هل يرحل نتنياهو ويبقى اليمين؟ قراءة في انتخابات إسرائيل

يدخل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سباق انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول وسط رقم لافت: 57% من الإسرائيليين يرون مرشحا آخر أنسب لرئاسة الحكومة، مقابل 33% فقط يرون نتنياهو الأنسب للمنصب، بحسب استطلاع للقناة 12.

وتنقل رويترز عن معظم استطلاعات الرأي توقعات بأن يفقد الليكود نحو ثلث مقاعده البرلمانية، في وقت تتسع فيه المنافسة على أصوات الناخبين المعترضين على نتنياهو.

قصص مقترحة

list of 2 items

  • list 1 of 2نهاية الشرق الأوسط القديم.. تحالفات جديدة وعالم أكثر خطورة
  • list 2 of 2الخضر البريطاني: الصهيونية شكل من العنصرية.. وإسرائيل تهاجم القرار

end of list

لكن هذه الأرقام لا تجيب وحدها عن السؤال الأهم: إذا تراجع نتنياهو، فمن يستفيد؟ وهل يعني تغيير رئيس الحكومة تغيرا في اتجاه إسرائيل السياسي، أم أن الانتخابات قد تعيد ترتيب موازين القوة من دون أن تغيّر الخريطة الأيديولوجية بالقدر نفسه؟

هل يعني انتقاد نتنياهو مغادرة اليمين؟

لا تقول الأرقام ذلك، فكثيرون من ناخبي الائتلاف ينتقدونه دون أن يغادروا معسكره.

ففي استطلاع للقناة 12 في 4 سبتمبر/أيلول، حمّل 76% ممن قالوا إنهم سيصوتون لأحزاب الائتلاف نتنياهو قدرا من المسؤولية عن الإخفاق الإسرائيلي في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، مقابل 13% فقط قالوا إنه لا يتحمل مسؤولية.

والميل إلى اليمين لا يرتبط بنتنياهو وحده. ففي “مؤشر الديمقراطية الإسرائيلي” لعام 2022، الذي جُمعت بياناته حين كان نتنياهو في المعارضة، عرّف 62% من اليهود الإسرائيليين أنفسهم يمينيين، وارتفعت النسبة إلى 73% بين من تراوحت أعمارهم بين 18 و24 عاما.

ما البدائل أمام من يريد تغيير نتنياهو؟

الناخب الذي يريد تغيير نتنياهو لا يجد أمامه خيارا واحدا يقوده إلى اليسار، بل بدائل تمتد من الوسط إلى اليمين.

غادي آيزنكوت -رئيس الأركان الأسبق- يقدم نفسه من موقع وسطي وبخلفية أمنية، بينما يقود نفتالي بينيت -القادم من اليمين القومي والديني- تحالف “بيحاد” الذي يضم أيضا يائير لبيد وحزبه “هناك مستقبل”، ويركز على الناخبين المترددين بين المعسكرين، بحسب موقع “يديعوت أحرونوت”.

إعلان

ومن جهة أخرى، يخاطب أفيغدور ليبرمان ناخبين من قاعدة الليكود بشعار “نحن الليكود القديم”، في حين يقدم حزب “الديمقراطيين” بزعامة يائير غولان نفسه بوصفه الحزب الواضح لليسار الصهيوني، وفق الموقع نفسه.

وتظهر هذه الخريطة أيضا لدى الناخبين اليهود الذين يصوتون للمرة الأولى. ففي استطلاع للقناة 12 شمل 301 ناخب بين 18 و22 عاما، عرّف 74% أنفسهم يمينيين أو من يمين الوسط، لكن أصواتهم لم تتجه كلها إلى الليكود، إذ حصل حزب “يشار” الذي يقوده آيزنكوت على 16%، والليكود على 14%، وتحالف بينيت على 10%.

