تثير الهجمات المتلاحقة على ناقلات النفط في مضيق هرمز تساؤلات بشأن طبيعة التهديدات التي تواجه الملاحة البحرية، خصوصا مع حديث إيراني عن سفن أطفأت أجهزة التتبع أثناء عبورها، واتساع نطاق الاستهدافات إلى مناطق في الخليج، بالتزامن مع تعليق واشنطن بعض ضرباتها ضد القدرات الإيرانية.
وتكشف الأرقام المعلنة عن تصاعد المخاطر في أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط عالميا، بينما يرى خبراء عسكريون أن طهران توسع نطاق تهديداتها البحرية، مستفيدة من تنوع وسائل الاستهداف، في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة حماية الملاحة وتجنب الانجرار إلى استنزاف طويل.
قصص مقترحة
list of 2 items
end of list
وبحسب ما عرضه الزميل عبد القادر عراضة على الشاشة التفاعلية، أعلن الحرس الثوري الإيراني تعرض ناقلتي نفط عملاقتين لحوادث في مضيق هرمز، قال إنهما اصطدمتا خلالها بألغام بحرية، وتبلغ حمولة إحداهما نحو مليوني برميل من النفط، وفق المعلومات التي أوردها.
وفي تطور مواز، أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية تعرض ناقلة لهجوم بمقذوف شمال شرقي ميناء الجبيل السعودي، وأشار عراضة إلى أن الحرس الثوري ربط استهداف الناقلات بإطفاء أجهزة التتبع، معتبرا ذلك محاولة للالتفاف على المسارات التي حددها للعبور.
وتتهم طهران واشنطن بالضغط على السفن لدفعها إلى سلوك مسارات تصفها بأنها غير مضمونة، في حين يثير إطفاء أجهزة التتبع تساؤلات بشأن قدرة الجهات المعنية على مراقبة حركة الناقلات وتحديد مساراتها، والتحقق من ملابسات الحوادث التي تتعرض لها.
ووفق الأرقام التي عرضها عراضة استنادا إلى بيانات هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، سُجل نحو 12 هجوما أو استهدافا لسفن وناقلات خلال 7 أيام، تركزت أبرزها في الممر الجنوبي للمضيق، بما يعكس ارتفاع المخاطر في أحد المسارات الحيوية لحركة الملاحة.
وفي الفترة نفسها، عبرت نحو 254 سفينة مضيق هرمز، بمعدل يقارب 36 سفينة يوميا، فيما تحدثت الهيئة عن 84 حادثا مبلغا عنه، بينها 74 هجوما بمقذوفات، وقع نحو ثلاثة أرباعها في المسار الجنوبي. وأشار عراضة إلى أن الحصيلة الفعلية قد تكون أكبر.
3 نطاقات نارية إيرانية
وفي قراءة عسكرية لهذه التطورات، قال الخبير العسكري والإستراتيجي العقيد نضال أبو زيد إن المنطقة شهدت 3 استهدافات خلال أقل من 24 ساعة، شملت ناقلتي النفط في المضيق والسفينة التي تعرضت لهجوم قرب الجبيل السعودية، وفق المعلومات المعلنة.
وربط أبو زيد بين إطفاء أجهزة التتبع واحتمال استهداف السفن أثناء عبورها الممر الجنوبي، موضحا أن الوسائل المستخدمة قد تشمل الألغام البحرية والطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية متوسطة المدى. ورأى أن تتابع الحوادث يعكس اتساع نطاق التهديدات التي تواجه الملاحة.
واستشهد الخبير العسكري بحوادث سابقة قرب مرسى صحار في سلطنة عُمان والفجيرة الإماراتية، معتبرا أنها تشير إلى امتداد التهديدات إلى مسافات أبعد من محيط المضيق. ووفقا لقراءته، تُطوِّر إيران نمطا من الاستهداف يعتمد على 3 نطاقات نارية متكاملة.
ويعتمد النطاق الأول، بحسب أبو زيد، على الألغام البحرية، فيما تستخدم إيران في النطاق الثاني طائرات مسيّرة بعيدة المدى، وتعتمد في الثالث على الصواريخ متوسطة المدى. كما أشار إلى الحديث عن هجوم بزوارق صغيرة تحمل قذائف “آر بي جي” قرب الجبيل.
ويرى أبو زيد أن هذا التوزيع للقدرات يعكس سعيا إيرانيا إلى توسيع مجال التهديد البحري ورفع كلفة تأمين الملاحة، بما يتجاوز التأثير المباشر في السفن المستهدفة إلى الضغط على حركة العبور في المضيق والمناطق المحيطة به.
ويضع الخبير هذا النهج في إطار العقيدة البحرية الإيرانية القائمة على “التجريد البحري”، أي حرمان الخصم من حرية استخدام المجال البحري. وتقابلها العقيدة الأمريكية القائمة على “السيطرة البحرية”، التي تستهدف تأمين الملاحة وضمان حرية حركة السفن.
حسابات واشنطن
وفي تفسيره الموقف الأمريكي، قال أبو زيد إن واشنطن تسعى إلى تفادي حرب استنزاف طويلة تستهدف أصولها البحرية والجوية، خصوصا في ظل امتداد الساحل الإيراني لمسافة تقارب 2400 كيلومتر، وما يفرضه ذلك من تحديات على عمليات الرصد والاستهداف وتأمين القوات.
وأضاف أن تجنب استهداف المنظومات الإيرانية المنتشرة على طول الساحل قد يرتبط بالحفاظ على تركيز العمليات العسكرية وعدم تشتيت الجهود عن الخطط الرئيسية. واعتبر أن تجميد بعض الضربات قد يعكس استعدادات لعمل عسكري أوسع، من دون أن يعني ذلك تأكد وجود قرار بتنفيذه.
وكان موقع أكسيوس قد نقل عن مسؤولين أمريكيين أن البيت الأبيض علّق الضربات على الصواريخ الإيرانية المضادة للسفن ومنصات إطلاق المسيّرات في منطقة هرمز، لتجنب تصعيد الحرب قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني.
وحذّر التقرير من أن تعليق الضربات ربما منح إيران ثقة أكبر في مواصلة استهداف السفن، وسط مخاوف لدى القيادة المركزية الأمريكية من أن تدفع الهجمات شركات الشحن إلى تجنب المضيق، بما يقلص تدفقات النفط ويزيد احتمالات ارتفاع الأسعار.
وفي المقابل، وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ما يجري مع إيران بأنه مناورة عسكرية، مؤكدا فاعلية الحصار البحري الأمريكي، ومعلنا أن السفن الإيرانية لم تتمكن من عبور المضيق، كما تحدث عن خسائر كبيرة لحقت بالأسطول الإيراني والطيران العسكري، وفق تصريحاته.
وعرض عراضة أرقاما للقيادة المركزية الأمريكية تتحدث عن المساعدة في عبور نحو 400 سفينة وشحن قرابة 100 مليون برميل من النفط، إلى جانب منع إيران من تصدير نفط خام بقيمة تقارب 25 مليار دولار، في مؤشرات على تصاعد الضغط الاقتصادي المتبادل.
أما إحجام بعض السفن عن الإبلاغ عن الأضرار، فعزاه أبو زيد إلى عاملين محتملين؛ أولهما اقتصادي يرتبط بالتأمين وتكاليفه، والثاني عسكري يتعلق بتجنب كشف المسارات البحرية التي تسلكها الناقلات، بما قد يساعد على تحديد أنماط حركتها واستهدافها لاحقا.
المصدر: الجزيرة