بيع بضائع منهوبة بشوارع فرنسا.. ما حقيقة فيديو حصد ملايين المشاهدات؟

بعد أيام قليلة من احتجاجات فرنسا، التي رافقتها أعمال نهب وتخريب طالت محال تجارية رفضا لارتفاع تكاليف المعيشة وسوء الأوضاع في المدارس، انتشر على منصات التواصل مقطع فيديو زُعم أنه يوثق بيع منتجات منهوبة علنا في الشوارع.

ويُظهر المقطع باعة يفرشون على الأرصفة أزياء رياضية وحقائب جلدية بأحجام وأشكال مختلفة، قيل إنها من ماركات عالمية، وقد أمسك كل منهم بخيوط صغيرة متصلة بالمفارش التي تُعرض عليها البضائع.

وزعمت حسابات على المنصات الرقمية أن المقطع التُقط حديثا بأحد الشوارع الحيوية في فرنسا. وقد اكتسب رواجا ومصداقية واسعة بين المستخدمين لتزامنه مع أعمال نهب واضطرابات شهدتها عدة مناطق في البلاد خلال الأيام الماضية.

من بدأ الرواية؟

رصدت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة أن أول من نشر المقطع بهذا الادعاء حساب كوري على منصة إكس باسم (duritos7) وذلك في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2026.

منشور لحساب كوري تداول المقطع بادعاء بيع ماركات فاخرة بأسعار رخيصة في فرنسا (إكس)
منشور لحساب كوري تداول المقطع بادعاء بيع ماركات فاخرة بأسعار رخيصة في فرنسا (إكس)

وحصد المقطع على هذا الحساب وحده قرابة 7 ملايين مشاهدة، مرفقا بعبارة تقول إن ماركات فاخرة أصيلة تُلقى في الشارع ويقال إنها تُباع بأسعار رخيصة.

قصص مقترحة

list of 3 items

  • list 1 of 3هل حجبت فرنسا قصر الإليزيه عن الخرائط قبل المظاهرات؟
  • list 2 of 3“مسلمة تحرق علم فرنسا”.. حقيقة مقطع متداول يؤجج الهجوم على المهاجرين
  • list 3 of 3كيف قادت حسابات إسرائيلية ويمينية حملة لربط احتجاجات فرنسا بفلسطين؟

end of list

ومن هنا اجتاح المقطع المنصات وأُعيد تداوله بلغات مختلفة، مع ادعاءات بأن حقائب وقطعا تتجاوز أسعارها آلاف الدولارات تُباع الآن بتخفيضات هائلة بعد عمليات النهب.

وذهب البعض إلى الحديث عن خصومات تصل إلى 90%، فيما زعم آخرون أن قطعة كان سعرها قبل أيام 2000 يورو في متجر شهير تُباع اليوم بـ10 يوروهات فقط.

 

وسائل إعلام تتبنى الرواية

ولم يقتصر تداول الرواية على الناشطين والمدونين، بل تبنتها وسائل إعلام عربية وأجنبية، ما أضفى عليها مصداقية لدى المستخدمين الذين اعتبروا أن المشهد حقيقي والتُقط مؤخرا في فرنسا.

ونشرت صحف عربية المقطع على حساباتها الرقمية بعناوين لافتة، مثل “من واجهات المتاجر إلى الأرصفة.. في فرنسا الفخامة تباع بأرخص الأسعار” و”حقائب وساعات فاخرة مسروقة تباع علنا في شوارع باريس”.

وفي المقابل، أثار المقطع جدلا واسعا، إذ شكك بعض المستخدمين في أن تكون البضائع مسروقة فعلا، ورجح آخرون أنها مجرد بضائع مقلدة تُباع على الأرصفة بأسعار زهيدة.

إعلان

كما تساءل ناشطون عن سبب إمساك كل بائع بخيط، معتبرين ذلك دليلا على خشيتهم من سرقة بضائع منهوبة أصلا، واستغربوا عدم تمييز المشترين لمصدرها.

ما حقيقة المقطع؟

تحققت وحدة المصادر المفتوحة في الجزيرة من المقطع، وتبين أنه مضلل ولا يوثق بضائع منهوبة من باريس، ولم يُصوَّر في فرنسا أصلا.

كيف تحققنا؟

كشف التحليل البصري للمقطع عن لافتة تظهر بوضوح عند تغيّر زاوية التصوير، كُتب عليها “Gran Vía” وتعلوها لوحة إرشادية تحمل كلمة “مترو” فيما يوحي وجود سلم أسفل اللوحة بأنه مدخل محطة مترو.

التحليل البصري للمقطع يبرز لافتة المترو والسلالم المؤدية لمحطة باسم "غران فيا" (منصات التواصل)
التحليل البصري للمقطع يبرز لافتة المترو والسلالم المؤدية لمحطة باسم “غران فيا” (منصات التواصل)

وعند البحث عن اسم المحطة في غوغل، ظهرت خريطة رسمية على موقع “مترو مدريد” (Metro de Madrid) تؤكد أن “غران فيا” محطة رئيسية عاملة في قلب العاصمة الإسبانية، وتقع بالمنطقة المركزية (Zona A) عند تقاطع الخط 1 (الأزرق الفاتح) مع الخط 5 (الأخضر).

