“تقطير النماذج”.. السر الذي تربح به الصين حرب الذكاء الاصطناعي

في 31 يوليو/تموز الماضي، نشرت وكالة رويترز مراجعة لأكثر من ثمانين ورقة بحثية وبراءة اختراع صينية، خلصت إلى أن باحثين على صلة بجيش التحرير الشعبي الصيني دربوا أنظمة عسكرية محلية على مخرجات نماذج ذكاء اصطناعي أمريكية. والطريقة التي وصفتها المراجعة تُعرف باسم “تقطير النماذج” وهي أبسط مما يوحي به اسمها.

فمن خلال تلك الطريقة، تسأل نموذجاً ضخما باهظ الكلفة آلاف الأسئلة، وتجمع إجاباته، ثم تدرب عليها نموذجا صغيرا رخيصا حتى يتقن مهمة واحدة بعينها. النموذج الصغير لا يصير نسخة من الكبير، لكنه يُحسّن الجزء الذي دُرّب عليه، ويعمل بكلفة زهيدة.

قصص مقترحة

list of 3 items

  • list 1 of 3حرب الرقائق: هل تتحكم تايوان في الاقتصاد العالمي؟
  • list 2 of 3ما إستراتيجية “جوغو” التي تحارب فيها الصين التكنولوجيا الأميركية؟
  • list 3 of 3هل بدأت حرب الرقائق؟

end of list

من بين ما أوردته المراجعة كانت ورقة بحثية صادرة عام 2024 عن الجامعة الوطنية لتكنولوجيا الدفاع، وهي جامعة بحثية مهمة تابعة للجنة العسكرية المركزية تصف نموذج معالجة صور جرى تصغيره وضغطه حتى يتسع له العتاد الحاسوبي لطائرة مسيرة. والغرض أن تبقى الطائرة قادرة على تحليل ما تراه، وعلى الملاحة والاستهداف، في اللحظة التي ينقطع فيها اتصالها بمن يوجهها. أي أن تقرر المسيرة وحدها ما الذي تنظر إليه.

قُرأ ذلك الخبر في العديد من الأوساط بوصفه هزيمة لسياسة أمريكية عمرها أربع سنوات، ففي سبتمبر/أيلول 2022 حظرت واشنطن بيع أقوى رقائق الذكاء الاصطناعي للصين، وهي معالجات متخصصة تُدرب عليها النماذج ثم تُشغل، وأشهرها من إنتاج شركة إنفيديا (Nvidia) الأمريكية. والمنطق وراء الحظر مباشر، فالقدرة تسكن في العتاد، وإذا مُنِع العتاد تباطأ تطوير الجيش الذي يعتمد عليه. أما تقنية التقطير فلا تحتاج عتادا متقدما ولا اختراقا لشبكة مغلقة، بل اشتراكا في الخدمة يدفع ثمنه أي أحد.

“تقنية التقطير لا تحتاج عتادا متقدما ولا اختراقا لشبكة مغلقة، بل اشتراكا في الخدمة يدفع ثمنه أي أحد”

تنشر الصين ما يكفي لاختبار هذا الاستنتاج، إذ يعرض جيشها طلبات مشترياته على منصة علنية، ويودع باحثوه براءات اختراعهم في سجلات مفتوحة. نحاول هنا أن نقرأ ذلك السجل على امتداد السنوات الأربع الماضية، بحثا عن سؤال بزاوية أضيق من سؤال النجاح والفشل: ما الذي فعله الحظر الأمريكي فعلا بالذكاء الاصطناعي الصيني؟

الصينيون وجدوا حلولا للالتفاف حول جدار الحماية واستخدام النماذج الأمريكية، والدرجة التي وصلوا إليها غير مؤكدة حتى الآن
الصينيون وجدوا حلولا للالتفاف حول جدار الحماية واستخدام النماذج الأمريكية، والدرجة التي وصلوا إليها غير مؤكدة حتى الآن (أسوشيتد برس)

إثارة الضجة

بدأت القصة قبل تقرير رويترز بخمسة أشهر، ففي فبراير/شباط الماضي، أعلنت شركة أنثروبيك الأمريكية، المطورة لنموذج كلود، أن ثلاثة مختبرات صينية تجارية للذكاء الاصطناعي حاولت استخلاص قدرات نموذجها. المختبرات هي “ديب سيك” و”مونشوت إيه آي” و”مينيماكس”، وقد أنشأت نحو 24 ألف حساب مزيف، ونفذت عبرها أكثر من 16 مليون محادثة. وفي الشهر نفسه خاطبت أوبن إيه آي، المطورة لنموذج شات جي بي تي، لجنة في مجلس النواب الأمريكي، وأبلغتها بأن جهات صينية تتجاوز قيود الوصول عبر وسطاء تقنيين.

