تدفع أدوات الذكاء الاصطناعي القادرة على كتابة الشيفرات البرمجية وإنجاز المهام التقنية شركات التوظيف إلى إعادة النظر في أساليب تقييم المرشحين للوظائف، إذ لم تعد النتيجة النهائية وحدها كافية للكشف عن مستوى فهم المتقدم للمشكلة وقدرته على اتخاذ القرارات، وفي هذا السياق، تتجه بعض المنصات إلى تقييم طريقة التفكير والخطوات المتبعة في حل المشكلات، إلى جانب المهارات التقنية.
وتقدم شركة هاكر رانك (HackerRank)، المتخصصة في تقييم المهارات التقنية، نموذجا لهذا التوجه من خلال أداة شاكرا (Chakra)، وهي وكيل ذكاء اصطناعي يجري مقابلات مع المرشحين للوظائف، ويتابع تعاملهم مع المهام البرمجية، ويطرح أسئلة إضافية لفهم قراراتهم وطريقة عملهم.

وأعلنت الشركة إتاحة الأداة لعملائها في 5 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، بعد نحو 6 أشهر من اختبارات تجريبية، ووفق تقرير نشره موقع تك كرانش الأمريكي، قالت هاكر رانك إن الأداة أجرت أكثر من 500 ألف مقابلة خلال فترة الاختبار، وإن متوسط تقييم المرشحين لتجربتهم تجاوز 4.8 من 5، لكن تظل هذه الأرقام هي بيانات أعلنتها الشركة، ولا تمثل تقييما مستقلا لدقة الأداة أو قدرتها على اختيار الموظفين الأكثر كفاءة.
قصص مقترحة
list of 2 items
end of list
من اختبار البرمجة إلى محاكاة العمل
تختلف “شاكرا” عن اختبارات البرمجة التقليدية التي تركز على حل مسألة محددة، إذ يعمل المرشح، وفق وصف تك كرانش، داخل بيئة تطوير تتضمن مستودعا برمجيا ومساعدا للذكاء الاصطناعي، وينفذ مهمة تحاكي تحديا يمكن أن يواجهه في الوظيفة.
وتتابع الأداة خطوات المرشح وتطرح أسئلة حول أسباب اختياره حلا معينا، أو كيفية تعديله إذا تغيرت شروط المهمة، وتهدف هذه الآلية إلى تقييم مسار العمل، وليس النتيجة النهائية وحدها.
وتزداد أهمية هذا النهج مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي القادرة على كتابة الشيفرات واقتراح الحلول، إذ قد يصل المرشح إلى نتيجة صحيحة بمساعدة هذه الأدوات، من دون أن تعكس النتيجة وحدها مدى فهمه للمشكلة أو قدرته على تقييم الحلول واختيار الأنسب منها.
وقال فيفيك رافيسانكار، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لهاكر رانك، لموقع تك كرانش، إن تقييم المخرجات النهائية لم يعد كافيا في ظل قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج أعمال جاهزة، ما يعزز الحاجة إلى تقييم التفكير والحكم المهني اللذين يقفان وراءها.
مهارات تتجاوز صحة الشيفرة
لا تقتصر “شاكرا” على تقييم صحة الشيفرة البرمجية، بل تستهدف أيضا مهارات التفكير النقدي، واتخاذ القرارات، وحل المشكلات، وما تسميه الشركة الطلاقة في استخدام الذكاء الاصطناعي (AI Fluency).
ويشير المصطلح إلى قدرة المرشح على صياغة المشكلة بوضوح، وتقييم المخرجات التي تنتجها الأدوات الذكية، واكتشاف أوجه القصور فيها، وتوجيهها نحو حلول مناسبة، وهي مهارات تزداد أهميتها مع دخول المساعدات الذكية في العمل اليومي للمطورين.
وتوضح الشركة أن نظامها يقدم درجات للمهارات المختلفة، إلى جانب نقاط القوة والقصور، بالاستناد إلى أدلة من إجابات المرشح والعمل الذي ينجزه أثناء المقابلة. لكن وجود معايير محددة لا يثبت وحده دقة التقييم؛ إذ يتطلب ذلك التحقق من مدى ارتباط الدرجات بأداء المرشحين الفعلي بعد التوظيف، وقدرة النظام على التمييز بين من يفهم الحل ومن يعتمد على اقتراحات الذكاء الاصطناعي دون استيعابها.
مقابلة واحدة بدلا من 3 مراحل
يمتد التغيير الذي تراهن عليه هاكر رانك إلى تنظيم عملية التوظيف، وبحسب رافيسانكار، يمكن أن تجمع مقابلة واحدة باستخدام “شاكرا” بين المقابلة الأولية مع مسؤول التوظيف، والاختبار الذي ينجزه المرشح في المنزل، ومقابلة المتابعة مع مهندس.
وقد يساعد هذا النموذج، إذا أثبت فاعليته، على تقليل الوقت اللازم لتقييم المتقدمين وجمع معلومات أكثر عن مهاراتهم في جلسة واحدة. لكن ذلك يظل هدفا تسعى الشركة إلى تحقيقه، ولا يثبت أن جميع المؤسسات التي جربت الأداة استغنت عن مراحل التوظيف التقليدية.
وذكر موقع تك كرانش أن شركات سنوفليك (Snowflake) وسنوركل (Snorkel) وكابجيميني (Capgemini) جربت الأداة خلال الفترة التجريبية، من دون أن يعني ذلك اعتمادها جميعا بديلا كاملا لأساليب التقييم السابقة.

