على خلفية تمتزج فيها أصوات التحذيرات من أخطار الذكاء الاصطناعي وخروجه عن السيطرة مع الاختراقات الفعلية التي تسببت فيها التقنية الناشئة، ينظر القانونيون إلى زاوية غابت عن الكثيرين، وهي المسؤولية القانونية والمالية عن آثار هذه الاختراقات.
وتتصدر الولايات المتحدة الجدل الدائر حول المسؤولية القانونية عن الذكاء الاصطناعي لأنها تحتضن كبرى الشركات العاملة في التقنية، فضلا عن حدوث جزء كبير من الاختراقات داخلها.
قصص مقترحة
list of 2 items
end of list
وكانت المسؤولية القانونية والمالية عن الذكاء الاصطناعي في مقدمة نقاشات قوة الذكاء الخارق الجديدة التي أسسها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، إذ تتبنى نهجا يحاكي القوانين الحالية.
ونال نهج تحميل مطوري الذكاء الاصطناعي المسؤولية القانونية والمالية عن سلامة منتجاتهم دعم وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت ومسؤول الذكاء الاصطناعي السابق في البيت الأبيض ديفيد ساكس.
ويرى بيسنت وساكس أن القوانين الحالية فعالة بشكل مناسب، حسب تقرير نشرته وكالة بلومبيرغ الإخبارية الأمريكية.

قوانين تمهد الطريق لنزاعات قضائية
وذهب ترمب إلى نقطة أبعد من ذلك، إذ رفض فرض ضمانات جديدة قائلا إن وزارة العدل يجب أن تتدخل إذا خرجت النماذج عن السيطرة.
كما أنذرت قوة الذكاء الخارق الشركات العاملة على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي بأنها مطالبة بالإفصاح عن أي حوادث أمنية تتسبب فيها نماذجها، فضلا عن وجوب حلها وإلا فستواجه عواقب غير محددة.
ويرجح تقرير بلومبيرغ أن الاعتماد على قوانين المسؤولية المالية والقانونية الحالية يمهد الطريق أمام نزاعات مستقبلية حول من يتحمل التكلفة عندما تخرج النماذج عن السيطرة.
كما أفاد بأن مجموعة من خبراء القانون يرون أن القوانين الحالية ليست قوية بما يكفي لتمكين الحكومة الاتحادية من محاسبة وكلاء الذكاء الاصطناعي على الأضرار التي يتسببون بها.

ويعود السبب في ذلك إلى قلة السوابق القانونية لتحديد المسؤول عن الأضرار التي تتسبب فيها النماذج حتى وإن كان هناك ضحايا واضحون.
ومما يزيد تحديد المسؤولية تعقيدا، أن سلوك النماذج النهائي يتشكل بفعل المطور والمستخدم الأخير للأنظمة، فقد لا تحمل آليات تطوير النماذج أي نيات سيئة لتُدرَّب عليها لاحقا من قبل المستخدمين.
واكتسبت الأسئلة المتعلقة بالمسؤول عن انحراف الذكاء الاصطناعي إلحاحا جديدا مع تزايد حوادث الانحراف وزيادة معدل تبني الشركات المختلفة للتقنية، إذ بدأت كبرى شركات وول ستريت وبائعو التجزئة وشركات الطيران تبني هذه الأدوات.
كما أن جزءا من عملاء هذه الشركات ومتبني تقنياتها يقعون خارج النطاق القانوني للولايات المتحدة، فهل ستسري عليهم مثل هذه القوانين؟
ويرتكز السؤال الأساسي حول المسؤول عن انحراف الذكاء الاصطناعي في نقطة رئيسية، فرغم أن الشركات هي التي تطور التقنية الأساسية للنماذج، فإن المستخدم النهائي هو من يوكل إليها المهام ويطلب تنفيذها.
ويزداد تعقيد المسألة القانونية عند النظر إلى أسباب انحراف نماذج الذكاء الاصطناعي، فقد يطلب المستخدم منها أمرا عاديا لتتخذ هي من طرفها إجراءات غير قانونية، مثلما حدث في حالات الاختراق السابقة.
مطالبات بملايين الدولارات
وفي سياق متصل، تستعد شركات التأمين لمطالبات بملايين من الدولارات ناتجة من خروج وكلاء الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، وسط قلق متزايد من إمكانية تحميل كبار التنفيذيين مثل الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي سام ألتمان والرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك داريو أمودي المسؤولية عن أفعال نماذجهم، حسب تقرير صحيفة “فايننشال تايمز”.
وأشار التقرير إلى أن شركة الوساطة التأمينية “أون” (AON) الأمريكية وجدت أكثر من 300 قضية قانونية متعلقة بالذكاء الاصطناعي، وقد تكون ملزمة بدفع مطالبات بموجب وثائق تغطي الجرائم والملكية الفكرية والمسؤولية الإعلامية والأمن السيبراني وأخطاء وسهو التكنولوجيا.

