لست ضعيف الشخصية.. كيف يستنزف “إجهاد اتخاذ القرار” طاقة عقلك؟

في عالم تتسارع وتيرته وتتداخل تفاصيله، يتخذ الشخص البالغ نحو 35 ألف قرار يوميا؛ تتراوح بين خيارات بسيطة كالملابس الصباحية ومحتويات “لانش بوكس” الأطفال، وصولا إلى قرارات مصيرية كالزواج، أو الاستقالة، أو الهجرة.

وأمام هذا الكم الهائل من الخيارات، يقف الكثيرون عاجزين عن حسم أمورهم، سواء كانت سهلة أو معقدة. وبينما يُفسر المحيطون هذا التردد خطأً بأنه “ضعف في الشخصية”، يكشف العلم عن ظاهرة نفسية حقيقية تُعرف بـ”إجهاد اتخاذ القرار” (Decision Fatigue).

قصص مقترحة

list of 2 items

  • list 1 of 2ساعة للرياضة ولا دقيقة لخيط الأسنان.. لماذا نهمل العادات الصغيرة؟
  • list 2 of 2تنسى سبب دخولك الغرفة؟ العلم يفسر “تأثير عتبة الباب”

end of list

عضلات عقلية مُنهكة

على غرار الإرهاق الجسدي الذي يصيب العضلات بعد المجهود الشاق، يستنزف البشر مواردهم المعرفية طوال اليوم في عمليات التنظيم الذاتي ومعالجة المعلومات.

وتُطلق الأبحاث النفسية على هذه الحالة مصطلح “استنزاف الأنا”؛ وهي نظرية وضعها عالم النفس الأمريكي روي ف. باوميستر وزملاؤه. تفترض النظرية أن كل من “ضبط النفس” و”اتخاذ القرارات” يعتمدان على مورد معرفي محدود داخل الدماغ، يتم استهلاكه تدريجياً مع مرور الوقت.

وحين ينفد هذا المخزون، يتراجع الأداء العقلي، وينشأ ما يُعرف بـ “إرهاق القرار”، وهو عجز مؤقت يفقد الإنسان القدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة أو التحكم في سلوكه، مما يدفعه نحو خيارات متهورة أو غير عقلانية.

علامات تخبرك بنفاد طاقة إرادتك

يعد “إجهاد اتخاذ القرار” أمرا طبيعيا إذا ارتبط بيوم شاق أو ظرف عابر، لكن استمراره لفترات طويلة يستدعي التوقف وطلب الاستشارة المتخصصة. وفي هذا السياق، حدد موقع “كليفلاند كلينك” 8 أعراض شائعة تدل على وصول الإنسان إلى مرحلة “الإفلاس المعرفي”:

المماطلة والتجنب: تسويف حسم الأمور، والانسحاب التام من بعض المواقف أو العلاقات، وغالباً ما يحدث ذلك دون وعي مباشر من الشخص.

القرارات المتهورة: اتخاذ خيارات غير عقلانية تحت الضغط، مثل التسوق القهري عبر الإنترنت وإنفاق مبالغ ضخمة على سلع غير ضرورية.

إعلان

الإنهاك الشامل: شعور بالتعب الجسدي والعقلي والعاطفي عقب اتخاذ أي قرار، قد يتطور إلى رغبة ملحة في النوم أو بنوبات من البكاء الشديد.

ضبابية الدماغ: تشتت الذهن، صعوبة استحضار الأسماء أو إكمال الجمل، والتعثر في متابعة أطراف الحديث مع الآخرين.

السرعة في الانفعال: التوتر والحساسية المفرطة تجاه أبسط الأسئلة اليومية، مثل: “ماذا سنأكل اليوم؟” أو “ما هو برنامج الغد؟”.

الشعور “بالغرق”: الإحساس بالإنهاك التام وعدم وجود أي مساحة زمنية أو ذهنية لاستيعاب أفكار، أو مهام، أو ترتيبات جديدة.

عقدة الندم والشك: غياب الشعور بالرضا بعد الاختيار، وملاحقة العقل بشعور دائم بأنه “كان هناك خيار أفضل”.

