مع ترسيخ حضور مؤسسات الدولة السورية.. ما تفاصيل التوتر في الحسكة ولماذا الآن؟

عاد التوتر إلى مدينة الحسكة ـ مساء أمس الخميس ـ بعد أعمال تُتهم بها “الشبيبة الثورية” التي تنشط بكثافة في مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” سابقا، وذلك بعد سلسلة تطورات شهدتها المحافظة خلال الأسبوع الفائت.

وبعد ساعات، أعلنت قوى الأمن الداخلي أنها عززت انتشار وحداتها “في مختلف أحياء مدينة الحسكة، وواصلت تسيير دورياتها لضبط الأمن وإعادة الهدوء، عقب قيام مسلحين خارجين عن القانون بإطلاق النار بصورة عشوائية في المدينة”.

قصص مقترحة

list of 2 items

  • list 1 of 2افتتاح الجامع الأموي في حلب.. عودة الروح لوسط المدينة القديمة
  • list 2 of 2مجموعات فندقية عالمية تتطلع لدخول سوق السياحة السورية

end of list

وقالت القوى ـ عبر بيان ـ إن “هذه الإجراءات في إطار التصدي للتجاوزات الأمنية ومحاولات إثارة البلبلة، والحفاظ على سلامة الأهالي والممتلكات، وضمان استقرار الأوضاع في المدينة”.

وجاءت أعمال الشغب عقب فعالية رسمية وشعبية شهدتها مدينة الحسكة، الخميس، رفع خلالها مسؤولون وسكان في المحافظة العلم السوري لأول مرة في ساحة الحرية بالمدينة، وسط احتفال شعبي لافت.

وخلال فعالية رفع العلم، وجه نائب محافظ الحسكة أحمد الهلالي كلمة للمحتشدين، أكد فيها أن مطالب الأهالي يتم تحقيقها وتلبيتها تباعا، مشيرا أن وصول المتظاهرين إلى هذه الساحة كان في السابق مطلبا رئيسا وقد تحقق اليوم.

وشدد الهلالي على أن “العلم السوري المرفوع يمثل كافة مكونات المجتمع السوري من عرب وكرد وسريان دون استثناء”.

كيف بدأ الحراك في الحسكة؟

بدأ الحراك في مدينة الحسكة، الجمعة الماضية، حين خرجت مظاهرة شعبية رفعت أعلام الدولة السورية وطالبت بفرض الأمن وتفعيل المؤسسات.

وشاركت في المظاهرة أعداد كبيرة من أبناء الأحياء العربية في مدينة الحسكة، إلى جانب مشاركات من أبناء القرى والبلدات في ريف محافظة الحسكة.

وتجددت المظاهرات اليوم الجمعة أيضا في المدينة تحت شعار “جمعة رفع العلم السوري”، انطلقت من حي غويران في المدينة، وسط انتشار أمني لحماية المتظاهرين وتأمين التجمع.

إعلان

وبثت “سوريا الآن” مقاطع مصورة لتجمع شعبي حاشد، رفع الأعلام السورية بكثافة في ساحة الحرية الشهيرة في مدينة الحسكة.

ولاقى الحراك في الحسكة، اهتماما واسعا في الأوساط السورية على اعتباره الأول من نوعه في المدينة، بعد سنوات من سيطرة “قسد” على المحافظة، وقوى سياسية كردية منضوية في مظلتها، أبرزها حزب الاتحاد الديمقراطي، الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني.

وركزت مطالب الحراك على إحلال مظاهر الدولة السورية أبرزها العلم السوري، وإزالة رايات الأحزاب المنضوية في “قسد” سابقا.

وفي هذا السياق، اعتبر الكاتب والباحث سامر الأحمد لـ”سوريا الآن”، التطورات الأخيرة في الحسكة “حدثا مهما” تزامن مع تقدم ملحوظ في مسار الدمج في المدينة، والانتشار الأمني الواسع للقوى الحكومية، واستلام القصر العدلي.

مظاهرة حاشدة في حي غويران بالحسكة تحت شعار "جمعة العلم السوري" للمطالبة ببسط سلطة الدولة وتعزيز حضور مؤسساتها المصدر حساب مديرية اعلام الحسكة على تيليجرام
المظاهرة انتقلت إلى ساحة الحرية الشهيرة في مدينة الحسكة (مديرية إعلام الحسكة)

عودة التوتر

لم يكن الحراك في الحسكة الذي يتزامن مع مسار الدمج وحل “قسد” والتشكيلات التابعة لها، بمعزل عن جملة من التوترات، أبرزها مساء أمس ترتبط وفق ما وصف الرواية الأمنية الرسمية بـ”مسلحين خارجين عن القانون”، في وقت تشير أصابع الاتهام إلى “الشبيبة الثورية” التي تتخذ موقفا حادا ضد عملية الاندماج وعودة الدولة السورية إلى المحافظة.

وظهرت “الشبيبة الثورية” في سوريا عام 2012، وتقدم نفسها كـ”تنظيم شبابي سياسي واجتماعي مستقل”، متأثر بأفكار عبد الله أوجلان، مؤسس حزب العمال الكردستاني، وتربطها مصادر حقوقية وبحثية بالمنظومة السياسية والفكرية المرتبطة بالعمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي.