الغش والتحيز.. اختبار المصداقية
فيما يتعلق بالنزاهة، نقل تك كرانش عن رافيسانكار قوله إن مؤشرات النشاط المشبوه في مقابلات “شاكرا” انخفضت بنسبة تتراوح بين 70% و80% مقارنة باختبارات تقليدية مماثلة على منصة الشركة، مع اختلاف النتائج بحسب المنطقة الجغرافية ومستوى الخبرة.
وعزا رافيسانكار ذلك إلى السماح باستخدام الذكاء الاصطناعي أثناء المقابلة، بما قد يقلل لجوء المرشحين إلى أدوات خارجية بصورة غير معلنة. ومع ذلك، تظل النسبة نتيجة أعلنتها الشركة، ولم يقدم التقرير دراسة مستقلة تثبتها، كما أن انخفاض المؤشرات المشبوهة لا يعني اختفاء الغش أو استحالة التحايل على آليات التقييم.
وتثير هذه الأنظمة أيضا مخاوف بشأن التحيز، خصوصا عندما تؤثر درجاتها في فرص المرشحين، وتقول هاكر رانك إنها تستخدم معايير محددة لكل وظيفة، وتقارن درجات الذكاء الاصطناعي بتقييمات الخبراء البشريين، وتجري تحليلات للتحيز بمشاركة جهات خارجية. لكن التحقق من فاعلية هذه الإجراءات يتطلب الاطلاع على نتائج تدقيق مستقلة.

وتفرض مدينة نيويورك، بموجب القانون المحلي رقم 144، متطلبات للتدقيق المستقل للتحيز والإفصاح للمرشحين عند استخدام أدوات معينة لاتخاذ قرارات التوظيف الآلية، ضمن نطاق انطباق القانون. فيما تؤكد الشركة أن “شاكرا” تقدم تقييما للمرشحين، بينما يبقى قرار التوظيف النهائي مسؤولية البشر.
في المحصلة، يرى الخبراء أن تجربة هاكر رانك تعكس تحولا نحو تقييم طريقة التفكير واستخدام الذكاء الاصطناعي، إلى جانب المهارات التقنية، غير أن نجاح هذا النموذج سيعتمد على قدرته على قياس الكفاءة الفعلية، وتقديم نتائج قابلة للتحقق، والحد من التحيز، مع ضمان بقاء القرارات النهائية خاضعة للمراجعة البشرية.
المصدر: الجزيرة