إعلان

ثم في أبريل/نيسان الماضي، تحدث مكتب سياسة العلوم والتكنولوجيا في البيت الأبيض عن حملات تقطير “على نطاق صناعي”، وجرى اتهام شركة “مونشوت” في 22 يوليو/تموز الماضي بأن نموذجها الأحدث “كيمي كيه 3” (Kimi K3) بُني بهذه الطريقة، فنفت الشركة ونسبت تقدمها إلى ابتكار خاص بها.

على هذه الخلفية وصلت مراجعة رويترز، وذكرت فيها وحدة عسكرية صينية تحمل الرقم 96941، تصفها الوكالة بأنها معنية بالاستخبارات العسكرية والحرب السيبرانية، استعانت بنموذج “جي بي تي-3.5” (GPT-3.5) لتلخيص شفرات برمجية عسكرية، ثم دربت على الملخصات نموذجا محليا يعمل داخل شبكاتها المغلقة.

وذكرت المراجعة أيضا أن جامعة شمال الصين، الوثيقة الصلة بصناعة السلاح الصينية، ولدت بيانات تدريب لمصنف نصوص يُقترح استخدامه في مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي، بالاعتماد على نموذج “كلود هايكو” (Claude Haiku). وجاء فيها كذلك أن باحثي أكاديمية العلوم العسكرية، وهي مركز البحث العسكري الأعلى في الصين، استخدموا تقنية التقطير لتشغيل نموذج للتعرف على الأهداف خلال عمليات بحرية افتراضية شملت طائرات مسيرة وسفنا وغواصات غير مأهولة.

“الجائزة التي تسعى إليها الصين هي قدرة الاستدلال، أي قدرة النموذج على تفكيك المسألة إلى خطوات متتابعة يبلغ بها الجواب بدلا من أن يقفز إليه”

أما خلاصة مؤسسة جيمس تاون، وهي مركز أبحاث في واشنطن معني بالشؤون الصينية والروسية، وهي التي جمعت هذه الأوراق وأتاحتها لوكالة رويترز، فتقول إن الجائزة التي تسعى إليها الصين هي قدرة الاستدلال، أي قدرة النموذج على تفكيك المسألة إلى خطوات متتابعة يبلغ بها الجواب بدلا من أن يقفز إليه. وهي أثمن ما في النماذج الأمريكية المتقدمة وأعسر ما فيها بناء، وتقول المؤسسة إن الأدبيات الصينية توثق جهدا متعمدا للوصول إليها، بعضه مصمم للإفلات من الكشف.

The Kimi AI application icon is displayed inside an Artificial Intelligence application folder on a smartphone screen, in Creteil, France, on July 17, 2026, as Chinese tech startup Moonshot AI unveiled Kimi K3, introduced as the world's largest open-source artificial intelligence model. (Photo by Samuel Boivin/NurPhoto via Getty Images)
“كيمي كيه 3” صمم لتنفيذ مهام معقدة تشمل الاستدلال المنطقي، وكتابة الأكواد البرمجية، وتحليل المستندات الطويلة، ويتهم الأمريكيون الشركة التي بنته “مونشوت” بأنها قامت بذلك بناء على حملات تقطير (غيتي)

غير أن تقنية التقطير في ذاتها ليست تهمة، فشركة أنثروبيك، وهي صاحبة الاتهام الأساسي، تصفه في بيانها بأنه أسلوب تدريب مشروع وواسع الانتشار، وتقول إن المختبرات الكبرى تقطر نماذجها الخاصة لتصنع منها نسخا أصغر وأرخص تبيعها لعملائها. والنموذج السريع الذي يرد على أسئلتك في تطبيق زهيد الثمن هو في الغالب ابن مقطر من نموذج أكبر منه وأبطأ وأغلى.

كما أن التقنية لا تنطوي على عملية اختراق، فلا وجود لأوزان مسروقة، والأوزان هي ملايين الأرقام التي تتشكل أثناء التدريب وتشكل عقل النموذج، وتبقى داخل خوادم الشركة المطورة ولا تخرج منها. ولا دخول إلى شبكة مغلقة، ولا اطلاع على أسرار محجوبة.

