سواء اجتزت اختبار القيادة للتو وأمسكت بعجلة القيادة للمرة الأولى، أو كنت سائقا متمرسا تحزم أمتعتك على الطرق منذ عقود طويلة، فإن مهارات القيادة تظل دائما بحاجة إلى صقل وتطوير مستمرين.
فالطريق مليء بالمفاجآت والمواقف الباعثة على التوتر، بدءا من التعامل مع غضب السائقين الآخرين والاختناقات المرورية، وصولا إلى محاولات الاصطفاف في المساحات الضيقة أو التعامل مع سيارات الإيجار الجديدة.
قصص مقترحة
list of 2 items
end of list
في هذا التقرير، نستعرض مع خبراء ومدربي القيادة أهم النصائح العملية التي تكسبك مزيدا من الثقة، وتجعلك سائقا قادرا على تفادي الأخطار في أصعب ظروف الطريق.
ثانية واحدة قد تغير حياتك
يقول عصام الشرفة، مدير التدريب والتطوير في “الأكاديمية المتحدة لتعليم السياقة” بالدوحة، إن السيطرة على النفس واتباع بروتوكولات السلامة المرورية يمثلان الخط الفاصل بين السلامة والوقوع في الحوادث المأساوية، مشددا على أن “ثانية واحدة من التشتت” كفيلة بتغيير حياة السائق كليا.
وفي حديثه للجزيرة نت تناول الشرفة أبرز التحديات التي تواجه السائقين على الطرق، وفي مقدمتها التعامل مع السائقين المستفزين، حيث أوضح أن استفزازات الطريق ترفع معدلات التوتر والضغط النفسي لدى السائق، مما يؤدي تلقائيا إلى بطء الردود وزيادة زمن الاستجابة للأخطار.
ودعا إلى تجنب الانجرار وراء المتهورين أو الدخول في ملاحقات وسباقات، مؤكدا أن التصرف الأمثل يتلخص في: السيطرة على الأعصاب، وترك مسافة أمان كافية مع المركبة المستفزة لتفادي الاصطدام.

التوتر في الازدحام المروري
وفيما يتعلق بالتعامل مع الاختناقات المرورية وضغوط التأخر عن المواعيد، أوضح الشرفة أن التوتر الناجم عن الزحام يدفع السائقين غالبا إلى اتخاذ قرارات متسرعة تضاعف الأخطار. ولتفادي ذلك، نصح بالاعتماد المسبق على تطبيقات الملاحة الذكية لتحديد الطرق البديلة والأقل ازدحاما قبل الانطلاق أو أثناء السير.
وشدد على أن مفتاح السلامة في هذه الظروف يكمن في ضبط النفس والالتزام بالتعليمات المرورية، محذرا من التصرفات الطائشة مثل التنقل المفاجئ بين المسارات والتجاوزات الخاطئة بحثا عن ثوان معدودة لا تختصر الوقت كما يعتقد البعض، بل تزيد من احتمال الاصطدام وترفع نسبة التهديد المروري على الجميع.
الهاتف المحمول.. قاتل صامت
وحذر مدير التدريب في “الأكاديمية المتحدة” من خطورة استخدام الهاتف المحمول أو الانشغال بغير الطريق أثناء القيادة، واصفا إياه بأنه “قاتل صامت”. وأوضح أن الانشغال بالهاتف لا يعني مجرد النظر إلى الشاشة، بل يجرد السائق من تركيزه الذهني والبصري في لحظات قد تكون فاصلة، إذ إن التوقف المفاجئ للمركبات الأمامية أو ظهور عائق غير متوقع يتطلب ردا في أجزاء من الثانية.
وأضاف الشرفة أن “النظر إلى إشعار أو رسالة نصية يقطع تركيز السائق لعدة ثوان، وفي هذه الثواني القليلة تقطع السيارة مسافة عشرات الأمتار دون أي رقابة حقيقية من السائق، وهو ما يكفي تماما للوقوع في حادث أليم”، ودعا إلى الامتناع التام عن استخدام الهاتف سواء للمكالمات أو الكتابة أثناء السير، والاعتماد بدلا من ذلك على خيار الركن الآمن خارج حرم الطريق في حالات الضرورة القصوى.

أخطاء شائعة في الأمطار والضباب
وعن القيادة في الظروف الجوية السيئة، لفت الشرفة إلى ضرورة ألا تتجاوز المركبة سرعة الطريق المحددة أثناء هطل الأمطار لتجنب انزلاق المركبة، مع التزام المسارات الوسطى للابتعاد عن تجمعات المياه.
