لم يعد “الخط الأصفر” في قطاع غزة مجرد علامة تفصل بين مواقع انتشار القوات الإسرائيلية والمناطق التي يعيش فيها الفلسطينيون، بل تحول -وفق منظمة هيومن رايتس ووتش– إلى حدود متحركة تتقدم غربا، وتبتلع مزيدا من الأراضي والمنازل والمرافق الحيوية.
وحذرت المنظمة، في تقرير أصدرته بمناسبة مرور عام على اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ يوم 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، من أن إسرائيل تواصل توسيع نطاق سيطرتها داخل القطاع، بينما تتزايد الدعوات الإسرائيلية إلى اعتبار الخط حدودا جديدة.
قصص مقترحة
list of 2 items
end of list
وبحسب التقرير، باتت المنطقة الواقعة خلف “الخط الأصفر” تشمل نحو 64% من مساحة غزة، بينما يُحشر نحو 2.1 مليون فلسطيني في مساحة تتقلص تدريجيا، مع منع السكان من العودة إلى منازلهم الواقعة في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.
حدود تتحرك غربا
كان يفترض أن يمثل “الخط الأصفر” الحد المتفق عليه لوجود القوات البرية الإسرائيلية بموجب ترتيبات وقف إطلاق النار، لكن المنظمة تقول إن القوات الإسرائيلية نقلته غربا، متجاوزة الحدود المحددة له.
ولا يقتصر أثر هذا التحرك على تغيير مواقع الانتشار العسكري، إذ يؤدي، بحسب التقرير، إلى تهجير مزيد من السكان وحرمانهم من الوصول إلى منازلهم وأراضيهم.
ونقلت المنظمة عن مسؤولين إسرائيليين وصفهم الخط بأنه “الحدود الجديدة” لإسرائيل، في مؤشر إلى مخاوف من تحويل ترتيبات عسكرية يفترض أن تكون مؤقتة إلى واقع جغرافي دائم.
وفي يونيو/حزيران الماضي، وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية استشهاد 196 فلسطينيا قرب الخط، بينما أدى تحركه غربا إلى وقوع نقاط مياه ومرافق صحية إضافية ضمن المناطق التي يتعذر على الفلسطينيين الوصول إليها.
تهجير يتواصل
وربطت هيومن رايتس ووتش بين توسيع السيطرة الإسرائيلية والتصريحات الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين بشأن دفع الفلسطينيين إلى مغادرة القطاع.
وأشارت إلى مقترح طرحه وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير في سبتمبر/أيلول الماضي تحت اسم “خطة فك الارتباط 710″، يهدف إلى إفراغ غزة من سكانها خلال سبع سنوات، وإنشاء وزارة تتولى تشجيع ما يسميه “الهجرة الطوعية”.
ورأت المنظمة أن استمرار التهجير ومنع العودة، إلى جانب هذه التصريحات، يعزز المخاوف من تنفيذ سياسات ترمي إلى إبعاد الفلسطينيين عن أراضيهم بصورة دائمة.
وقف إطلاق نار بلا أمان
تأتي هذه التطورات رغم مرور عام على وقف إطلاق النار، الذي تقول المنظمة إن الانتهاكات الإسرائيلية استمرت خلاله.
ووفق الأرقام التي نقلتها عن وزارة الصحة في غزة، قتلت الهجمات الإسرائيلية منذ بدء الاتفاق ما لا يقل عن 1400 فلسطيني، وأصابت 4881 آخرين، ليرتفع إجمالي الشهداء منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى أكثر من 74 ألفا، بينهم أكثر من 21 ألف طفل.
وقالت سارة سنبر، الباحثة في شؤون إسرائيل وفلسطين لدى هيومن رايتس ووتش، إن العالم الخارجي ربما يتوهم أن الحياة في غزة تعود إلى طبيعتها، بينما يواصل السكان العيش في الخيام تحت القصف، دون غذاء أو مياه شرب كافية.
أرض تضيق ومأوى ينهار
يتزامن تقلص المساحة المتاحة للسكان مع أزمة مأوى حادة، إذ يفتقر 94% من سكان القطاع إلى سكن ملائم، بحسب بيانات مجموعة المأوى في فلسطين التي استندت إليها المنظمة.
كما دُمر نحو ثلثي الوحدات السكنية، وتعرض كثير مما تبقى لأضرار جعلته غير آمن، بينما أظهر مسح شمل قرابة ألفي أسرة أن أكثر من نصفها يعيش في الخيام.
وفي سبتمبر/أيلول الماضي، انهار مبنى متضرر كان يؤوي نحو 100 شخص، مما أسفر عن مقتل 21، بينهم 12 طفلا.
وتشير المنظمة إلى أن احتياجات التعافي وإعادة الإعمار تُقدّر بنحو 71.4 مليار دولار خلال العقد المقبل، لكن أعمال إعادة الإعمار لم تبدأ بعد، رغم الوعود الدولية.
من يرسم حدود غزة؟
وحذرت هيومن رايتس ووتش من أن استمرار تحريك “الخط الأصفر” قد يكرس واقعا تُفرض فيه حدود القطاع بالقوة، بدلا من ترتيبات وقف إطلاق النار.
وطالبت المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المدنيين، ورفض التهجير القسري والتطهير العرقي، وضمان المساءلة عن الانتهاكات، وتهيئة الظروف لإعادة إعمار القطاع.
المصدر: الجزيرة