من يستخدم التقطير يشتري وصولا إلى النموذج كما يشتريه أي مستخدم، ثم يحتفظ بالإجابات ويدرب عليها نموذجه. ولهذا قام الاتهام على مخالفة شروط الخدمة وقيود الوصول الجغرافية بحسابات مزيفة، وليس على استعمال أسلوب محظور في ذاته، وتصف رويترز تقنية التقطير بأنها ممارسة صناعية شائعة وتحصر النزاع في الاستخلاص غير المصرح به.

إعلان

وليست الصين طرفاً واحداً في هذه المسألة، فالمراجعة ذاتها تشير إلى باحثين عسكريين صينيين يدرسون التقطير بوصفه تهديدا لنماذجهم هم، أي يبحثون كيف يمنعون غيرهم من استخلاص ما بنوه.

لكن هذا كله يترك سؤالنا الأول معلقا، فإذا كانت التقنية عادية والنزاع يدور على الإذن، فإن مراجعة رويترز لا تخبرنا بشيء عما فعله حظر الرقائق الأمريكية في أربع سنوات. الجواب عن ذلك لا يظهر في الأوراق البحثية، بل يظهر في مكان أكثر تواضعا؛ في طلبات الشراء التي يعرضها الجيش الصيني على منصة علنية.

An Nvidia GPU is seen inside a computer server displayed at Foxconn’s annual tech day in Taipei, Taiwan October 8, 2024. REUTERS/Ann Wang
رقاقة من صناعة شركة إنفيديا الأميركية (رويترز)

مساران للرقائق

لماذا طلبات الشراء تحديدا؟ لأن جيش التحرير الشعبي الصيني يدير منصة مشتريات علنية، تنشر عليها وحداته ما تحتاج إليه من مواد وخدمات. والسبب عملي لا يتصل بالشفافية، فالموردون لا يتقدمون بعروضهم ما لم يروا المواصفات المطلوبة. السلاح نفسه لا يظهر على المنصة، لكن ما حوله يظهر؛ من خوادم ووحدات معالجة وبرمجيات وعقود صيانة. وإلى جانبها تودع براءات الاختراع في سجلات مفتوحة، وبراءة الاختراع هي وثيقة يصف فيها صاحبها كيف بنى ما بناه، وكثيرا ما يذكر العتاد الذي أجرى عليه تجاربه.

وهذه الوثائق ليست شحيحة ولا متفرقة، فقد حلل باحثان في مركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة بجامعة جورجتاون الأمريكية آلاف الوثائق على مدى ثلاث سنوات، وراجع محلل في مؤسسة جيمس تاون عدة مئات من المناقصات في ستة أشهر.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، راجعت وكالة رويترز هذه السجلات على مدى سنتين، وقالت إنها أحصت 35 طلبا تشير إلى استخدام رقائق إنفيديا “إيه 100” (A100)، الخاضعة لقيود التصدير الأمريكية إلى الصين. وقدم هذه الطلبات باحثون في الجامعة الوطنية لتكنولوجيا الدفاع وفي مجموعة الجامعات المعروفة باسم “الأبناء السبعة”، التي تخضع لقيود أمريكية ولها تاريخ في الأبحاث المرتبطة بالدفاع. وفي الفترة نفسها، أحصت الوكالة لدى الجهات ذاتها 15 طلبا مرتبطا بتطبيقات الذكاء الاصطناعي يذكر عتاد “أسِند” من هواوي، الذي صُمم ليكون بديلا محليا لرقائق إنفيديا.

“جيش التحرير الشعبي الصيني يدير منصة مشتريات علنية، تنشر عليها وحداته ما تحتاج إليه من مواد وخدمات”

وفي الرقمين معا ما يستحق التأمل، فالحظر الأمريكي قام في منطقه المعلن على احتمالين لا ثالث لهما؛ إما أن تجد الصين طريقا إلى الرقائق الأمريكية فتواصل تقدمها، وإما أن تُحرم منها فتتباطأ. غير أن السجل يعرض سلوكا ثالثا لم يكن في الحسبان، إذ إن الجيش نفسه، في السنتين نفسيهما، يسعى إلى العتاد الممنوع ويبني في الوقت ذاته ما يغنيه عنه. لم يُزِح أحد المسارين الآخر، ولم يحدث اختيار بينهما.