أما في الضباب، فقد حذر من خطأ شائع يرتكبه معظم السائقين، وهو تشغيل أضواء التنبيه الرباعية “الفلشر” أثناء السير، مؤكدا أن هذا التصرف يفقد السائقين لغة التواصل المتبادلة (مثل إبداء الرغبة في الانعطاف أو تغيير المسار) ويسبب تشتتا لبصر السائقين في الخلف.
وشدد على الاكتفاء بأضواء الضباب والأضواء الخفيفة فقط وتجنب الضوء العالي الذي يعكسه الضباب، مع الالتزام بالمسار الأيمن والاستدلال بحافة الرصيف عند انعدام الرؤية.
الخطة الذهبية عند انفجار الإطار
وعن التعامل مع واحدة من أخطر مفاجآت الطريق وهي “انفجار الإطارات المفاجئ”، قدم الشرفة خطة عمل متسلسلة للسيطرة على المركبة وإيصالها إلى بر الأمان. وبدأ بتنبيه السائقين إلى الخطأ الأكبر والمتمثل في الضغط المفاجئ على الفرامل، موضحا أن التوقف القسري لحظة الانفجار يؤدي فورا إلى اختلال توازن السيارة وانحرافها الحاد، مما يرفع احتمال انقلابها بشكل مأساوي في السرعات العالية.
وتتماشى خطة السيطرة الصحيحة عبر خطوات متتابعة تبدأ أولا برفع القدم تدريجيا عن دواسة البنزين، وذلك للسماح بمهدئات السرعة الطبيعية واحتكاك السيارة بالهواء بتخفيف السرعة تلقائيا وبشكل آمن دون صدمة ديناميكية للهيكل. وتتزامن هذه الخطوة مع الإمساك بالمقود بكلتا اليدين بإحكام شديد، لمقاومة قوة السحب الناجمة عن الإطار المنفجر والتغلب على الميل التلقائي للمركبة نحو الانحراف عن مسارها.
وفي المرحلة الأخيرة، وبعد استعادة السائق السيطرة التامة على توجيه السيارة وانخفاض سرعتها بشكل ملحوظ، تأتي خطوة التوقف الآمن، وتتمثل في تشغيل أضواء التنبيه لتحذير السيارات القادمة من الخلف، ثم الضغط على الفرامل بخفة، والتوجه التدريجي بالمركبة نحو الجانب الأيمن من الشارع لركنها تماما خارج حرم الطريق المزدحم.

قواعد التعامل مع الحوادث
واختتم الشرفة تصريحاته بالتأكيد على السلوك القانوني والمروري الصحيح عند وقوع الحوادث، حيث نبه إلى أن التوقف المفاجئ في منتصف الشارع أو على المسارات السريعة للدخول في جدالات عقيمة حول المسؤولية بعد الحوادث البسيطة يعد تصرفا بالغ الخطورة، إذ يتسبب في عرقلة السير وإمكانية وقوع حوادث تتابع مرعبة. وأوضح أن التشريعات المرورية تعتبر هذا التصرف مخالفة صريحة توجب الغرامة المالية وتسجيل نقاط على رخصة السائق المتسبب في التعطيل.
ولضمان سلامة الجميع وتفادي العقوبات، شدد مدير التدريب على أهمية التعامل مع الحوادث البسيطة (التي تقتصر على تلفيات خفيفة في المركبات دون إصابات) بمنتهى السرعة والهدوء، حيث يبدأ الإجراء الصحيح بالتقاط صور سريعة وواضحة لمكان الحادث ووضعية السيارات من زوايا متعددة لإثبات الحالة، ثم تحريك المركبات فورا وإخراجها إلى أقرب مكان آمن أو موقف جانبي في الشارع لتسهيل حركة المرور.
وأشار الشرفة إلى أن التطور الرقمي ألغى الحاجة للانتظار الطويل لسيارات الدورية في الحوادث البسيطة، إذ يمكن للأطراف المعنية إرسال البلاغ مباشرة وبسهولة عبر تطبيق “مطراش 2” لمتابعة الإجراءات واستكمال التقرير المروري. وفي المقابل، ألمح إلى أن الحالة الوحيدة التي يحظر فيها تحريك المركبات وتتطلب البقاء في الموقع والاتصال الفوري بالشرطة والإسعاف هي وقوع إصابات بشرية أو وجود أضرار جسيمة تعطل حركة المركبة تماما أو تهدد سلامة الطريق.
الهدوء أسرع الطرق للوصول
وفي استطلاع أجرته صحيفة “الغارديان” (The Guardian) البريطانية مع نخبة من مدربي القيادة والخبراء المروريين، يقول مدرب القيادة جيوخان زلاتيف إن “السائقين دائما في عجلة من أمرهم، ويألفون مغادرة المنزل قبل موعدهم بدقيقتين للوصول في الوقت المحدد”. ويحذر من أن هذا الاندفاع يرفع احتمال القيادة بأسلوب متهور يخاطر بالسلامة.