ومن جانبه، أوضح تيم راينر رئيس الاكتتاب والمطالبات في المملكة المتحدة بشركة “فيريسك” (Verisk) الأمريكية أن سام ألتمان يتحمل المسؤولية في النهاية عن حادثة اختراق “هاغينغ فيس” الشهيرة بسبب غياب السيطرة على أعماله، وهو ما قد يجبر شركات التأمين على دفع تعويضات إليه بناء على الوثائق التي تعتمدها الشركة.
وفي النهاية، تتفق مجموعة من العاملين في مجال التأمين تحدثوا مع “فايننشال تايمز” على أن الرؤساء التنفيذيين في شركات الذكاء الاصطناعي قد يتحملون المسؤولية عن تصرفات النماذج التي تطورها شركاتهم، وهو ما قد يسقط حقهم في المطالبة بالتعويضات التأمينية الناتجة عن مقاضاتهم.
ولكن بسبب غياب السوابق القانونية لمثل هذه القضايا، فإنها لم تختبر بعد في المحاكم وقد يجد النظام القضائي الأمريكي أحكاما مختلفة فيما يتعلق بهذا الأمر.
أمريكا ليست الأولى
وكشف تقرير نشره موقع “بوليتكو” أن الولايات المتحدة ليست أول من يبحث عن قانون المسؤولية القانونية في قطاع الذكاء الاصطناعي، بل سبقتها بروكسل في ذلك.
ولكن، ألغى الاتحاد الأوروبي في العام الماضي خططا للتشريع بشأن المسؤولية والتعويض عن الأضرار التي تسببها نماذج الذكاء الاصطناعي ووكلائه، وهو المقترح الذي منحه ألتمان حياة جديدة بعد مقابلة حصرية مع بودكاست “ديكودد” (Decoded) التابع للموقع.

وقال ألتمان في البودكاست: “إذا حدث خطأ ما بنماذجنا أثناء التدريب، فسيتعين علينا التحلي بالمسؤولية عن ذلك بنحو ما”، وهو ما منح البرلمانيين الأوروبيين فرصة للمطالبة بإعادة إحياء مقترح قانون المسؤولية المُلغَى.
وكان مقترح المفوضية الأوروبية السابق بقانون المسؤولية عن الذكاء الاصطناعي قد أُجهِض في بروكسل وسط جهود واسعة لتخفيف القيود وتقليل العبء التشريعي على الشركات.
من يتحمل المسؤولية حقا؟
ورغم هذه المساعي القانونية المختلفة، يظل المسؤول عن أخطاء الذكاء الاصطناعي مجهولا بسبب الآلية الفريدة لعمل التقنية.
وسيتطلب الأمر جولات قضائية عدة على الأرجح حتى يُحدَّد المسؤول عن هذه التقنية الجديدة، كما قد نرى حالات مختلفة تتحمل فيها أطراف مختلفة المسؤولية.
وحتى يقرر القضاء من المسؤول عن الاختراقات التي تسببت فيها التقنية، ستظل الضحايا المتضررة منها دون تعويض أو حكم قانوني نهائي.
المصدر: الجزيرة