ولكل مسار منهما سجله الخاص، ويبدأ الأوضح منهما من رقائق يُفترض أنها لا تدخل الصين أصلا. ففي مايو/أيار 2025 طلب مختبر بحثي تابع للجيش الصيني ست عشرة رقاقة من طراز “إتش 100” (H100) وهي أعلى ما حظرته واشنطن في ذلك الحين. والغرض المذكور في الطلب كان نمذجة الخصائص الكهرومغناطيسية والحرارية، أي حساب البصمة التي يتركها جسم ما في الرادار وفي الأشعة تحت الحمراء، وهو العمل الذي يقوم عليه تمييز طائرة من طائرة وسفينة من سفينة. وفي الطلب تفصيل يستحق الانتباه، إذ كان المختبر يعتزم تشغيل نموذجين صينيين على تلك الرقائق الأمريكية، أحدهما من ديب سيك والآخر من شركة علي بابا. أي أن المسارين كانا يتقاطعان داخل الطلب الواحد.

وقبل ذلك بعام، في يوليو/تموز 2024، طلبت وحدة أخرى 10 ملايين ساعة معالجة على عنقود حواسيب فائقة، مع اشتراط صريح بأن يوفر المورد قدرة حوسبة من طراز “في 100” (V100) أو “إيه 100” (A100). والفرق بين هذا الطلب وسابقه أنه لا يشتري رقائق، بل يشتري وقتا عليها، فالوحدة لا يلزمها أن تملك العتاد، يكفي أن تصل إليه عبر طرف ثالث يملكه. وهذا ما يقرأه باحثو جورجتاون بوصفه التماسا لعتاد محظور عبر وسيط.

إعلان

ولم يكن الطلبان استثناء، بل مثالان من مئات الطلبات على عتاد أمريكي متقدم بين عامي 2023 و2026 بحسب التحليل ذاته. ومنها في يوليو/تموز 2025 طلب لخادم يعمل برقائق “إتش 20” (H20)، وهي نسخة مخففة صممتها إنفيديا لتلائم القيود المفروضة على السوق الصينية. وفي يونيو/حزيران 2025 أودعت جامعة الهندسة التابعة لقوة الصواريخ في الجيش الصيني براءة اختراع لنظام كشف أهداف عبر الاستشعار عن بعد، ذكرت فيها أنها دربت النموذج على رقائق “إيه 100” (A100).

غير أن إنفيديا ترى الأمر على غير هذا الوجه، إذ يقول المتحدث باسمها، جون ريزو، إن الشركة لا تستطيع تتبع عمليات إعادة البيع الفردية، وإن تدوير كميات صغيرة من منتجات مستعملة قديمة لا يتيح شيئا جديدا ولا يمثل قلقا أمنيا، وإن استخدام منتجات مقيدة في تطبيقات عسكرية أمر غير ذي جدوى من دون الدعم والبرمجيات والصيانة التي تأتي من الشركة نفسها. ويقلل ريزو من شأن حاجة الجيش الصيني إلى عتاد شركته، إذ يرى أن لدى الصين ما يكفيها ويزيد من الرقائق المحلية.

ويضيق هامش الاستنتاج أكثر من ذلك، فرويترز لم تستطع تحديد موعد وصول الرقائق المذكورة في براءات الاختراع، ولا ما إذا كانت قد دخلت قبل حظر سبتمبر/أيلول 2022 أو بعده. وباحثو جورجتاون يقولون صراحة إن الوثائق العلنية لا تسمح بتقدير حجم استخدام العتاد الأمريكي داخل الجيش الصيني. والخلاصة أن ما تثبته هذه الوثائق هو حجم الطلب وليس الوصول الفعلي؛ جيش ظل يطلب، سنة بعد سنة، عتاداً مُنِع منه، ولم يتوقف عن طلبه. أما ما إذا كان قد حصل عليه بقدر يغيّر ميزان قوته، فذلك ما لا يظهر في السجلات العلنية.

وهذا الغموض نفسه هو ما يجعل المسار الآخر مفهوما، فمن يبني قدرته العسكرية على رقائق مستعملة تصل عبر وسطاء، بلا دعم ولا صيانة ولا ضمان بأنها ستصل مرة أخرى، يحتاج إلى خطة موازية لا تعتمد عليها.