من جانبه، يرى كيف فيلد، من مؤسسة “كونفيدنت درايفرز” (Confident Drivers)، أن تخصيص وقت إضافي يعد تحكما صعبا في ظل تسارع الحياة اليومية، قائلا: “نحن نطمح دائما للوصول إلى الوجهة قبل أن نصل إليها بالفعل”، ويطرح فيلد تساؤلا على المتدربين: “إذا كنت في أروقة الشركة، هل سترضى بالركض والمخاطرة بالاصطدام بمديرك؟ بالتأكيد لا.. لذا، من الأفضل أن تسير وأن تقود بهدوء”.
استئجار السيارات
وتستعرض مدربة القيادة فينوس أوباه بروتوكولها الخاص عند التعامل مع سيارات الإيجار وتقول: “أحرص دائما على أخذ جولة دائرية كاملة (360 درجة) حول المركبة، أفحص خلالها الأبواب، الإطارات، النوافذ، وصندوق الأمتعة، مع تسجيل كل التفاصيل بالفيديو”.
أما على الصعيد المالي، فتنبه الخبيرة دينيس روسون إلى نقطة مهمة: “لست ملزما بشراء وثيقة التأمين المباشرة من مكتب التأجير بأسعار مرتفعة، بل يمكنك الحصول على تغطية شاملة ومستقلة عبر الإنترنت بسعر أفضل، بشرط التأكد من شمولها لكافة الأخطار”.
إذا ضللت الطريق.. اتبع خطة بديلة ولا تخاطر
وترى أوباه أن المواصلة في المسار الخاطئ أفضل بكثير من ارتكاب مناورات مفاجئة للعودة، وتؤكد أن “الاستمرار في الطريق الخاطئ ثم تصحيحه لاحقا أكثر أمانا من القيادة الخطرة للوصول للشارع الصحيح”.
وينصح فيلد بالتوقف في مكان مخصص لإعادة ضبط نظام الملاحة، وتجنب ذلك أثناء الحركة. كما يشدد على أهمية التسلح بمهارة قراءة اللوحات الإرشادية أو الخرائط التقليدية، تحسبا لفقدان تغطية نظام الملاحة أو انقطاع بطاريته، إذ لا يمكن الاتكال عليه كليا.

التخلي شجاعة وليس استسلاما
يقدم زلاتيف نصيحة للركن في المدن الجديدة بقوله: “عند زيارة مدينة لا تعرفها، اختصر على نفسك الجهد واستخدم المواقف المأجورة المخصصة، فالمقابل المادي يوفر عليك الكثير من التوتر”، بينما تؤكد أوباه أنه لا حرج في الانسحاب والبحث عن مساحة أخرى، قائلة “أنا مدربة قيادة وتصرفت هكذا مرارا، فلا توجد جائزة تمنح لمن ينجح في الاصطفاف بأضيق مساحة ممكنة”.
وتحذر أوباه من الفخ الذي يقع فيه الكثيرون أثناء القيادة ليلا، قائلة: “لا تجعل خلو الشوارع من الحركة يغريك بزيادة السرعة”. وتوضح أن الهدوء الظاهري للطرقات الليلية يعطي شعورا زائفا بالأمان ويشجع على الاندفاع، وهو ما يقلل من زمن الاستجابة للمفاجآت غير المتوقعة كعابر طريق أو عائق مفاجئ.
ويركز زلاتيف على اللياقة البدنية للسائق، ويقول “عليك التأكد من أنك في حالة صحية وذهنية تسمح لك بالقيادة، فالإرهاق من أبرز مسببات الحوادث”. ويضيف ناصحا “استخدم الإضاءة بشكل صحيح، وتجنب التحديق المباشر في مصابيح السيارات القادمة لمنع إبهار البصر”. ويختتم الخبراء هذه الجزئية بالقاعدة الذهبية: “خذ وقتك.. لا عجلة ولا مخاطرة”.
تؤكد هذه النصائح أن القيادة ليست مجرد حركات ميكانيكية نتقنها لغرض اجتياز الاختبارات، بل هي منظومة سلوكية متكاملة تتطلب ثباتا انفعاليا، وحسن تقدير للظروف الطارئة. وقواعد السلامة والنصائح المرورية لا توضع لتعطيل حركتك، بل لضمان وصولك أنت ومن معك بسلام، فالطريق بيت متسع للجميع متى ما سادته الحكمة والالتزام.
المصدر: الجزيرة