أوروبا تبحث فرض قيود صارمة على استخدام الأطفال لمنصات التواصل

تتجه المفوضية الأوروبية إلى اتخاذ خطوات جديدة للحد من وصول الأطفال الصغار إلى منصات التواصل الاجتماعي، في تحرك يُعد من أكبر المبادرات الأوروبية حتى الآن لمواجهة المخاطر المرتبطة باستخدام الإنترنت من قبل القاصرين.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، اليوم الاثنين، إن الاتحاد الأوروبي سيعمل على وضع إجراءات تهدف إلى حماية الأطفال من التأثيرات السلبية لمنصات التواصل الاجتماعي، مع التركيز على تقليل تعرضهم للمحتوى الضار والممارسات الرقمية التي قد تؤثر في صحتهم النفسية وسلوكهم.

ويأتي التحرك الأوروبي في ظل تصاعد المخاوف بشأن الدور الذي تلعبه خوارزميات المنصات الرقمية في جذب المستخدمين الصغار وإبقائهم لفترات طويلة أمام الشاشات، إضافة إلى انتشار محتويات قد لا تكون مناسبة لأعمارهم، مثل التنمر الإلكتروني، والمحتوى العنيف، والمعلومات المضللة.

NEW YORK, USA, 25. MAY 2020: Instagram photo and video-sharing social networking service Children silhouette, sitting together and playing on their laptops. Company logo on screen in background
السلطات الأوروبية تخشى من تعرض الأطفال لمحتويات ضارة مثل التنمر الإلكتروني والمحتوى غير المناسب (شترستوك)

قيود عمرية جديدة

وبحسب تصريحات فون دير لاين، فإن الاتحاد الأوروبي يدرس اتخاذ إجراءات تحد من استخدام الأطفال الأصغر سنا لمواقع التواصل الاجتماعي في الدول الأعضاء الـ27، ضمن توجه أوسع لوضع معايير أوروبية موحدة لحماية القاصرين في البيئة الرقمية.

وتشير المقترحات المطروحة إلى إمكانية اعتماد نظام أكثر صرامة للتحقق من العمر، بحيث لا يتمكن الأطفال في مراحل عمرية معينة من الوصول الكامل إلى منصات التواصل إلا وفق شروط محددة، مثل موافقة الوالدين أو وجود ضوابط إضافية للحسابات.

ولا تستهدف الخطوة الأوروبية منع الأطفال من استخدام الإنترنت بشكل كامل، بل تهدف إلى إيجاد توازن بين الاستفادة من الأدوات الرقمية وحماية القاصرين من المخاطر المحتملة.

مواجهة نفوذ المنصات الكبرى

تأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه شركات التكنولوجيا الكبرى ضغوطا متزايدة من الحكومات والجهات التنظيمية حول العالم بشأن مسؤوليتها في حماية المستخدمين الأصغر سنا.

إعلان

وتتهم بعض الجهات التنظيمية منصات التواصل الاجتماعي باستخدام تصميمات وخوارزميات تشجع على زيادة وقت الاستخدام، عبر توصيات مستمرة للمحتوى والإشعارات المتكررة، وهو ما قد يؤدي إلى أنماط استخدام مفرطة لدى الأطفال والمراهقين.

كما يرى منتقدون أن بعض المنصات لا تبذل جهودا كافية للتحقق من أعمار المستخدمين أو منع القاصرين من الوصول إلى محتوى قد يضر بهم.

تجربة أوروبية أوسع

كما يأتي هذا التحرك ضمن توجه أوروبي أوسع لتنظيم الفضاء الرقمي، بعد دخول قوانين جديدة حيز التنفيذ تهدف إلى فرض مسؤوليات أكبر على شركات التكنولوجيا بشأن المحتوى وحماية المستخدمين.

ومن أبرز هذه التشريعات قانون الخدمات الرقمية للاتحاد الأوروبي، الذي يفرض على المنصات الرقمية الكبرى اتخاذ إجراءات للحد من المخاطر المرتبطة بالمحتوى، خصوصا ما يتعلق بحماية الأطفال.

ويرى مسؤولون أوروبيون أن حماية القاصرين أصبحت من أبرز تحديات العصر الرقمي، في ظل اعتماد الأطفال المتزايد على الهواتف الذكية والمنصات الاجتماعية في التعلم والتواصل والترفيه.

المقترحات تركز على مواجهة تأثير الخوارزميات التي تشجع المستخدمين على قضاء وقت أطول على المنصات الاجتماعية
المقترحات تركز على مواجهة تأثير الخوارزميات التي تشجع المستخدمين على قضاء وقت أطول على المنصات الاجتماعية (غيتي)

جدل حول الخصوصية والرقابة

وبالرغم من الدعم المتزايد لفكرة حماية الأطفال عبر الإنترنت، فإن فرض قيود عمرية صارمة يثير تساؤلات حول آليات التطبيق، خصوصا فيما يتعلق بالخصوصية وكيفية التحقق من أعمار المستخدمين دون جمع كميات كبيرة من البيانات الشخصية.

ويحذر بعض المدافعين عن الخصوصية من أن أنظمة التحقق من العمر قد تتحول إلى وسيلة لجمع بيانات حساسة عن المستخدمين، ما يتطلب وضع ضمانات قوية لحماية المعلومات الشخصية.

في المقابل، يرى مؤيدو القيود أن حماية الأطفال تبرر إيجاد حلول تقنية وتنظيمية جديدة، خاصة مع صعوبة اعتماد الآباء وحدهم على مراقبة استخدام أبنائهم للمنصات الرقمية.

اتجاه عالمي

ولا يقتصر الجدل حول استخدام الأطفال لمواقع التواصل الاجتماعي على أوروبا فقط، إذ تتجه دول أخرى إلى دراسة إجراءات مشابهة، وسط نقاش عالمي حول مسؤولية شركات التكنولوجيا عن تأثير منتجاتها في الفئات العمرية الأصغر.

وبينما تستعد المفوضية الأوروبية لتحديد تفاصيل الخطوات المقبلة، يبدو أن مستقبل علاقة الأطفال بمنصات التواصل الاجتماعي قد يشهد تغيرا كبيرا، مع انتقال النقاش من مجرد التوعية بالاستخدام الآمن إلى فرض قواعد قانونية تحدد من يمكنه الوصول إلى هذه المنصات وكيفية استخدامها.

 

المصدر: الجزيرة