خصوم نتنياهو يأتون من الوسط واليمين أيضا، وهو ما يعيد توزيع القوة أكثر مما يدفعها نحو اليسار
خصوم نتنياهو يأتون من الوسط واليمين أيضا، وهو ما يعيد توزيع القوة أكثر مما يدفعها نحو اليسار (وكالات)

كيف يحاول نتنياهو تغيير سؤال الانتخابات؟

وجود بدائل لنتنياهو من الوسط واليمين يفرض عليه معركة أخرى: إقناع الناخب بأن التصويت ضده ليس مجرد تغيير للزعيم، بل انتقال إلى معسكر سياسي آخر.

ولهذا يحاول نتنياهو نقل المنافسة من سؤال “نتنياهو أم غيره؟” إلى سؤال “يمين أم يسار؟”.

وتقول رويترز إنه يعود إلى إستراتيجية اعتادها في حملاته، بتقديم نفسه حاميا لإسرائيل، وتصوير خصومه يساريين ضعفاء يفتقرون إلى الحزم في مواجهة الحروب والضغوط الخارجية.

وفي مقطع انتخابي في 18 سبتمبر/أيلول نقلته رويترز، قال نتنياهو عن حزب آيزنكوت “يشار خدعة. هناك إما يسار أو يمين”، قبل أن يضع الاختيار بين “دولة فلسطينية” و”دولة يهودية”.

ويلخص هذا الخطاب أحد محاور حملة نتنياهو الانتخابية، فهو يحاول ربط التصويت ضده بالانتقال إلى اليسار، بينما يسعى منافسون له من الوسط واليمين إلى إقناع الناخب بأن بإمكانه تغيير نتنياهو من دون أن يغيّر موقعه السياسي.

هل يستطيع خصوم نتنياهو الحكم من دون العرب؟

وتأخذ محاولة نتنياهو ربط خصومه باليسار بعدا أكثر حساسية عند الوصول إلى الأحزاب العربية. فهذه الأحزاب ليست مجرد ورقة في خطاب الحملة، بل قد تصبح جزءا من حسابات تشكيل أي حكومة بديلة.

ففي استطلاع للقناة 12 نقلته صحيفة “جيروزاليم بوست” في 24 سبتمبر/أيلول، حصلت الأحزاب الصهيونية المعارضة لنتنياهو على 54 مقعدا، أي أقل من عتبة الأغلبية المطلقة البالغة 61 مقعدا. وفي استطلاع لصحيفة معاريف في 2 أكتوبر/تشرين الأول، حصلت المعارضة الصهيونية على 53 مقعدا، مقابل 51 لمعسكر الائتلاف.

ولا يعني ذلك بالضرورة دخول الأحزاب العربية الحكومة، لكنه يجعل دعمها من الداخل أو الخارج، أو البحث عن شركاء آخرين، جزءا مهما من حسابات تشكيل بديل لنتنياهو.

وتبرز القائمة العربية الموحدة “راعم” هنا بوصفها الطرف العربي الأكثر انفتاحا على المشاركة.

ورغم أن استطلاعا للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية أظهر أن 61% من اليهود لم يؤيدوا إشراكها في الحكومة، فإن رئيسها منصور عباس لا يستبعد هذا الخيار. وقال في مؤتمر للحزب في أغسطس/آب إن مشاركة حزب عربي في ائتلاف حكومي أصبحت “خيارا سياسيا حقيقيا مطروحا على الطاولة”.

Leader of the Arab Israeli party Ra'am (United Arab List) Mansour Abbas (R) and Israeli politician Yoav Segalovitz (L) attend a news conference in Nazareth on August 31, 2026.
منصور عباس، رئيس القائمة العربية الموحدة “راعم”، والسياسي الإسرائيلي يوآف سيغالوفيتز خلال مؤتمر صحفي في الناصرة (الفرنسية)

أما القائمة المشتركة فتبدو أكثر تحفظا، إذ تربط موقفها بما سيعرضه المرشحون بعد الانتخابات.

