على خلفية الركام، يواصل طفل إعداد أطباق الطعام أمام الكاميرا، وفي مكان آخر، يصنع رجل مبتور الذراع الشاورما بيد واحدة، بينما يشق عريس طريقه بين أنقاض مخيم جباليا محمولا على أكتاف أصدقائه الذين يغنون ويرقصون احتفاء بزفافه.
ثلاثة مشاهد متفرقة في قطاع غزة، تجمعها محاولة مواصلة الحياة رغم الدمار والفقر والنزوح ومخاوف التهجير واستمرار القصف، فلا الطفل تخلى عن شغفه بالطبخ، ولا الرجل استسلم لفقدان ذراعه، ولا العريس وأصدقاؤه أجلوا الفرح إلى حين عودة المنازل والشوارع إلى ما كانت عليه.
ياسر.. مطبخ فوق الركام
لم تمنع ظروف الحرب ياسر عيّاد، الذي يُعرف بأنه أصغر شيف في قطاع غزة، من مواصلة شغفه بالطبخ، حتى بات يحظى بمتابعة مئات الآلاف على منصات التواصل الاجتماعي.
قصص مقترحة
list of 2 items
end of list
بين أنقاض المباني المدمرة، يظهر ياسر وهو يعد الأطباق ويشرح خطوات تحضيرها، محاولا تطوير موهبته في ظل شح الإمكانات وصعوبة الحياة اليومية.
وبينما تحولت مواقع التواصل إلى نافذة ينشر من خلالها وصفاته، اتسع جمهوره ليشمل متابعين من خارج القطاع.
لكن رحلة ياسر لم تقتصر على الطبخ، إذ عاش مع أسرته تجربة النزوح، وفقد والده الذي كان من أكبر الداعمين له والمشجعين على تنمية موهبته.
ويواصل ياسر الطبخ رغم فقدان والده، طامحا إلى تقديم الأكلات الفلسطينية والتراثية والتعريف بالمطبخ الفلسطيني وتنوعه.
“أبو دراع”.. شاورما بيد واحدة
في مشهد آخر، يقف شكري أبو سمرة أمام مشروعه الصغير لإعداد الشاورما، مستخدما يده اليمنى بعدما فقد ذراعه اليسرى في غارة إسرائيلية استهدفت منزل أسرته في بلدة جباليا شمالي قطاع غزة.
يروي أبو سمرة أن الصاروخ الذي أصاب المنزل أدى إلى استشهاد ابن شقيقه وبتر ذراعه.
ويستعيد اللحظة قائلا إن رأس ابن شقيقه سقط في حضنه، في وصف لواقعة تركت آثارها على حياته، قبل أن يقرر بدء مشروعه الخاص رغم الإصابة.
اختار الرجل لنفسه لقب “أبو دراع”، مستلهما شخصية ظهرت في المسلسل السوري الشهير “باب الحارة”، وأداها الممثل رامز أسود.
ولا يقتصر الأمر على الاسم؛ فعندما يتحدث، يقلد اللهجة السورية القديمة التي ارتبطت بشخصيات المسلسل، فيضيف إلى مشروعه طابعا خاصا يستوقف الزبائن.
ويقول أبو سمرة إنه بدأ مشروعه من الصفر، ويتولى إعداد الشاورما بيد واحدة، متكيفا مع الإصابة التي غيّرت تفاصيل حياته.
كما يواجه نقص غاز الطهي بالاعتماد على الفحم والحطب، في محاولة لتجاوز صعوبات التشغيل وتوفير مصدر دخل في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
زفة بين أنقاض جباليا
في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة، حيث يمتد الدمار على مساحات واسعة، يظهر مشهد مختلف عن المألوف في المكان: زفة عريس تتقدم بين الأنقاض.
شبان يرتدون ملابس أنيقة، وعريس ببدلة رسمية سوداء وربطة عنق، يحمله أصدقاؤه وأقاربه على أكتافهم، فيما تتعالى الأغاني والتصفيق، ويتحرك المشاركون في الزفة بالرقص وسط المكان المدمر.
وفي مقدمة الحشد، يحمل مصور كاميرا فيديو كبيرة لتوثيق المناسبة، كما لو أن المشهد يجري في أحد الأحياء التي لم تطلها الحرب.
لا يمحو الغناء آثار الحرب، ولا تعيد الزفة المنازل المدمرة إلى أصحابها، لكنها تكشف أن المناسبات الاجتماعية لم تختف تماما من حياة السكان، حتى في أكثر الأماكن تضررا.
تختلف حكايات ياسر عيّاد وشكري أبو سمرة، والعريس في مخيم جباليا، لكن المشترك بينها هو محاولة الاستمرار في ظروف فرضت على أصحابها خسائر وتغييرات قاسية.
المصدر: الجزيرة