالف القوى الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء” بهدف “إسقاط الحكومة” في أديس أبابا.

ويُنظر إلى التحالف باعتباره تطورا لافتا في الصراع، إذ يجمع للمرة الأولى جماعات كانت في معسكرات متعارضة خلال الحرب السابقة، كما أنه يتشكل من مجموعة متنوعة عرقيا من الجماعات المنتشرة في أنحاء البلاد، من تيغراي في الشمال إلى منطقة الصومال في الجنوب.

وسبق أن ناصبت هذه الجماعات المتحالفة حديثا بعضها بعضا العداء، إذ خاضت الحرب الأهلية التي اندلعت بين عامي 2020 و2022 في صفوف متعارضة.

ويضم التحالف الجديد كلا من:

  • الحركة الوطنية لفانو في أمهرة.
  • جيش تحرير أورومو.
  • جبهة تحرير شعب تيغراي.
  • جبهة تحرير أوغادين الوطنية.
  • الجبهة الديمقراطية الثورية الموحدة في منطقة عفر.
  • حركة تحرير شعب بني شنقول.
  • الحركة الديمقراطية لشعب جوموز.

وخاضت فانو -وهي تحالف يضم جماعات مسلحة من منطقة أمهرة- قتالا إلى ⁠⁠جانب الحكومة الفدرالية ضد الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي خلال حرب عام 2020، ثم انتفضت ضد الحكومة الفدرالية في صراع أودى بحياة الآلاف في أمهرة منذ ⁠⁠عام 2023.

واتهمت جماعات عدة الحكومة بتركيز السلطة بين يديها وتهميش الأقاليم. وتقول الحكومة إنها أطلقت حوارا وطنيا يهدف ⁠⁠إلى معالجة الانقسامات السياسية والصراعات الداخلية التي طال أمدها.

Oromo Liberation Army (OLA) fighters walk single file carrying rifles in Oromia, Ethiopia, June 2, 2025. (AP Photo)
مقاتلون من “جيش تحرير أورومو” يسيرون حاملين بنادقهم في منطقة أوروميا بإثيوبيا (أسوشيتد برس-أرشيف)

بؤر الصراع في إثيوبيا

وتُعَد الحكومة الفدرالية في إثيوبيا مركز الثقل السياسي، حيث تدير مؤسسات الدولة الرئيسية، بينما تتداخل في أقاليم عدة سلطة المركز مع عدد من الإدارات المحلية وقوى مسلحة.

وتتوزع البلاد على 12 ولاية إقليمية ومدينتين ذواتي إدارة خاصة هما أديس أبابا ودري داوا، وكل منهما منظمة إلى حد بعيد حول مجموعة إثنية مهيمنة، في نظام فدرالي إثني أُرسي عام 1992 وكرسه دستور عام 1994.

إعلان

وتضم إثيوبيا أكثر من 80 مجموعة إثنية، أكبرها الأورومو (نحو 35% من السكان) ثم الأمهرة (نحو 24%) فالصوماليون (نحو 7%) والتيغراي (نحو 6%) والسيداما (نحو 4%).

وقد سجل مشروع “أكليد” لتتبع النزاعات المسلحة أكثر من 7400 هجوم في عموم البلاد بين 1 يناير/كانون الثاني 2022 و15 مايو/أيار الماضي.

وتصدر إقليم أمهرة القائمة بـ3719 هجوما، أي أكثر من نصف المجموع، تلاه أوروميا بـ2735 هجوما، ثم تيغراي بـ262 هجوما، وغامبيلا في غرب البلاد بـ144 هجوما.

خريطة القوميات في إثيوبيا
خريطة القوميات في إثيوبيا (الجزيرة)

عسكريا.. ماذا تعني السيطرة على مطارات تيغراي؟

يقول الخبير العسكري والإستراتيجي العميد حسن جوني إن سيطرة قوات تيغراي على مطار ميكيلي تمثل تطورا لافتا في الصراع مع الحكومة الفدرالية، كما أنه يحمل دلالات خطيرة، مشيرا إلى البعد السيادي، إذ تعكس -في قراءته- رفض سلطة الحكومة الفدرالية على الإقليم، بالنظر إلى أن المطارات تشكل عنوانا سياديا للدولة.

ويشير جوني للجزيرة إلى أن الأهمية العسكرية للمطار ترتبط أساسا بحرمان القوات الفدرالية من منشأة إستراتيجية، في حين تظل قدرة قوات تيغراي على تشغيل المطار واستخدامه عسكريا محدودة بسبب افتقارها إلى سلاح جو وقدرات جوية تمكنها من استثمار هذا الموقع على نحو واسع.

وبشأن التحالف الذي يضم سبع حركات مسلحة، يلفت جوني إلى أن تماسكه وقدرته العسكرية ما زالا عاملين غير محسومين، لكن اجتماع هذه الحركات حول هدف سياسي مشترك -يتمثل في مواجهة حكومة آبي أحمد- يضيف بعدا جديدا إلى الصراع ويزيد الضغوط على القوات الفدرالية.

إلى أين يتجه التصعيد؟

وفي تعليقه على الأحداث، يشدد مدير مشروع القرن الأفريقي في مجموعة الأزمات الدولية آلان بوسويل على أن اتفاق السلام في إثيوبيا انهار عمليا، محذرا من أن البلاد تقترب من اندلاع حرب شاملة.

وأوضح بوسويل أن التصعيد يشهد تزايدا في هجمات الطائرات المسيّرة وتحركات جبهة تحرير تيغراي بالتنسيق مع جماعات مسلحة أخرى، ولا سيما في المناطق الحدودية بين تيغراي وأمهرة.

ويحذر دبلوماسيون ومحللون إقليميون منذ أشهر من أن استئناف القتال في تيغراي قد يتصاعد سريعا، ويتحول إلى حرب أوسع نطاقا، تتداخل مع المواجهات الدائرة في السودان المجاور، وتفاقم اضطراب منطقة البحر الأحمر.

وخلال حرب تيغراي بين عامي 2020 و2022، دعمت إريتريا -جارة إثيوبيا وخصمها التاريخي- الحكومة الإثيوبية عسكريا ضد الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، لكن العلاقات بين البلدين تدهورت منذ ذلك الحين.

وعقب الإعلان عن التحالف السباعي، نقلت رويترز عن بيلين سيوم المتحدثة باسم آبي أحمد -الاثنين- أن أعضاء التحالف كانوا يتعاونون منذ فترة بدعم مالي من إريتريا. في المقابل، نفت أسمرة مرارا الاتهامات بدعمها لجماعات مسلحة إثيوبية.

وفي هذا السياق، حذر الخبير في شؤون المنطقة شيتيل ترونفول -في تصريحات للوكالة الفرنسية- من أن جبهة تحرير تيغراي “تجاوزت خط اللاعودة”، مضيفا “لا أرى أي مؤشر على خفض التصعيد”.

وتوقع ترونفول أن “ترد الحكومة المركزية بالتأكيد” على سيطرة قوات تيغراي على المطارات الثلاثة عبر “تكثيف الغارات الجوية”.

 

المصدر: الجزيرة