الوثائق العلنية لا تسمح بتقدير حجم استخدام العتاد الأمريكي داخل الجيش الصيني
الوثائق العلنية لا تسمح بتقدير حجم استخدام العتاد الأمريكي داخل الجيش الصيني (رويترز)

المسار البديل

المنصة ذاتها التي تحمل طلبات العتاد الأمريكي تحمل دفعة معاكسة، فكثير من وثائق المشتريات يشترط على المورد أن يستخدم تكنولوجيا محلية، أي أن تكون المكونات صينية الصنع وليست مستوردة. وبحسب باحثي جورجتاون أصدرت بكين توجيهات تحد من استعمال مختبرات الذكاء الاصطناعي الصينية للرقائق الأجنبية.

واستجابت المختبرات التجارية، إذ تعهدت شركتا ديب سيك وعلي بابا بزيادة استخدام الرقائق المحلية في تشغيل نماذجهما، ونُقل عن مختبر صيني ثالث هو “زيبو” (Zhipu) أنه يدرب نماذجه على عتاد شركة هواوي. والتمييز بين التدريب والتشغيل هنا ليس تفصيلا فنيا، فالتدريب هو بناء النموذج من الصفر، وهو العمل الأشق الذي يستهلك أضخم قدر من الحوسبة ويحتاج أقوى الرقائق. أما التشغيل فهو استعمال النموذج بعد بنائه ليجيب ويحلل، وكلفته الحاسوبية أقل بكثير. وأن يقتصر تعهد الشركتين الكبيرتين على التشغيل قد يعني أن الرقائق المحلية تكفي للنصف الأسهل من العمل، وأن النصف الأصعب ما زال موضع سؤال. وما نُقل عن زيبو يشير إلى العكس، فهو تدريب على عتاد محلي، لذا فالصورة غير مستقرة بعد.

“زاد الجيش الصيني في عام 2025 من تعامله مع شركات تعلن أنها تعمل بعتاد محلي خالص”

وعلى مستوى المقاولين، زاد الجيش الصيني في عام 2025 من تعامله مع شركات تعلن أنها تعمل بعتاد محلي خالص، بحسب مراجعة الباحث صني تشيونغ من مؤسسة جيمس تاون لعدة مئات من المناقصات في ستة أشهر من نفس العام. ومن أبرز الأمثلة شركة “شانشي 100 ترست” (Shanxi 100 Trust)، التي تعمل أساساً على معالجات “كونبنغ” (Kunpeng) من هواوي في المعالجة العامة، ورقائق أسِند في أعمال الذكاء الاصطناعي. وهي الشركة الخاصة الوحيدة بالكامل داخل إطار حكومي صيني يهدف إلى إحلال التكنولوجيا المحلية مكان الأجنبية، وتملك أهلية العمل في المشروعات المصنفة، ونالت عقودا دفاعية بعشرات ملايين اليوانات من الجيش ومن المؤسسة الصينية لعلوم وتكنولوجيا الفضاء. فالمسار الثاني ليس شعارا، بل له اشتراطات مكتوبة في العقود، وتوجيهات من الحكومة، ومقاولون يعرفون أنفسهم به، وعقود موقعة بأرقام.

على أنه يفترض شيئا لم نتحقق منه بعد، فالبناء على رقائق أقل قدرة لا يصلح إن كانت البرمجيات نفسها تحتاج أقوى الرقائق. والسؤال الذي يقرر إن كان هذا المسار حقيقيا أم مجرد واجهة هو سؤال عن النماذج وليس عن العتاد: كيف صارت تلك النماذج تعمل على عتاد أقل؟

FILE PHOTO: A view shows a Huawei logo at Huawei Technologies France headquarters in Boulogne-Billancourt near Paris, France, January 9, 2025. REUTERS/Gonzalo Fuentes/File Photo
هواوي تحقق تفوقا تصميميا رغم القيود المفروضة على قدراتها التصنيعية (رويترز)

لماذا صار المسار الثاني ممكنا؟

الجواب عند الباحثين العسكريين الصينيين أنفسهم، فهم ينسبون إلى نموذج ديب سيك أنه قلص القدرة الحاسوبية اللازمة لتشغيل وظائف الاستدلال، حتى صار تشغيلها ممكنا على معالجات أسند وكيرين من هواوي، وهي معالجات أقل تطورا من أفضل ما هو متاح في السوق العالمية. وكيرين في الأصل عائلة معالجات صممتها هواوي لهواتفها المحمولة، ويصف هؤلاء الباحثون ما جرى بأنه انتصار في سياق “السيادة التكنولوجية” للصين، عبر تخفيض الاعتماد على سلاسل التوريد الغربية، وتيسير انتشار الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في المؤسسة العسكرية بأكملها.

