أرتال عسكرية للمقاومة الوطنية باليمن.. هل يوثق الفيديو انسحابها من الساحل الغربي؟

انتشر على منصات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو زُعم أنه يوثق حشودا عسكرية كبيرة لقوات المقاومة الوطنية في اليمن قبل انسحابها من جبهات الساحل الغربي، مما منح جماعة الحوثيين مناطق ذات أهمية إستراتيجية.

وتبرز قوات المقاومة الوطنية -التي يقودها طارق صالح عضو مجلس القيادة الرئاسي في اليمن- كأحد أبرز التشكيلات العسكرية في معركة الساحل الغربي.

قصص مقترحة

list of 2 items

  • list 1 of 2فيديو متداول لتقدم الحوثيين نحو باب المندب.. ما حقيقته؟
  • list 2 of 2ما حقيقة مقطع متداول يزعم توثيق استقبال حاشد للحوثيين في المخا؟

end of list

ويُظهر المقطع، الذي حصد مئات آلاف المشاهدات خلال ساعات، مئات المركبات العسكرية مصطفة في ساحة مفتوحة واسعة، محملة بالأسلحة والمعدات ويعتليها جنود بالزي الرسمي.

ونظرا لارتباط الساحل الغربي اليمني بقوات المقاومة الوطنية، التي كانت موجودة على محاور المخا وباب المندب المتصلة بالممرات الملاحية في البحر الأحمر، جرى الترويج للمقطع بوصفه دليلا بصريا على “الترسانة” التي تخلّت عنها هذه القوات دون قتال.

تداول واسع

وتداولت حسابات على منصات التواصل المقطع في سياق تساؤل متكرر بصيغ متقاربة: كيف تنسحب قوة بهذا الحجم من العتاد دون خوض معركة حقيقية؟

وذهب بعض المعلقين إلى نزع الطابع العسكري البحت عن التفسير، بالقول إن “المسألة ليست في حجم السلاح، بل في الإرادة على القتال”.

وبالغ آخرون في تقدير حجم القوة المنسحبة، واصفين إياها بأنها تضم “أكثر من 50 ألف مقاتل، جميعهم تراجعوا دون إطلاق رصاصة واحدة”.

أول ظهور للمقطع

رصدت وحدة المصادر المفتوحة في الجزيرة أن أقدم نشر للمقطع بنفس السياق صدر عن حساب باسم (albassam8) على “تيك توك” في 12 سبتمبر/أيلول الجاري. ولاحقا، تلقفته حسابات أخرى على “فيسبوك” و”إكس” بالادعاء ذاته تقريبا، قبل أن يتوسع انتشاره بشكل كبير.

لقطة من حساب الناشر الأول للمقطع قبل حذفه
لقطة من حساب الناشر الأول للمقطع قبل حذفه (تيك توك)

انسحاب فعلي وسط معارك دامية

وجاء تداول المقطع بالتزامن مع بيان رسمي للمقاومة الوطنية، أكدت فيه أن معاركها ضد الحوثيين بين 9 أغسطس/آب و10 سبتمبر/أيلول على جبهات الساحل الغربي أسفرت عن سقوط أكثر من 500 قتيل وإصابة نحو 1500 آخرين في صفوفها، مقابل خسائر حوثية تجاوزت الألف قتيل وآلاف الجرحى.

ووصف البيان الهجوم بأنه نُفذ بـ”مشاركة وإسناد مباشرين من عناصر وخبرات الحرس الثوري الإيراني وحلفائه” مضيفا أن الكثافة النارية والحشود المتتالية دفعت القيادة إلى “قرار شجاع بإعادة التمركز في خطوط دفاعية جديدة” حفاظا على القوة الضاربة وتفادياً لخطر التطويق.

ما حقيقة المقطع المتداول؟

تحققنا من المقطع وتبين أنه وظف في سياق زماني ومكاني خاطئ، ولا يمت بصلة لأي طرف من أطراف النزاع في اليمن.

إعلان

واعتمدنا البحث العكسي بالصور لتتبع أقدم ظهور للمقطع، فقادنا إلى نسخة تعود إلى 17 مايو/أيار 2024، أي قبل أكثر من عامين على اندلاع معارك الساحل الغربي الأخيرة.