كما أظهرت الخريطة شعار اللافتة الإرشادية للمترو بالأبيض على خلفية تجمع الأزرق والأحمر، ما يرجح أن المقطع التقط في مدريد لا في أحد شوارع فرنسا.

خريطة رسمية لمترو مدريد توضح موقع محطة "غران فيا" عند تقاطع الخطين الأول والخامس (موقع مترو مدريد)
موقع محطة “غران فيا” عند تقاطع الخطين الأول والخامس (موقع مترو مدريد)

 

وبالاستعانة بصور أرشيفية من “خرائط غوغل” تطابق شكل اللوحة والمباني المجاورة مع المحطة، ما أكد موقع التصوير الحقيقي.

وتُعد “غران فيا” من أقدم وأهم محطات التبادل في شبكة النقل بالعاصمة الإسبانية، إذ يربطها ممر نفق سفلي مباشر بمحطة “سول” التابعة لشبكة قطارات الأقاليم، ما يجعلها نقطة تدفق رئيسية لمئات الآلاف من الركاب والزوار يوميا.

 

المقطع الأصلي سبق الاحتجاجات

وبالبحث العكسي عن المقطع، وصلت الوحدة إلى مصوّره الأصلي، وهو حساب صحفي باسم (Tomasz Słodki) نشره على حساباته في مواقع التواصل بتاريخ 29 سبتمبر/أيلول 2026، أي قبل أعمال النهب في المدن الفرنسية.

وأشار الصحفي على حساباته إلى أن المقطع التُقط فعلا في مدريد، وهو ما يتطابق مع بيانات الموقع على “خرائط غوغل”.

مقاطع أرشيفية لنفس الباعة

كما أفضى البحث بكلمات مفتاحية باسم الشارع إلى مقاطع سابقة منشورة في أوقات مختلفة، توثق وجود باعة في الموقع نفسه قرب المحطة الظاهرة بالمقطع المتداول.

 

ومن بينها مقطع فيديو صُوّر من الرصيف ذاته بالمقطع المتداول، إذ علّق ناشره عليه بأنه لم يكن بالإمكان السير في هذا الجزء من الشارع بسبب الباعة المتجولين، وأنه كان لا بد من تفاديهم باستمرار، في انتقاد للظاهرة.

وكانت تقارير إسبانية سابقة، من بينها ما نشرته صحيفتا “إل بايس” (El País) و”إل موندو” (El Mundo) قد أكدت وجود هؤلاء الباعة في شارع “غران فيا” والشوارع المحيطة به في قلب مدريد.

لقطة شاشة لتقارير إعلامية إسبانية تناولت ظاهرة الباعة المتجولين في العاصمة مدريد (صحيفتا إل بايس وإل موندو)
لقطة شاشة لتقارير إعلامية إسبانية تناولت ظاهرة الباعة المتجولين بالعاصمة مدريد (صحيفتا إل بايس وإل موندو)

“المانتيروس”.. باعة الأرصفة في مدريد

ويتخذ البائعون المتجولون من الأرصفة العريضة للشارع مواقع رئيسية لنشاطهم، ويتمركزون في الممرات الأكثر ازدحاما بالسياح والمواطنين.

ويتجرأ بعضهم على بسط مفارشهم أمام واجهات المتاجر العالمية الكبرى والمحال الرسمية لأندية كرة القدم، للاستفادة من الحركة الكثيفة واقتطاع جزء من المبيعات اليومية.

وتعتمد طبيعة عمل من يُعرفون بـ”المانتيروس” (Manteros) على البيع السريع والمكثف لمنتجات مقلدة لعلامات تجارية شهيرة، مثل قمصان الأندية والمنتخبات والحقائب الجلدية والأحذية الرياضية، بأسعار زهيدة لا تُقارن بأسعار المتاجر الرسمية، بحسب ما ذكرته صحف إسبانية.

سر الخيط في يد البائع

ولا يُعد إمساك البائع بطرف الخيط حركة عفوية، بل هو تكتيك معتمد لديهم. إذ يثبّت الباعة خيوطا متينة في أطراف المفرش القماشي ويظلون ممسكين بها طوال عرض البضاعة.

باعة متجولون يمسكون بأطراف مفارشهم عبر خيوط متينة لجمع البضائع بسرعة عند اقتراب الشرطة (منصات التواصل)
باعة متجولون يمسكون بأطراف مفارشهم عبر خيوط متينة لجمع البضائع بسرعة عند اقتراب الشرطة (منصات التواصل)

وبمجرد تلقي إشارة باقتراب الشرطة المحلية، يشدّ البائع الخيط سريعا ليجمع المفرش ويتحول إلى حزمة مغلقة تُحمل على الظهر، ما يتيح له الفرار وسط الزحام دون أن تسقط أي قطعة.

إعلان

ووفق التقارير، لا يعمل هؤلاء منفردين، بل ينظمون أنفسهم في شبكات تتواصل عبر تطبيقات الهواتف لتبادل تحذيرات مبكرة عن تحركات دوريات الشرطة، مع توزيع للأدوار بين كشّافين يراقبون الطريق، وبائعين على الأرض، وموردين يزودونهم بالبضائع ويجمعون الأرباح ويقتسمونها نهاية اليوم.

 

المصدر: الجزيرة