تحاول مريم الياغي تفادي الزجاج المهشم الذي يغطي أرضية منزلها في جنوب لبنان لتخرج إلى شرفتها العلوية، ثم تشير بيدها إلى مشهد اعتادت عليه على بُعد بضع مئات من الأمتار فقط، وهو آليات عسكرية تتحرك في بلدة مجاورة لا تزال قوات إسرائيلية تحتلها.
وخلال الليل، تسير دوريات إسرائيلية على مقربة شديدة من منزل مريم في زوطر الغربية، لدرجة أنها تسمع أصواتهم، وخلال النهار، كثيرا ما تتابعها طائرة مسيرة إسرائيلية صغيرة للمراقبة وهي تعمل في حديقة منزلها.
قصص مقترحة
list of 2 items
end of list
وتتردد أصداء الانفجارات طوال الصباح مع هدم جيش الاحتلال الإسرائيلي لمنازل في بلدات محتلة تحيط ببلدتها باستخدام تفجيرات متحكم فيها وجرافات.
وكانت القوات الإسرائيلية انسحبت من زوطر الغربية في يوليو/تموز الماضي، في أول اختبار لخطة “المنطقة التجريبية ” المدعومة من الولايات المتحدة، والتي تقضي بانسحاب إسرائيل تدريجيا من جنوب لبنان مقابل نزع سلاح حزب الله.
لكن بعد مرور شهرين، لم يتم الاتفاق على أي “مناطق تجريبية” أخرى، ويقول سكان زوطر الغربية إن بلدتهم لا تمثل نموذجا يمكن الاحتذاء به.
إزالة التهديد “لم تكتمل بعد”
وقال الجيش الإسرائيلي لوكالة رويترز إن العمل على إزالة التهديد الذي تمثله أسلحة حزب الله لم يكتمل بعد، مشيرا إلى أن الطائرات المسيرة تستخدم لرصد التهديدات، وأن القيود المفروضة على حركة سكان البلدة تهدف إلى حماية قواته.
بينما قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية للوكالة إن عملية المنطقة التجريبية تمثل “المسار الوحيد القابل للتطبيق” لتحقيق الأمن للبنان وإسرائيل أيضا، وفق زعمه.
وأضاف أن المنطقة ستتوسع بعد أن ينفذ الجيش اللبناني عمليات تمشيط في أول منطقة، وأن نزع سلاح حزب الله “يشكل جزءا لا يتجزأ من هذه العملية”.

منازل مدمرة
وفر أكثر من مليون لبناني من منازلهم عندما شنت إسرائيل قبل 7 أشهر تقريبا غارات جوية ونفذت اجتياحا بريا بالتوازي مع الحرب على إيران.
وأصبح إنهاء الحرب في لبنان شرطا إيرانيا لأي اتفاق، مما دفع واشنطن إلى الضغط من أجل التوصل لذلك. ورغم عقد محادثات بوساطة أمريكية بين لبنان وإسرائيل على مدى أشهر والتوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار في يونيو/حزيران، واصل جيش الاحتلال شن ضربات أسفرت عن عشرات القتلى والمصابين.
ولا تزال قوات الجيش الإسرائيلي تحتل أراضي لبنانية، بحجة اتخاذها “منطقة أمنية” أعلنتها من جانب واحد، وتضم عشرات القرى اللبنانية التي دمرت كثيرا منها.
ويقول سكان زوطر الغربية إن عودتهم إلى ديارهم في يوليو/تموز امتزج فيها الفرح بالأسى، إذ سعدوا بالعودة لكنهم وجدوا منازلهم مدمرة والقوات الإسرائيلية قريبة لدرجة تسلبهم الطمأنينة.
“إذن من واشنطن” لقطف الزيتون
لم يعد حتى الآن سوى عدد قليل من جيران مريم؛ إذ سويت منازلهم بالأرض، وتمتد آثار جنازير دبابات الاحتلال عبر حديقتها، حيث ترقد أشجار زيتون اعتنت بها لعقود بعد أن اقتلعت من جذورها، ومع بدء موسم الحصاد، شعرت مريم بالحماسة لجني ما تبقى.
