أكثر من 9 آلاف هجوم.. وسؤال اليوم الدولي: هل يمكن للتعليم أن يصمد؟

تتصاعد الهجمات على التعليم عالميا، مهددة ملايين الأطفال بحرمانهم من مدارسهم ومستقبلهم، وسط دعوات متزايدة للحماية والمساءلة الدولية العاجلة اليوم.

وأمام هذا التصاعد الذي يجعل المدرسة نفسها ساحة أخرى من ساحات النزاع، تعود قضية حماية التعليم إلى الواجهة الدولية في التاسع من سبتمبر/أيلول، مع إحياء اليوم الدولي لحماية التعليم من الهجمات.

قصص مقترحة

list of 2 items

  • list 1 of 214 مدرسة مخطرة بالهدم.. تحديات تواجه التعليم جنوبي الخليل
  • list 2 of 2الجامعات الخاصة بالمغرب.. من ملاذ بديل إلى استثمار عائلي للإدماج في سوق العمل

end of list

ويأتي إحياء هذا العام تحت شعار “هل يمكن للتعليم أن يصمد في وجه الهجمات؟ قدرة المجتمعات البشرية على الصمود”، ليسلط الضوء على قدرة النظم التعليمية والمجتمعات والمعلمين والأسر والشباب على إبقاء التعلّم مستمرا حتى في أكثر الظروف صعوبة، كما يؤكد أهمية الجاهزية والتكيّف والتعافي والمساءلة في ضمان استمرار التعليم أثناء الهجمات وبعدها.

ويكتسب اليوم الدولي أهمية خاصة بالنسبة إلى قطر، إذ أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع عام 2020، بناء على قرار قدمته الدوحة بمبادرة من رئيسة مجلس إدارة مؤسسة التعليم فوق الجميع، الشيخة موزا بنت ناصر المسند. وجاء إقراره للفت انتباه المجتمع الدولي إلى ملايين الأطفال والشباب الذين تعطل الحروب والنزاعات تعليمهم، والتأكيد على أن التعليم حق أساسي لا يجوز أن يصبح ضحية جانبية للحروب.

أكثر من 9 آلاف هجوم

وتكشف الأرقام حجم التحدي الذي يقف خلف هذا التحرك الدولي. فوفق تقرير “التعليم تحت الهجوم 2026” الصادر عن التحالف العالمي لحماية التعليم من الهجمات، سجل ما لا يقل عن 9259 هجوما على التعليم وحالة استخدام عسكري للمدارس والجامعات خلال عامي 2024 و2025، بزيادة تتجاوز 50% مقارنة بالفترة السابقة.

وألحقت تلك الهجمات الضرر بما لا يقل عن 10 آلاف و600 من الطلاب والمعلمين وأساتذة الجامعات والعاملين في قطاع التعليم، بينما سجلت كولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا وهاييتي وفلسطين وأوكرانيا أعلى معدلات للهجمات على التعليم، وارتفع عدد حالات الاستخدام العسكري للمدارس والجامعات إلى أكثر من 2100 حالة.

إعلان

وفي مواجهة هذه الأرقام، يؤكد الرئيس التنفيذي لمؤسسة التعليم فوق الجميع، محمد سعد الكبيسي، أن قدرة التعليم على الصمود لا تتحقق من دون أنظمة مستعدة مسبقا لمواجهة الأزمات.

وقال إنه “يمكن للتعليم أن ينجو من الهجمات، ولكن فقط إذا اخترنا أن نبني نظما تعليمية قادرة على الصمود”، مؤكدا أن المدارس ليست أهدافا، والمعلمين ليسوا أطرافا في النزاع، وأن مستقبل الأطفال لا يمكن أن يتحول إلى ضرر جانبي للحروب.

ويرى الكبيسي أن حماية التعليم ينبغي ألا تبدأ بإعادة البناء بعد وقوع الضرر، بل بالاستعداد له، عبر توفير مسارات آمنة للتعلم، وحلول تعليمية بديلة، ودعم نفسي واجتماعي، إلى جانب ضمان المساءلة عن الهجمات التي تستهدف المؤسسات التعليمية.

الحماية قبل الهجوم

وتتبنى المؤسسة تصورا يقوم على جعل النظام التعليمي قادرا على العمل حتى عندما تتعطل البيئة المحيطة به. فإذا تعرضت المدارس للتدمير أو الإغلاق أو الاحتلال، أو أصبح الوصول إليها غير آمن، ينبغي أن تكون هناك خطط تضمن عدم انقطاع الأطفال عن التعلم.

وتشمل هذه الخطط أنظمة للإنذار المبكر، وبنية تعليمية بديلة، وحلول التعليم عن بعد، والتخطيط للطوارئ، إلى جانب مسارات واضحة للتعافي بعد انتهاء الأزمة.

وفي هذا السياق، قالت المديرة التنفيذية لبرنامج حماية التعليم في ظل انعدام الأمن والنزاع بمؤسسة التعليم فوق الجميع، الدكتورة مليحة مالك، إن “بقاء التعليم في الأزمات لا يعتمد على الحماية القانونية وحدها”.

وأضافت أن استمرار التعليم يتطلب أيضا دعم المجتمعات والمعلمين والطلاب الذين يبتكرون وسائل للحفاظ على التعلم رغم النزاعات والنزوح وانعدام الأمن، معتبرة أن اليوم الدولي يشكل محطة عالمية لوضع الهجمات على المدارس والطلاب والمعلمين في إطار واضح للمساءلة.