ويوضح الأحمد في حديثه أن “هناك بعض الجهات المتضررة من سيطرة الدولة السورية وهي كانت مستفيدة من الفترة السابقة ولديها مآرب، وبدأت بإثارة فتنة من خلال الهجوم على عناصر الأمن الداخلي التابع لوزارة الداخلية السورية”.

ويقول إن هذه الجهات بعد سيطرة الدولة على مدينة الحسكة “تحاول المناورة وخاصة في المدن الحدودية مثل القامشلي وعامودا والدرباسية”.

ويؤكد الأحمد أن “المظاهرة سلمية وحضارية وجاءت تعبيرا للفرح ببسط سيطرة الدولة السورية، وهي للسوريين جميعا وليست موجهة ضد أي فئة اجتماعية أو عرقية بما فيهم الكرد الذين تلقوا دعوة إلى جانب المكون السرياني للمشاركة في المظاهرة”، لافتا إلى أن القائمين على المظاهرة وجهوا دعوات أيضا لكافة مكونات المدينة للمشاركة في مظاهرة اليوم.

“دمج مجتمعي لا إداري وأمني فقط”

وفي أسباب التوتر القائم، يجد الباحث السياسي خالد جبر أن سوريا بحاجة ماسة اليوم إلى دمج مجتمعي حقيقي، وليس مجرد دمج إداري أو أمني، مشيراً إلى أن سنوات الانقسام تركت آثاراً عميقة في المجتمع، ومعالجتها تحتاج إلى بناء الثقة بين السوريين، وإعادة ترميم العلاقة بين الدولة والمواطن.

وقال جبر لـ”سوريا الآن”، إن المرحلة الحالية تتطلب وعياً سياسياً واجتماعياً عميقاً، موضحاً أن “الأمر لا يقتصر على إعادة ترتيب المشهد الأمني والإداري في الحسكة، بل يمتد إلى بناء عقد اجتماعي جديد يشعر فيه الكرد، كما بقية المكونات السورية، بأنهم شركاء حقيقيون في الدولة ومستقبلها”.

إعلان

وشدد على أهمية أن تدرك الدولة السورية أن “معالجة ملف الحسكة لا يمكن أن تتم بعقلية الماضي، أو من خلال فرض الوقائع من طرف واحد، بل عبر الاعتراف بخصوصية المنطقة القومية والثقافية، واحترام الحقوق المشروعة للكرد، وضمان مشاركتهم الفعلية في مؤسسات الدولة وصناعة القرار”، لافتاً إلى أن الكرد جزء أصيل من النسيج الوطني السوري، ولهم تطلعات وحقوق ينبغي التعامل معها بجدية، لا باعتبارها مصدر قلق أو تهديد.

مظاهرة حاشدة في حي غويران بالحسكة تحت شعار "جمعة العلم السوري" للمطالبة ببسط سلطة الدولة وتعزيز حضور مؤسساتها المصدر حساب مديرية اعلام الحسكة على تيليجرام
المتظاهرون رفعوا الأعلام السورية في ساحة الحرية (مديرية إعلام الحسكة)

“الأمن والاستقرار لا يتعارضان

ورأى الباحث السياسي أن “مطالب الأمن والاستقرار وعودة المؤسسات لا تتعارض مع حقوق الكرد، بل يمكن أن تشكّل أساساً للتفاهم إذا أُديرت بروح وطنية جامعة، مؤكداً أن المطلوب هو دولة قوية بقانونها وعدالتها، لا دولة تقوم على الإقصاء أو الغلبة، وحكومة تمثل جميع السوريين، وتحترم التنوع القومي والثقافي، وتضمن ألا يشعر أي مكوّن بأنه مستهدف أو مهدد في هويته ووجوده”.

وفيما يتعلق بملف “قسد”، أشار جبر إلى أنه حتى مع المضي في حلّه ودمج مؤسساته ضمن مؤسسات الدولة، فإن التحدي الأكبر لا يزال يتمثل في استمرار خطاب الكراهية والتحريض وانعدام الثقة بين بعض مكونات المجتمع، موضحاً أن حلّ التشكيلات العسكرية أو دمجها إدارياً وأمنياً لا يعني بالضرورة انتهاء آثار سنوات الانقسام، ولا يكفي وحده لبناء الاستقرار.

ودعا إلى العمل على “تفكيك الحواجز النفسية والاجتماعية، ومواجهة الخطاب الذي يستهدف الكرد أو يشكك في انتمائهم الوطني، مع رفض أي خطاب يستهدف بقية المكونات السورية”، مشدداً على أن “على الدولة أن تدرك أن نجاح المرحلة الجديدة لا يُقاس فقط بتوحيد المؤسسات والسلاح، بل أيضاً بقدرتها على حماية التنوع، وضمان حقوق الكرد وهويتهم القومية والثقافية، ومحاسبة المحرّضين على الكراهية وفق القانون”.

 

المصدر: الجزيرة