تتغير أساليب الهجمات الإلكترونية مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى أدوات المهاجمين، إذ تتيح هذه التقنيات تسريع تحليل المعلومات، وصياغة رسائل الاحتيال، وكتابة الشيفرات البرمجية، وأتمتة بعض مراحل الاختراق، ويمنح ذلك بعض المهاجمين قدرة على تنفيذ عمليات أوسع بوقت وجهد أقل، حتى إن لم يمتلكوا جميع المهارات التقنية التي كانت تتطلبها هذه المهام سابقا، لكنه لا يجعل اختراق الأنظمة المعقدة سهلا أو مضمون النجاح.
وتسلط الهجمات التي شهدتها كوريا الجنوبية واليابان الضوء على هذا التحول، وسط مخاوف من توظيف الأدوات الذكية في استهداف المؤسسات المالية والشركات، ويثير هذا التطور تساؤلات بشأن مدى انخفاض الحواجز التقنية أمام المهاجمين، وقدرة المؤسسات على تطوير دفاعات تواكب هجمات أسرع وأكثر قابلية للتوسع.

هجمات كوريا الجنوبية واليابان تثير المخاوف
أفادت وكالة رويترز، في تقرير لها قبل يومين، بتصاعد المخاوف من الهجمات الإلكترونية في كوريا الجنوبية واليابان، بالتزامن مع مؤشرات على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتسريع بعض العمليات الهجومية.
قصص مقترحة
list of 2 items
end of list
وفي كوريا الجنوبية، أثارت حوادث اختراق وتسريب بيانات مرتبطة بمؤسسات مالية مخاوف بشأن أمن الأنظمة التي تربط البنوك بجهات خارجية، وتناولت تقارير إعلامية تعرض بيانات عملاء في مؤسسات مالية للكشف، مع ترجيحات بأن بعض الهجمات استهدفت بوابات يستخدمها وسطاء القروض ومزودو الخدمات، بدلا من اختراق شبكات المدفوعات الأساسية للبنوك مباشرة.
كما وردت تقارير عن الاشتباه في استخدام أداة تحمل اسم أرتكس (Artex)، قيل إنها تستعين بالذكاء الاصطناعي لتحديد الثغرات واختبارها، غير أن الاشتباه في استخدام الأداة لا يثبت أنها كانت سبب جميع الاختراقات، ولا أن تنفيذ الهجمات تم بصورة مستقلة من دون تدخل بشري.
وفي اليابان، تناولت التغطية حوادث إلكترونية طالت شركات ومؤسسات، من بينها دايوا سيكيوريتيز وسوفت بنك ولاوسون، في ظل تنامي المخاوف من استخدام التقنيات الذكية في الأنشطة الإجرامية، وتوضح هذه الحوادث أن المخاطر لا تقتصر على قطاع واحد، بل تمتد إلى الخدمات المالية والاتصالات والقطاعات الاستهلاكية.
كيف يخفض الذكاء الاصطناعي كلفة الهجوم؟
تكمن أهمية الذكاء الاصطناعي في قدرته على اختصار الوقت اللازم لإنجاز مهام متعددة، وليس بالضرورة في ابتكار أساليب اختراق جديدة. فقد يستخدمه المهاجم لتحليل المعلومات المنشورة عن مؤسسة، والبحث عن نقاط ضعف محتملة، وكتابة شيفرات برمجية، أو تكييف رسائل الاحتيال وفق لغة الضحية وطبيعة عملها.
وعندما تُدمج هذه القدرات بأدوات تنفذ المهام تلقائيا، يمكن إنجاز مراحل متتابعة بسرعة أكبر وبقدر أقل من التدخل البشري، وقد يؤدي ذلك إلى خفض تكلفة بعض العمليات، وزيادة عدد الأهداف التي يستطيع المهاجم التعامل معها في الفترة نفسها.
