أديس أبابا تواجه الصناديق.. انتخابات إثيوبية على وقع البنادق وأزمات الجوار

تتحرك إثيوبيا نحو جولة انتخابية حاسمة تتركز فيها الأنظار على قدرة صناديق الاقتراع في العبور بالبلاد إلى بر الأمان، وتأتي هذه العملية السياسية وسط مفارقة حادة؛ فبينما تحاول الحكومة التركيز على سجلها الاقتصادي وملف التنمية لتحقيق مكاسب سياسية فإن الواقع على الأرض يضع البلاد في مواجهة جبهات داخلية مشتعلة وتحديات دبلوماسية متصاعدة مع الجوار، مما يجعل الصندوق محاطا بملفات أمنية معقدة تختبر استقرار ثاني أكبر دولة في القارة الأفريقية من حيث عدد السكان.

TOPSHOT - A woman walks past a large mural depicting Ethiopian Prime Minister Abiy Ahmed in Agaro, a town in the constituency where the Ethiopian leader is running for office in the June 1 general election, in Oromia region, on May 28, 2026. (Photo by Marco Simoncelli / AFP)
نجح آبي أحمد في تعزيز قبضته السياسية على البلاد منذ تعيينه عام 2018 (الفرنسية)

الجبهات الداخلية المشتعلة

يواجه رئيس الوزراء، آبي أحمد، سنوات من الصراع العنيف في الأقاليم المنظمة عرقيا، وتحديدا في مسقط رأسه “أوروميا” الأكبر في البلاد، وإقليم “أمهرة” الثاني من حيث الحجم، حيث تبسط مليشيا “فانو” سيطرتها على مساحات شاسعة من الريف منذ عام 2023.

وبسبب هذا التدهور الأمني وغياب الأمن، استُبعدت ثماني دوائر انتخابية على الأقل من أصل 138 دائرة في أمهرة من عملية التصويت، وسط توقعات بأن تؤثر هذه الأوضاع في نسبة الإقبال.

وأودت الحرب الأهلية في الشمال عامي 2020 و2022 بحياة مئات الآلاف من الأشخاص جراء العنف المباشر والمجاعة وانهيار الرعاية الصحية، وذلك إثر انهيار العلاقات بين آبي أحمد وقادة الجبهة الشعبية الذين هيمنوا على السياسة الوطنية ثلاثة عقود قبل صعوده.

ورغم اتفاق السلام، اندلعت مناوشات مسلحة منذ يناير/كانون الثاني الماضي بين قوات الجبهة والجيش الفدرالي والمقاتلين المتحالفين مع الحكومة.

وبسبب هذه “الظروف غير المواتية”، أعلن المجلس الانتخابي إلغاء الانتخابات في إقليم تيغراي كليا، ليُحرم الإقليم للمرة الثانية من التمثيل الفدرالي ومن صوته في البرلمان المؤلف من 547 مقعدا، ويستمر استبعاده الممتد طوال السنوات الست الماضية ليُقذف به أكثر نحو الهامش وسط تصاعد المجاعة والصراع والحرمان المزعوم من الموارد من قبل الحكومة المركزية.

إعلان

نفذت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي -المحظورة حاليا- تهديدها بانتهاك بند رئيسي في اتفاق بريتوريا (وُقع في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2022 بالعاصمة الإدارية لجنوب أفريقيا بين الحكومة الفدرالية الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي)، وأعادت فرض سيطرتها على الإدارة السياسية للإقليم يوم الثلاثاء عبر استعادة مجلسها التشريعي لفترة ما قبل الحرب، وانتخاب رئيس الجبهة “دبرصيون جبريميكائيل” رئيسا للإقليم.

وتعتبر الحكومة الفدرالية هذه الخطوة محاولة لإثارة صراع آخر. وكانت الجبهة قد اتهمت الحكومة بحجب رواتب الموظفين وإثارة الصراع وتمديد ولاية رئيس الإدارة المؤقتة دون استشارتها.

ومع إصرار رئيس الإدارة المؤقتة “تاديسي ووريدي” على البقاء في منصبه، نشأت سلطتان متنافستان في الإقليم، وتزامن ذلك مع انفجار قنبلة يدوية قرب مكاتب الإدارة المؤقتة في ميكيلي.

وأثار هذا التصعيد تحذير مستشار لآبي أحمد من عودة “الصراع الكارثي”، وسط دعوات من الاتحاد الأوروبي وبريطانيا لتهدئة التصعيد، ومخاوف من جر المنطقة إلى حرب بالوكالة.