مؤسسة قطر فوق الجميع تحيي اليوم الدولي لحماية التعليم من الهجمات وسيلة- جنوب السودان
الطالب علي من حنوب السودان (الجزيرة)

المدرسة طريق للنجاة

وخلف الأرقام والسياسات، تظهر قصص أطفال يكشف مسار حياتهم ماذا يعني أن يبقى باب المدرسة مفتوحا وسط الحرب. ففي جنوب السودان، تقدم وسيلة، اللاجئة من جبال النوبة في جنوب كردفان، مثالا لطفلة قطعت الحرب طريقها إلى التعليم سنوات طويلة.

كانت وسيلة في الرابعة من عمرها عندما فرت مع أسرتها تحت وقع القصف، لتبدأ رحلة نزوح انتهت في مخيمات اللجوء. واليوم، وهي في الـ15 من عمرها، تقترب من إنهاء المرحلة الابتدائية، وتُعد من الطالبات المتفوقات، وتحب الرياضيات، وتحلم بأن تصبح معلمة وتنقل المعرفة إلى إخوتها وأطفال مجتمعها.

وفي شمال شرق نيجيريا، تبرز قصة علي، الطفل النازح داخليا من ولاية بورنو، لتكشف بعدا مختلفا لحماية التعليم، يتعلق بالأطفال الذين يمكن أن تجعلهم ظروف الحرب والإعاقة خارج المنظومة التعليمية بالكامل.

فقد علي والديه في سن مبكرة، وعاش في بيئة متأثرة بالعنف وانعدام الأمن، كما واجه تحديات إضافية بسبب الإعاقة. وبعد أن كان يقضي أيامه خارج المدرسة، ساعده دعم مجتمعي وشراكة تعليمية على الالتحاق ببرنامج مناسب ثم الانتقال إلى التعليم النظامي، ليصبح قادرا على القراءة والكتابة، ويكوّن صداقات، ويحلم بأن يصبح طيارا.

المعلم في خط الحماية الأول

ولا تقتصر قدرة التعليم على الصمود على الطلاب أو المباني، إذ يمثل المعلم أحد أهم عناصر الحماية في البيئات المتأثرة بالنزاعات.

إعلان

وفي العراق، تقدم تجربة مازن رافد، المعلم من محافظة صلاح الدين، نموذجا لهذا الدور. فبعد مشاركته في تدريب متخصص على الدعم النفسي والاجتماعي، تغيرت نظرته إلى مهمته، وبدأ يعمل على جعل الفصل أكثر أمانا وراحة، مستخدما الأنشطة والألوان وأعمال الطلاب لتعزيز مشاركتهم وشعورهم بالطمأنينة.

كما أصبح أكثر قربا من الطلاب وأسرهم لفهم المشكلات التي يواجهونها، مدركا أن كثيرا من الأطفال يدخلون الفصل وهم يحملون آثار الخوف وعدم الاستقرار. وتظهر تجربته أن تمكين المعلم قد يحول المدرسة من مكان للتدريس فقط إلى مساحة للتعافي واستعادة الثقة.

الطالبة وسيلة (يسار) تقترب من إنهاء المرحلة الابتدائية بعد رحلة نزوح انتهت في مخيمات اللجوء
الطالبة وسيلة (يسار) تقترب من إنهاء المرحلة الابتدائية بعد رحلة نزوح انتهت في مخيمات اللجوء (الجزيرة)

التكنولوجيا جسر مؤقت

ومع تعذر الوصول إلى المدارس في كثير من مناطق النزاع، تبرز التكنولوجيا أداة إضافية لاستمرار التعليم، من خلال منصات التعلم عن بعد والمحتوى القابل للاستخدام دون اتصال بالإنترنت والنماذج التعليمية البديلة.

لكن مؤسسة التعليم فوق الجميع تؤكد أن هذه وسائل ينبغي أن تستخدم جسورا مؤقتة تحافظ على استمرارية التعلم، لا بديلا دائما عن المدرسة أو المعلم، مع ضمان العدالة في الوصول إليها حتى لا تتحول الأزمة إلى عامل يوسع الفجوة الرقمية بين الأطفال.

ويترافق إحياء اليوم الدولي هذا العام مع فعاليات في باريس وجنيف، أبرزها تفعيل بصري بعنوان “ممر المشاة” يحول أعداد الهجمات على التعليم إلى خط زمني مرئي.

وفي مقر اليونسكو بباريس، يقام التفعيل خلال الفترة من 9 إلى 13 سبتمبر/أيلول، مصحوبا بشاشة رقمية تعرض حقائق ورسائل حول حماية التعليم. وفي جنيف، يحضر التفعيل ضمن فعالية رفيعة المستوى في قصر الأمم، بمشاركة ممثلين عن الحكومات ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، إلى جانب عرض تجارب لمتعلمين ومجتمعات واصلت التعليم رغم النزاعات.

ومن خلال حملة (#معا_لحماية_التعليم)، تسعى المؤسسة إلى توسيع دائرة الالتزام الدولي بحماية التعليم قبل الأزمات وأثناءها وبعدها، انطلاقا من أن استهداف المدرسة لا يدمر مبنى فقط، بل يطال الطفولة والاستقرار والنسيج المجتمعي وفرص التعافي، ويضع مستقبل جيل كامل في مواجهة آثار حرب قد تمتد سنوات بعد توقف القتال.

 

المصدر: الجزيرة