وأشارت مجموعة غوغل للاستخبارات التهديدية، في تقرير نشرته في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، إلى رصد جهات تهديد تستخدم الذكاء الاصطناعي في مراحل مختلفة من عملياتها، تشمل الاستطلاع وصياغة رسائل التصيد وتطوير البرمجيات الخبيثة ومحاولات استخراج البيانات.
كما رصدت المجموعة نماذج أولية من برمجيات خبيثة تستعين بالنماذج اللغوية أثناء التشغيل لتوليد وظائف أو تعديل سلوكها، وأوضحت أن هذه القدرات متفاوتة النضج، لكنها تشير إلى اتجاه نحو عمليات هجومية أكثر قابلية للتكيف.

رسائل التصيد تصبح أكثر إقناعا
يعد التصيد الاحتيالي من المجالات التي يمكن أن يستفيد فيها المهاجمون من الذكاء الاصطناعي، إذ تعتمد هذه الهجمات على خداع المستخدم لدفعه إلى كشف بيانات الدخول أو فتح رابط ضار أو تحويل الأموال إلى جهة غير مشروعة.
ويمكن للنماذج الذكية صياغة رسائل سليمة لغويا ومصممة وفق سياق محدد، ما يقلل بعض العلامات التقليدية التي كان المستخدمون يعتمدون عليها لاكتشاف الاحتيال، مثل الأخطاء الإملائية والصياغات الركيكة، كما يمكن استخدامها لتخصيص الرسائل وفق المعلومات المتاحة عن الضحية أو المؤسسة المستهدفة.
وذكر تقرير الدفاع الرقمي لشركة مايكروسوفت لعام 2025 أن رسائل التصيد المؤتمتة بالذكاء الاصطناعي سجلت معدل نقر بلغ 54% في الاختبارات التي استند إليها التقرير، مقابل 12% لمحاولات تقليدية، وتعكس هذه النتيجة أداء الرسائل ضمن الاختبارات المعنية، ولا تعني أن جميع حملات التصيد المدعومة بالذكاء الاصطناعي تحقق المعدل نفسه.
وتكمن الخطورة في أن الرسائل الأكثر إقناعا قد تساعد المهاجم على سرقة بيانات الدخول، ثم استخدامها للوصول إلى أنظمة داخلية أو تنفيذ عمليات احتيال مالي، خصوصا إذا كانت المؤسسة تفتقر إلى وسائل تحقق إضافية.
هل أصبحت القرصنة ممكنة من دون خبرة؟
يقلل الذكاء الاصطناعي بعض متطلبات الخبرة التقنية، لكنه لا يلغي الحاجة إليها في جميع الحالات، فقد يتمكن مهاجم محدود الخبرة من تنفيذ مهام كانت تتطلب سابقا معرفة أوسع بالبرمجة أو تحليل الأنظمة، خصوصا عند استخدام أدوات جاهزة. لكن استغلال ثغرة فعلية بنجاح، وتجاوز وسائل الحماية، والحفاظ على الوصول إلى شبكة مستهدفة، وتجنب اكتشاف النشاط، تظل تحديات قد تتطلب مهارات متقدمة.
وتقدم شركة أنثروبيك مثالا على الاستخدام الأكثر تقدما لهذه التقنيات، ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قالت الشركة إنها اكتشفت حملة تجسس إلكتروني نسبتها بدرجة ثقة عالية إلى جهة مدعومة من الصين، استهدفت نحو 30 مؤسسة حول العالم، وحققت اختراقات مؤكدة في عدد محدود منها.
ووفق تحقيق الشركة، استخدمت أداة كلود كود (Claude Code) لتنفيذ أجزاء كبيرة من مراحل الهجوم بصورة مؤتمتة، مع بقاء البشر مسؤولين عن اختيار الأهداف وتوجيه العملية في مراحل مختلفة، وتستند هذه التفاصيل إلى تحقيق الشركة المطورة للأداة، ولا تمثل حكما مستقلا على جميع جوانب الحملة.