إعلان

وما يعنيه ذلك عمليا يتصل بالحجم، فالنموذج الضخم يحتاج ذاكرة واسعة ليُحمَّل فيها، وطاقة كهربائية ليعمل، وزمنا حتى يجيب، وكلما صغر النموذج قلت الذاكرة والطاقة والزمن معا. وتقول الأوراق الصادرة عن الجامعة الوطنية لتكنولوجيا الدفاع إن بنية ديب سيك تخفض استهلاك الطاقة في التدريب بنحو 40%، مقارنة بأنظمة من طبقة “جي بي تي-4″، وهو النموذج الذي مثل قمة ما أنتجته أوبن إيه آي حين أُجريت تلك الأبحاث. ويجري هذا الخفض، بحسب الأوراق ذاتها، من دون أن تتراجع دقة النتائج عند التشغيل، وتضيف أن حجم النموذج يقارب ثمن حجم “جي بي تي-4″، وهو ما يسمح بتشغيله على منصات أصغر مثل الطائرات المسيرة.

ومن التقنيات المذكورة نظام لتقليم الانتباه، والفكرة فيه أن النموذج لا يعالج كل ما يصل إليه بالقدر ذاته، بل يضيق تركيزه على المعلومات التي تهم في اللحظة ويهمل ما سواها، ثم يعيد ترتيب أولوياته كلما تغير الموقف. والنتيجة عمل أقل لأجل نتيجة مقاربة، إذ يوفر النموذج على نفسه معالجة ما لا يحتاج إليه.

وتذكر الأدبيات الصينية مواضع بعينها لهذه النماذج المصغرة، مثل الطائرات المسيرة، والزوارق البحرية غير المأهولة، وعُقد السيطرة على إطلاق النار في الخطوط الأمامية. وهذه كلها أماكن لم يكن الذكاء الاصطناعي يصلها، ليس وفقا لقرار سياسي، وإنما لحدود مادية. فالطائرة المسيرة تحمل بطارية محدودة، ووصلة اتصال ضيقة أو مقطوعة، ولا يتسع جسمها لعتاد ثقيل. والنموذج الذي يعمل في هذه الظروف ليس نموذجا أفضل، وإنما نموذج يكفي. وتذكر الأدبيات كذلك الحرب الإلكترونية، عبر دمج مدخلات الرادار والأقمار الصناعية والطائرات المسيرة في صورة واحدة.

BEIJING, CHINA - JUNE 26: A visitor poses for a friend in front of a billboard showing a humanoid robot in the AI section at the Chinese International Supply Chain Expo (CISCE) on June 26, 2026 in Beijing, China. China is investing heavily in artificial intelligence and robotics, pouring billions of dollars into what the government sees as the country’s next economic engine. There are thousands of Chinese companies across a sprawling sector that includes humanoid robot and embodied intelligence, AI models, factory automation, and AI for autonomous systems. China remains in a race with the United States for dominance in AI technologies with products that are cheaper to manufacture and have commercial appeal. (Photo by Kevin Frayer/Getty Images)
الصين تصنع نماذج ذكاء اصطناعي مصغرة للطائرات المسيرة، والزوارق البحرية غير المأهولة، وهي أماكن لم يكن الذكاء الاصطناعي يصلها، لحدود مادية (غيتي)

وما تشتريه وحدات الجيش الصيني فعلا يظهر في الطلبات نفسها، ففي أغسطس/آب 2025 طلبت وحدة نظاما قائما على ديب سيك للترجمة بين اللغات، واستخلاص المعلومات الأساسية من الوثائق والإجابة عن الأسئلة وتوليد المستندات وتحليل مسارات الطيران ومقارنة الصور، وفي طلب آخر نظام قيادة وسيطرة لأسطول من المركبات غير المأهولة.

وفي مارس/آذار 2025 طلبت وحدة في مقاطعة آنهوي ميدانا سيبرانيا، وهو بيئة تدريب تحاكي الشبكات الحقيقية، يشترط أن يتكامل مع ديب سيك وغيره من النماذج الكبيرة، بقدرات وصفها الطلب بالهجوم الذكي والاختراق الذكي، وفي طلب رابع، طُلب توظيف نموذج ديب سيك لأنظمة الهجوم النفسي والدعاية.