ونشرت صفحة ليبية آنذاك الفيديو بوصفه توثيقا لعرض عسكري محلي، دون ذكر تفاصيل إضافية. وشكل هذا الخيط الأول نقطة انطلاق للتحقق من السياق الزماني والمكاني الحقيقي للمقطع المتداول.

وقيدنا البحث على “غوغل” بعبارة “عرض عسكري، ليبيا” ضمن الإطار الزمني نفسه، فأفضت النتائج إلى عرض عسكري أقامته قوات شرق ليبيا في قاعدة بنينا الجوية بضواحي بنغازي.

لقطة شاشة لتقييد البحث باستخدام كلمات مفتاحية محددة لإظهار نتائج عن حقيقة المقطع
لقطة شاشة لتقييد البحث باستخدام كلمات مفتاحية محددة لإظهار نتائج عن حقيقة المقطع (غوغل)

وجاء العرض احتفالا بالذكرى العاشرة لما تعرف بـ”عملية الكرامة” في 16 مايو/أيار 2024، وهو تاريخ يطابق زمنيا مع أقدم نسخة رصدناها للمقطع.

وبمراجعة أرشيف الصفحة الرسمية لقوات شرق ليبيا على “فيسبوك” و”يوتيوب” لليوم نفسه، وجدنا صورا ومقاطع إضافية للعرض، الذي شهد مراسم مختلفة لوحدات من مختلف الأركان والأصناف العسكرية، وسفراء ومندوبي بعض الدول الأجنبية.

كما نشر مكتب الإعلام التابع لقوات شرق ليبيا مقطع فيديو بعد أيام من الفعالية على “يوتيوب” يوثق جانبا من مراسم العرض العسكري بمشاركة العديد من الوحدات.

وتطابقت في الصور تفاصيل المكان وشكل المركبات والشعارات التي تضمنتها، وطريقة اصطفاف الأرتال، تطابقا تاما مع المقطع المتداول على أنه “انسحاب من اليمن” مما يثبت أن الفيديو مُنتزع من سياقه الزمني والمكاني الأصلي واستُغل لخدمة رواية مغايرة تماما.

صورة توضح المطابقة في تفاصيل المكان وشكل المركبات والشعارات
صورة توضح المطابقة في تفاصيل المكان وشكل المركبات والشعارات (الجزيرة)

من روج للادعاء؟

كشف تتبّع أنماط النشر أن جزءا من الحسابات -التي بادرت إلى ترويج المقطع المضلل على نطاق واسع- هي حسابات داعمة للمجلس الانتقالي الجنوبي.

وسعت من خلاله إلى تضخيم رواية انهيار قوات المقاومة الوطنية، وتصويرها على أنها لم تستخدم ترسانتها العسكرية في صد هجوم الحوثيين، مع التلميح إلى أن الانسحاب كان بمثابة تسليم للمناطق الإستراتيجية دون مواجهة تذكر.

كيف سيطر الحوثيون على الساحل؟

لم يتحقق التقدم الحوثي السريع باتجاه المخا، وذباب، وجزيرة ميون، بفعل انتصار عسكري أو معارك طاحنة، بل جاء إثر انسحاب غامض ومفاجئ لأكثر من 30 ألف مقاتل من “القوات المشتركة” (التي تضم المقاومة الوطنية، ألوية العمالقة، القوات التهامية).

ويمثل تقدم الحوثيين الأخير في الساحل الغربي لليمن، بما في ذلك السيطرة على مدينة المخا ومناطق ساحلية أخرى، تطورا ميدانيا ذا أبعاد تتجاوز المكاسب العسكرية المباشرة، إذ يرتبط بحسابات إستراتيجية تتعلق بمضيق باب المندب.

ويُنظر إلى هذا التحول باعتباره انتقالا من سياسة التأثير عن بُعد إلى محاولة فرض حضور ميداني مباشر على واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.

كما يمنح الاقتراب من باب المندب الحوثيين ورقة ضغط جيوسياسية مهمة، نظرا للأهمية الاستثنائية للمضيق الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتعبره نسبة مؤثرة من حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.

إعلان

وعلى المستوى المحلي، يهدف التمدد على الساحل الغربي إلى إحكام السيطرة على الشريط الساحلي الممتد جنوب الحديدة، بما يتيح عزل خصوم الحوثيين وتقليص هامش تحرك القوات الحكومية والمقاومة الوطنية في مناطق الساحل.

 

المصدر: الجزيرة