وتوضح هذه الحالة أن تقييم خطورة المهاجم لم يعد مرتبطا بمهاراته الفردية وحدها، بل أيضا بالأدوات المتاحة له وقدرته على ربطها ضمن سلسلة متكاملة من العمليات. ومع ذلك، فإن امتلاك نموذج ذكي لا يمنح المهاجم تلقائيا وصولا إلى الأنظمة المحمية، ولا يضمن نجاح الهجوم.

البنوك والشركات الصغيرة أمام مخاطر متزايدة
لا تنتهي المخاطر عند لحظة الاختراق، إذ يمكن استخدام البيانات المسروقة في إعداد حملات تصيد أكثر إقناعا، أو انتحال هوية العملاء، أو الاحتيال المالي، أو ابتزاز المؤسسات، وفي القطاع المصرفي، قد يؤدي كشف بيانات العملاء عبر نظام تابع لجهة خارجية إلى تكاليف التحقيق والمعالجة، فضلا عن الأضرار التي تلحق بثقة العملاء.
وتشير وكالة الاتحاد الأوروبي للأمن السيبراني (ENISA)، في تقريرها عن مشهد التهديدات لعام 2025، إلى استمرار التصيد واستغلال الثغرات ضمن أبرز طرق الوصول الأولي إلى الأنظمة، مع تنامي المخاوف من أن يؤدي استخدام الذكاء الاصطناعي في الأنشطة الإجرامية إلى زيادة سرعة الحملات وحجمها.
وتواجه الشركات الصغيرة تحديات إضافية بسبب محدودية ميزانياتها وفرق الأمن السيبراني لديها. لذلك، لا تقتصر الاستجابة على شراء أدوات دفاعية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، بل تبدأ بتحديث البرامج وإغلاق الثغرات المعروفة، وتفعيل المصادقة متعددة العوامل، وتقليص صلاحيات الوصول، ومراقبة الأنشطة المشبوهة، والاحتفاظ بنسخ احتياطية آمنة للبيانات.
وتوصي الممارسات التي تعرضها غوغل كلاود، استنادا إلى خبرات فرق الاستجابة للحوادث التابعة لشركة مانديانت، بتطبيق دفاع متعدد الطبقات، وتعزيز مراقبة الأنظمة، والاستعداد للاستجابة للحوادث بدل الاكتفاء بمحاولة منعها.
الذكاء الاصطناعي في الهجوم والدفاع
في المقابل، تستطيع المؤسسات استخدام الذكاء الاصطناعي لفرز التنبيهات الأمنية، وتحليل السجلات، واكتشاف السلوك غير المعتاد، وتسريع الاستجابة للحوادث. لكن فاعلية هذه الأدوات تعتمد على جودة البيانات، ودقة الأنظمة، ووجود إشراف بشري وضوابط تمنع القرارات الخاطئة، ولا تغني عن أساسيات الأمن السيبراني.
ويتمثل التحدي في أن أدوات الذكاء الاصطناعي قد تساعد المدافعين والمهاجمين معا، لكن قدرات الطرفين لا تتطور بالضرورة بالسرعة نفسها، كما تختلف النتائج وفق طبيعة الأنظمة المستهدفة ومستوى الحماية والخبرة المتاحة.

وفي المحصلة، لا يجعل الذكاء الاصطناعي كل مستخدم قادرا على اختراق بنك، لكنه يغير توزيع القدرات داخل عالم الجريمة الإلكترونية، إذ يساعد بعض المهاجمين على إنجاز مهام أكثر بسرعة أكبر، وتوسيع نطاق عملياتهم دون زيادة متناسبة في الموارد البشرية، وتبدأ المواجهة الفعالة بتقليص الثغرات التي يمكن استغلالها، واكتشاف الاختراق مبكرا، والحد من الأضرار قبل أن تتحول البيانات المسروقة إلى موجة جديدة من الاحتيال.
المصدر: الجزيرة