ويصف خبراء عسكريون صينيون النموذج بوصفه بنية آخذة في التطور، يُراد لها أن تمتد على سلسلة القيادة والسيطرة كاملة، من الاتصالات والحوسبة إلى الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع. أي أن الطموح المعلن ليس أداة في زاوية، بل طبقة تمر بكل ما يفعله الجيش.

ويجب الوقوف عند مصدر هذه الأرقام، فالجامعة الوطنية لتكنولوجيا الدفاع مؤسسة صينية مرتبطة بالجيش، تقيم نظاما صينيا، وتنشر تقييمها في دوريات عسكرية صينية، ولا يوجد في المتاح بالإنجليزية قياس مستقل يؤكد نسبة الأربعين في المئة ولا غيرها، فهذه الأرقام تُقرأ بوصفها ما تقوله المؤسسة عن أدواتها، لا بوصفها نتيجة مختبر محايد.

“جوهر الفكرة الصينية هي تصغير النماذج حتى تعمل على عتاد متواضع”

غير أن هذا الوصف يعيدنا إلى حيث بدأنا، فإذا كان جوهر المسار الثاني تصغير النماذج حتى تعمل على عتاد متواضع، فإن التقطير ليس شيئا خارجا عنه، وإنما واحدة من تقنيات التصغير ذاتها، ومن هنا يصير خبر رويترز، الذي بدأنا منه، قابلا للقراءة على وجه آخر.

النماذج الأمريكية التي وردت أسماؤها في تلك الأوراق ليست من الطبقة المتقدمة، فأحدها كان “إنستراكت جي بي تي” وقد أطلقته أوبن إيه آي في عام 2022، وثانيها “جي بي تي-3.5” من العام ذاته، وثالثها كلود 3 هايكو، الصادر في مارس/آذار 2024، وهو أصغر طبقات عائلته وأرخصها. وهذه الثلاثة من طبقة سبقت بأجيال ما يُوصف اليوم بالنماذج المتقدمة. أي أن ما استُخلص، أيا كان، خرج من أنظمة تجاوزتها الشركات الصانعة نفسها منذ سنوات، وليس من الطبقة التي يدور حولها القلق اليوم.

التقطير يجعل النماذج تعمل بشكل معلم وتلميذ (مولدة بالذكاء الاصطناعي/الجزيرة)
التقطير يجعل النماذج تعمل بشكل معلم وتلميذ (صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي)

والمهام المذكورة ضيقة على الأرجح في عمومها؛ تلخيص شفرات برمجية، وتصنيف نصوص في بيئات محدودة العتاد. أما الحالتان الأكثر إثارة في المراجعة، وهما نموذج الطائرة المسيرة ونموذج التعرف على الأهداف في المناورة البحرية، فلم يُذكر فيهما نموذج أمريكي معلم. وهذا لا يعني انتفاء وجوده، بل يعني أن ما نُشر عنهما لا يذكره.

والأرقام الكبيرة التي رافقت القصة تخص جهة أخرى، فالستة عشر مليون محادثة التي أعلنت عنها أنثروبيك جاءت من مختبرات تجارية وليس من الجيش الصيني. وبحسب توزيعها، نفذت مينيماكس أكثر من ثلاثة عشر مليونا منها موجهة إلى قدرات البرمجة واستخدام الأدوات، ونفذت مونشوت نحو ثلاثة ملايين وأربعمئة ألف، أما ديب سيك فأكثر من مئة وخمسين ألفا. أي أن أربعة أخماس هذا النشاط استهدف مساعدات البرمجة، وهي منتج تجاري تتنافس فيه الشركات، وليس قدرة عسكرية.

وخلاصة مؤسسة جيمس تاون ذاتها أقل حدة من العناوين التي حملتها التغطيات، إذ تقول إن دور التقطير في منظومة الذكاء الاصطناعي الصينية “ليس حاسما، لكنه إشكالي”.