وقال سكان تقع بساتينهم قرب مواقع القوات الإسرائيلية إنهم يطلبون السماح لهم بالوصول إلى أشجارهم عبر آلية تنسيق تقودها الولايات المتحدة بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي.
وسخر بعضهم من عبثية طلب الإذن من واشنطن لقطف الزيتون، وخشي آخرون أن تأتي الموافقة بعد فوات أوان الحصاد.
وعلى مسافة قصيرة من زوطر الغربية تقع توأمها زوطر الشرقية، التي لا تزال تحتلها القوات الإسرائيلية وتواصل فيها عمليات هدم ممنهجة.
برنامج “لم ينجح “
وقال رئيس بلدية زوطر الغربية عبد عز الدين، لرويترز، إن برنامج “المنطقة التجريبية” لم ينجح، ويرجع ذلك بالأساس إلى استمرار انقطاع الخدمات العامة إلى حد كبير، بما في ذلك الكهرباء والمياه الجارية.
وعادت نحو 70 عائلة، يعيش معظمها في أجزاء من منازلها لم تتضرر. وبالنسبة للكثيرين، شكّل ذلك خيارا أفضل من دفع إيجارات في أماكن أخرى أو العيش في إيواء للنازحين.
وسلم مجلس الجنوب التابع للدولة اللبنانية 16 منزلا جاهزا للأسر التي أصبحت منازلها غير صالحة للسكن. لكن معظم هذه المساكن لا يزال خاليا من السكان لعدم توفر الكهرباء أو المياه.
إسرائيل تخالف مضمون الاتفاق
من جانبه، أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم الخميس، أن إسرائيل تخالف مضمون “اتفاق الإطار” الموقع بين البلدين برعاية أمريكية وتواصل أعمالها العدوانية في القرى والبلدات الجنوبية اللبنانية.
وأكد عون، خلال استقباله السيناتور عن ولاية أوكلاهوما الأمريكية جيمس كلانفورد الذي يزور لبنان للاطلاع على الأوضاع فيه، بحضور السفير الأمريكي في بيروت ميشال عيسى، على “التزام لبنان بتنفيذ الاتفاق، وسعيه من أجل الضغط على إسرائيل للتقيد بمندرجاته”.
وأشار إلى “ضرورة وقف إسرائيل تدمير المنازل والأعيان في القرى والبلدات التي تحتلها، واستكمال إعادة الأسرى”، لافتا إلى “توق أبناء الجنوب لبسط سلطة الدولة ونشر الجيش حتى الحدود المعترف بها دوليا”.
ولفت إلى أن “الجيش يقوم بالمهام الموكلة إليه في الجنوب كما في كل لبنان، وهو يحتاج إلى دعم من خلال تأمين معدات وآليات ضرورية لتنفيذ مهامه”.
تواصل القصف الإسرائيلي
يأتي هذا فيما تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي استهداف جنوب لبنان بالقصف والتفجيرات، فضلا عن تحليق مكثف للطائرات المسيرة على علو منخفض.
واستهدفت مدفعية الاحتلال، اليوم الخميس، وادي زبقين في جنوب لبنان، بحسب ما أعلنته “الوكالة الوطنية للإعلام” الرسمية.
كما استهدف القصف بلدة المنصوري ومحيط بلدتي حداثا وبرعشيت ووادي زبقين في الجنوب، وفقا للوكالة.
وأشارت الوكالة أيضا إلى رصد تحليق للطائرات المسيّرة للاحتلال على علو منخفض، في أجواء صور ومحيطها.
والأحد الماضي، شن الاحتلال سلسلة غارات استهدفت بلدات النبطية الفوقا ووادي السلوقي والقنطرة، إضافة إلى المنطقة الواقعة بين النبطية الفوقا وكفرتبنيت، وبلدة المنصوري.
وتزامن ذلك مع قصف مدفعي إسرائيلي واسع طال مناطق وادي زبقين ووادي الحجير ووادي السلوقي وسهل الخيام، كما امتد القصف المدفعي ليشمل بلدات حداثا وحاريص وزوطر الشرقية وكفرتبنيت وبرعشيت والنبطية الفوقا.