الأعراض الجسدية (السوماتية): ترجمة الضغط النفسي إلى آلام عضوية؛ كالصداع، وتوتر العضلات، وارتعاش جفن العين، والغثيان، واضطرابات الجهاز الهضمي.

لا توزع أعباء اتخاذ القرار بالتساوي بين الجنسين؛ إذ تتحمل النساء، في المتوسط، النصيب الأكبر من العمل الذهني
لا توزع أعباء اتخاذ القرار بالتساوي بين الجنسين؛ إذ تتحمل النساء، في المتوسط، النصيب الأكبر من العمل الذهني (بيكسلز)

لماذا تدفع النساء الفاتورة الأكبر من “إرهاق الاختيار”؟

لا توزع أعباء اتخاذ القرار بالتساوي بين الجنسين؛ إذ تتحمل النساء، في المتوسط، النصيب الأكبر من العمل الذهني والتنظيمي المرتبط بإدارة المنزل والأسرة. وهو ما يضعهن في دوامة متواصلة من الحسم المستمر؛ تبدأ تفاصيلها باختيار نوعية الجبن والشاي الأفضل، ولا تنتهي عند مفترقات طرق مصيرية كاستمرار الحياة الزوجية أو اتخاذ قرار الطلاق.

وفي هذا السياق، جاءت دراسة حديثة نشرت عام 2025 بعنوان “لماذا تشعر النساء بإرهاق أكبر من الرجال”؛ ليؤكد باحثون من جامعة نيوساوث ويلز في أستراليا أن حالة الإنهاك المستمر -التي لا تزول بمجرد أخذ قسط من الراحة- تُعد أكثر شيوعاً بين النساء مقارنة بالرجال.

وأرجع الباحثون هذا التفاوت إلى حزمة معقدة من العوامل؛ أبرزها:

  • الأعباء المضاعفة والاختلافات البيولوجية.
  • ارتفاع مستويات الضغط النفسي وتراجع جودة النوم.
  • استمرار العبء الذهني: حيث يظل الإرهاق ملازما للمرأة حتى بعد زوال الضغوط وحصولها على ساعات نوم كافية، نظرا لتواصل تحملها المسؤولية الكبرى عن قرارات العائلة، إلى جانب أعبائها الشخصية والمهنية اليومية.
غالبا ما يرهق اتخاذ القرار جهازنا العصبي نتيجة ثقل المسؤولية وتبعات الاختيار على حياتنا وحياة من حولنا
غالبا ما يرهق اتخاذ القرار جهازنا العصبي نتيجة ثقل المسؤولية وتبعات الاختيار على حياتنا وحياة من حولنا (بيكسلز)

حيل علمية للحد من معاناة “إرهاق القرار”

غالبا ما يرهق اتخاذ القرار جهازنا العصبي نتيجة ثقل المسؤولية وتبعات الاختيار على حياتنا وحياة من حولنا، وليس للجهل بالرغبات. ولإعادة التوازن والتحكم، يوصي الخبراء بعدة تدابير عملية، أبرزها:

أتمتة القرارات الروتينية: بسّط خياراتك اليومية الكلاسيكية (كوجبة الإفطار أو الملابس) بجعلها آلية ومحددة مسبقاً، وتخلَّ عن هوس البحث عن “الكمال” في التفاصيل الصغرى.

تقليل بدائل القرارات الكبرى: وضع حد زمني حاسم للحسم، مع تحديد معايير مسبقة واضحة للتقييم، وتقليص عدد الخيارات المتاحة.

استغلال الذروة الذهنية: اتخذ قراراتك الحساسة في الوقت الذي يكون فيه عقلك في أعلى درجات نشاطه وتركيزه، وفقاً لنمطك الشخصي (صباحاً أو مساءً).

التفويض وتوزيع الأعباء: شارك المسؤوليات مع الآخرين فيما يمكنهم القيام به، ولا تتحمل كل شيء بمفردك.

إعلان

الرعاية الذاتية والصحة النفسية: اعتبر الراحة والنوم الجيد وممارسة الرياضة “صيانة واجبة للعقل”، مع الحرص على علاج أي اضطرابات نفسية (كالقلق والاكتئاب) قد تضعف القدرة على الاختيار.

 

المصدر: الجزيرة