ويتفق هذا مع ما تقوله أبحاث التقطير، فدراسة في قوانين قياس التقطير تجد أن المعلم الأكبر لا ينتج بالضرورة تلميذا أفضل، وأن للمعلم حجما أمثل يتراجع أداء التلميذ إذا تجاوزه. ويصف تريفور كوفيركو، أحد مؤسسي شركة “سابين” (Sapien) لبيانات الذكاء الاصطناعي، التقطير بقوله إنه “نقل قدرات منتقاة إلى نظام أرخص خاضع لسيطرة محلية”.

ولهذه القراءة حدودها، فمؤسسة جيمس تاون تنبه إلى أن الدوريات الصينية تنشر بعد سنة أو سنتين من إجراء التجربة، ولذلك فما نراه أرضية القدرة الحالية وليس سقفها. وورقة ديب سيك عن نموذجها “أر1” (R1) تجد أن التقطير قد يعطي نتائج أفضل من أساليب ضبط أخرى. وأعلنت غوغل عن حملة تجاوزت مئة ألف طلب، صممت لاستنساخ قدرة الاستدلال في نموذجها جيميناي بلغات غير الإنجليزية.

فالصين إذن تبني على عتاد أقل، بأدوات من بينها التقطير، وهي أدوات صغيرة تكفي لمواضع بعينها. ويبقى سؤال لم يُطرح في شيء من هذا: هل تعمل هذه الأدوات فعلا؟ والجواب موجود، ومصدره غير متوقع.

الرهان المزدوج.. الجيش الصيني بين رقائق إنفيديا وسيليكون هواوي
ديب سيك ترى في التقطير أسلوبا أفضل من أساليب أخرى (رويترز)

رأي المشتري في البضاعة

أقسى ما قيل في هذه الأدوات لم يصدر من واشنطن، بل صدر من مؤسسات عسكرية صينية، في دورياتها الخاصة، وهي تكتب لقرائها من الضباط وليس للجمهور العام، إذ يلاحظ خبراء في أكاديمية المدفعية والدفاع الجوي التابعة للجيش الصيني أن نموذج “أر1” (R1)، وهو نموذج ديب سيك المخصص للاستدلال خطوة بخطوة، أكبر من أن يُنشر ميدانيا على منصات صغيرة ذاتية التشغيل. أما النموذج الأصغر منه “في 3” (V3) فأضعف في عمق الاستدلال، ويُنتج أحيانا مخرجات تكتيكية غير مستقرة أو عالية الخطورة، منها توزيع أهداف مفرط العدوانية. أي أن النظام قد يقترح ضرب ما لا يستحق الضرب، أو يوصي بقوة أكبر مما يقتضيه الموقف.

وتذكر معاهد بحث دفاعية صينية ثلاث مشكلات أخرى، الأولى تذبذب زمن الاستجابة، أي أن النموذج يجيب سريعا مرة وبطيئا مرة، والإجابة المتأخرة في المعركة إجابة خاطئة. والثانية ضعف قابلية التكرار تحت ضغط الشبكة، أي أن المدخل الواحد قد يُنتج مخرجا مختلفا حين تضعف الاتصالات، وهو ما يجعل النظام غير موثوق في اللحظة التي يُحتاج إليه فيها، والثالثة أن الاختبارات أُجريت على عينات صغيرة، فلا تسمح بثقة إحصائية في النتائج.

ويضيف آخرون تحفظات من نوع مختلف، مثل انكشاف الشفرات البرمجية، واحتمال التلاعب بالنموذج من خصم يعرف كيف يخدعه، وتسرب البيانات، وسلاسل قرار مغلقة لا يرى المستخدم كيف انتهت إلى ما انتهت إليه، وهو ما يُضعف الرقابة البشرية في العمليات القاتلة.

لا يكشف السجل العلني للجيش الصيني عن “هزيمة مطلقة” لسياسة الحظر الأمريكي أو انتصار كاسح لها، ولا يفصح أيضا عن “معجزة تكنولوجية” صينية مكتملة وإن كان يظهر تكيفا واضحا. والواقع أكثر تعقيدا من كل هذا: هناك إستراتيجية صينية مزدوجة تعتمد على سد الفجوة قصيرة المدى بتقنيات مثل “التقطير” والأسواق الرمادية للرقائق، بالتوازي مع بناء بديل محلي طويل المدى. وإذا كانت الصين قد نجحت في تصغير النماذج وتشغيلها على عتاد أقل كلفة، فإن التحدي الفعلي يكمن في مدى موثوقية هذه الأنظمة وكفاءتها حين تتحكم في قرارات الميدان.

 

المصدر: الجزيرة