إعلان

وقال رئيسها يوسف جبارين إن القائمة تريد أولا معرفة ما سيقدمه آيزنكوت أو بينيت، ولم يستبعد دعم حكومة من الخارج عبر “شبكة أمان” إذا تبنت سياسات مختلفة في قضايا السلام والمساواة والمجتمع العربي.

وهنا تبدأ المعضلة بالنسبة إلى خصوم نتنياهو، فالحاجة المحتملة إلى دعم عربي لا يقابلها موقف موحد داخل معسكرهم من التعاون مع الأحزاب العربية.

فغادي آيزنكوت قال لصحيفة “جيروزاليم بوست” إنه يقبل شريكا يلتزم بمبادئ حددها، منها الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية وديمقراطية، والالتزام بالخدمة، وتفكيك حماس، مضيفا “لا أرى حزبا عربيا يقبل مبادئي”.

وذهب أفيغدور ليبرمان أبعد من ذلك، إذ أيد شطب “راعم” والقائمة المشتركة من الانتخابات، وقال إن حزبا يعارض جعل “القضاء على حماس” هدفا مركزيا للسياسة الأمنية “لا مكان له في الكنيست”.

في المقابل، كان يائير غولان الوحيد بين قادة المعسكر الذي عارض شطب الأحزاب العربية بصورة جماعية، وقال إن حزبه سيدافع عن حق المواطنين العرب في الانتخاب والترشح وأن يكونوا “شركاء في قيادة الدولة”، مع تأييده شطب رئيس حزب التجمع سامي أبو شحادة شخصيا.

لكن تأييد شطب أبو شحادة أبقى الخلاف قائما بين بعض قوى المعارضة والأحزاب العربية. ففي 22 سبتمبر/أيلول، رد أبو شحادة على قادة المعارضة الذين أيدوا شطبه، متهما إياهم بمحاولة أن يكونوا “تقليدا باهتا لليمين”، وقال إن هذا النهج لم ينفعهم سابقا ولن ينفعهم الآن.

وفي 2 أكتوبر/تشرين الأول، أفادت رويترز بانسحابه من السباق، بعدما أشارت المحكمة العليا إلى اتجاه أغلبية قضاتها لتأييد منعه من الترشح، في حين ألغت قرارات الشطب الأخرى.

وقال أبو شحادة للوكالة إن القرار يُظهر -بحسب تعبيره- أن “في الدولة اليهودية قانونان مختلفان للمواطنين بحسب هويتهم”، وإن هوامش العمل السياسي وحرية التعبير للأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل تضيق.

The heads of the Joint List of Arab parties sit in the Supreme Court, where judges are hearing appeals against the Central Elections Committee's decisions to disqualify Balad chairman Sami Abu Shehadeh, Hadash-Taal MK Ofer Cassif and Arab party lists from running in Israel's upcoming national elections, in Jerusalem, October 1, 2026. REUTERS/Ronen Zvulun
قادة القائمة المشتركة للأحزاب العربية خلال جلسة للمحكمة العليا الإسرائيلية للنظر في الطعون على قرارات شطب مرشحين وقوائم عربية من الانتخابات (رويترز)

أزمة زعيم أم تحول سياسي؟

حتى الآن، لا تشير استطلاعات الرأي إلى أغلبية مضمونة لأي من المعسكرين.

ويرى المحلل في معهد “شالوم هارتمان” أموتس آسا-إل -في حديث لرويترز- أن إستراتيجية نتنياهو قد تقوم على حصد مقاعد تكفي لمنع تشكيل حكومة بديلة، وهو سيناريو قد يبقيه رئيسا لحكومة انتقالية.

لكن تغيير رئيس الحكومة، إن حدث، لن يعني بالضرورة تراجع اليمين. فمع بروز منافسين لنتنياهو من الوسط واليمين، يبقى السؤال بعد انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول: هل تفتح النتائج الطريق أمام تحول في اتجاه إسرائيل السياسي، أم تعيد توزيع القوة داخل خريطة يبقى فيها اليمين ويمين الوسط ثقلا رئيسيا؟

 

المصدر: الجزيرة