كما نفذت قوات الاحتلال الإسرائيلية عمليات تفجير في بلدات بيت ياحون وحولا وطلوسة والمنصوري وعيترون، فضلا عن أطراف بلدة برعشيت. كما أطلقت قوات الاحتلال قنابل مضيئة في أجواء بلدتي المنصوري وكونين.
والسبت، نفّذ الجيش الإسرائيلي عملية تفجير في بلدة حولا، بعد تفخيخ مبنى مدرسة خاصة، مما أدى إلى تدميره، إلى جانب إحراق منازل في البلدة.
وتتواصل تلك الهجمات الإسرائيلية رغم توقيع “اتفاق الإطار” في 26 يونيو/حزيران الماضي بين بيروت وتل أبيب، بينما لا تزال إسرائيل تحتل مناطق في الجنوب، بعضها منذ عقود، وأخرى سيطرت عليها خلال الحروب والعمليات العسكرية الأخيرة.
وينص اتفاق الإطار على انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية، وانتشار الجيش اللبناني في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية.

“المقاومة مستمرة”
من جهته، قال الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، إن إسرائيل لن تتمكن من البقاء في جنوب لبنان، مؤكدا أن “المقاومة مستمرة طالما أن العدوان الإسرائيلي موجود”.
وأضاف قاسم، في كلمة أمس الأول الثلاثاء، أن “تحرير الجنوب اللبناني نراه أمام أعيننا، ولن تتمكن إسرائيل من البقاء في جنوب لبنان ولو بعد حين”، مشيرا إلى أن “الحرب جولات ولكن الجولة الأخيرة هي لأصحاب الأرض والحق لمن ساروا على درب المجاهدين والشهداء”.
وتابع قاسم: “لا تسألوا ماذا ستفعلون، لا يمكن إلا أن نكون مقاومة طالما أن هذا العدوان موجود، اتجهوا إلى العدو ليخرج من أجل الحل، أما أن يقال لنا: قدموا ليخرج العدو، لا شيء نقدمه، لأنه معتد علينا، وهناك اتفاقات لم يلتزم بها العدو”.
ورأى قاسم أن “الحل يبدأ بخروج العدو صاغرا، العدو الإسرائيلي ومعه الأمريكي الذي يدعمه بكل طاقته من أجل أن يعتدي على منطقتنا، هذا هو الحل بالنسبة إلينا، لا تسألوننا عن حلول أخرى”، على حد تعبيره.
خسائر بالأرقام
ومنذ 2 مارس/آذار الماضي، تشن إسرائيل عدوانا على لبنان، أسفر عن ما لا يقل عن 4 آلاف و386 قتيلا و12 ألفا و413 جريحا، وأكثر من مليون نازح، وفق السلطات اللبنانية.
وبالعودة إلى 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، عندما بدأت الاشتباكات بين حزب الله وإسرائيل على خلفية الحرب على قطاع غزة، قبل أن تتحول تلك المواجهات إلى عدوان إسرائيلي شامل، فإن الخسائر أكبر.
وبحسب آخر إحصائية لوزارة الصحة اللبنانية بتاريخ 25 سبتمبر/أيلول الماضي، بلغت حصيلة العدوان الإسرائيلي 8953 قتيلا و30 ألفا و649 جريحا، منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
كما دمرت إسرائيل عشرات الآلاف من الوحدات السكنية بشكل كامل، ونحو 65 ألفا جزئيا، بينما طالت أضرار طفيفة نحو 320 ألفا.
وعلى صعيد الزراعة، بلغت خسائر القطاع الزراعي نحو 530.5 مليون دولار، وفقا لتقييم مشترك أجرته وزارة الزراعة اللبنانية مع المجلس الوطني اللبناني للبحوث العلمية، ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة.
وبحسب وزارة الزراعة اللبنانية، طالت الأضرار نحو 22.5% من الأراضي الزراعية في لبنان.
وفي منتصف سبتمبر/أيلول الماضي، كشف رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أن العدوانين الإسرائيليين (2023 و2026) معاً كلّفا البلاد أكثر من 20 مليار دولار، مشيرا إلى أن الكلفة الإجمالية قد تتجاوز 27 مليار دولار عندما يكتمل احتساب حرب 2026.
المصدر: الجزيرة