ويتهم الخصوم والنشطاء ومحققو الأمم المتحدة وجماعات حقوق الإنسان حكومة آبي أحمد بالتراجع عن المكاسب الحقوقية السابقة مثل إطلاق سراح الصحفيين والنشطاء والسجناء السياسيين وإلغاء الحظر عن الأحزاب عند توليه السلطة عام 2018؛ وذلك عبر احتجاز الصحفيين، وإغلاق منظمات المجتمع المدني، ووقوع فظائع خلال الحملات العسكرية لإخماد الاضطرابات، في حين تنفي الحكومة الانتهاكات الممنهجة وتعتبر ما وقع حماية للأمن القومي.

وتحول التقارب السابق الذي نال عليه آبي أحمد جائزة نوبل للسلام عام 2019 لإنهاء الأعمال العدائية مع إريتريا إلى عداء جديد في السنوات القليلة الماضية.

ويرجع ذلك جزئيا إلى تصريحاته المتكررة بأن إثيوبيا الحبيسة لها الحق في الوصول إلى البحر، وهو ما اعتبرته إريتريا تهديدا عسكريا ضمنيا، رغم تأكيد آبي أحمد رغبته في متابعة الملف عبر الحوار، كما تتهم أديس أبابا جارتها أسمرة بدعم الجماعات المتمردة لزعزعة استقرارها.

معضلة الانتخابات

تشير التوقعات إلى هيمنة حزب “الازدهار” الحاكم على الانتخابات البرلمانية والإقليمية يوم الاثنين بفوز ساحق، وقد نجح آبي أحمد (49 عاما) في تعزيز قبضته السياسية منذ تعيينه عام 2018 في أعقاب احتجاجات جماهيرية أنهت هيمنة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي.

ويشغل حزبه حاليا أكثر من 500 مقعد في مجلس نواب الشعب، وكان قد حقق فوزا ساحقا في انتخابات 2021 بحصد 410 مقاعد من أصل 484 مقعدا في البرلمان آنذاك، ومن المتوقع أن يضمن ولاية جديدة مدتها خمس سنوات وفق النظام الانتخابي الذي يختار فيه الناخبون ممثليهم في البرلمان والمجالس الإقليمية، ثم يصوت الممثلون لاختيار رئيس الوزراء.

ويخوض الحزب الحاكم السباق في مواجهة معارضة ممزقة أضعفتها الخصومات والمنافسات الداخلية. وتتهم هذه الأحزاب الحكومة الفدرالية بتقويض حركتها عبر اعتقال قادتها ووضع عقبات قانونية لتقييد أنشطتها السياسية، وهي اتهامات رفضتها الحكومة مؤكدة التزامها بالقانون.

إعلان

وفي هذا السياق، وصفت أصغر مرشحة وهي رئيسة حزب الشعب الثوري الإثيوبي المعارض “مستريسيلاسي تاميرات” العملية بأنها “بعيدة كل البعد عن أن تكون حقيقية وديمقراطية”، مشيرة إلى أن النظام يفضل الحزب الحاكم ويمنعهم من العمل بحرية أو الاجتماع بكتلهم الناخبة.

كما أكد المتحدث باسم حزب إيزيما المعارض الرئيسي، إيول سولومون، أن حزبه مكرس لإنهاء السياسة القائمة على العرق، مشيرا إلى تعرض مواطنين للهجوم والاضطهاد بسبب هويتهم ولمجرد العيش في مناطق يراها الآخرون ليست لهم.

ويشارك في هذه الانتخابات نحو 50 مليون ناخب مسجل من بين إجمالي سكان إثيوبيا البالغ عددهم ما بين 120 و130 مليون نسمة، ومن المنتظر ظهور النتائج بحلول 11 يونيو/حزيران.

ويقود رئيس كينيا السابق أوهورو كينياتا -الذي سهل محادثات سلام تيغراي- بعثة تضم 73 مراقبا من الاتحاد الأفريقي، حيث أكد فور وصوله السبت أهمية الانتخابات للقارة نظرا لاستضافة البلاد مقر الاتحاد الأفريقي، داعيا إلى وضع سلمي.

وتشمل موضوعات الانتخابات ملف المصالحة الوطنية والملف التنموي؛ حيث ركّز مرشحو حزب الازدهار على السجل الاقتصادي للحكومة، مستشهدين بتحسن الأمن الغذائي في بلد عانى من المجاعات سابقا، وتتعهد الحكومة بتنفيذ مشاريع كبرى وتتوقع نموا اقتصاديا يتجاوز 10% في عام 2026 (وهو أحد أسرع المعدلات في أفريقيا)، ويعزو اقتصاديون ذلك إلى خطوات آبي أحمد لتحرير الاقتصاد الخاضع لرقابة مشددة، مما ساهم في تحفيز الاستثمارات وعائدات التصدير.

 

المصدر: الجزيرة