إسرائيل تقصف الضاحية الجنوبية لبيروت.. هل تبدلت قواعد الاشتباك؟

بعد أيام فقط من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب توصله إلى تفاهم مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يمنع استهداف بيروت والضاحية الجنوبية، عادت الطائرات الإسرائيلية اليوم الأحد لتقصف الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية.

وهي خطوة أثارت تساؤلات حول مصير التفاهمات التي تحدث عنها ترمب، وحدود النفوذ الأمريكي على القرار الإسرائيلي، وما إذا كانت المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة من التصعيد تتجاوز قواعد الاشتباك التي حكمت المواجهة خلال الأشهر الماضية.

ويأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه الجبهة اللبنانية الإسرائيلية تصعيدا متدرجا منذ أسابيع، تخللته عمليات عسكرية للاحتلال وهجمات من حزب الله ردا على الخروقات الإسرائيلية المتكررة لتفاهمات وقف إطلاق النار.

كما يتزامن هذا مع محاولات دولية وإقليمية لاحتواء المواجهة ومنع تحولها إلى حرب شاملة، وهو ما جعل الضربة الإسرائيلية الأخيرة للضاحية الجنوبية حدثا يتجاوز أبعاده العسكرية المباشرة، ليطرح تساؤلات حول مستقبل جهود التهدئة، وقدرة الوسطاء الدوليين -ولا سيما الولايات المتحدة- على فرض التزاماتهم على الأطراف المتحاربة.

وهذا عرض لخلفيات استهداف الضاحية الجنوبية، والدلالات السياسية والعسكرية التي يحملها هذا التطور، وما قد يترتب عليه من تداعيات على مسار المواجهة بين إسرائيل وحزب الله.

ماذا حدث في الضاحية الجنوبية؟

شنّ سلاح الجو الإسرائيلي غارة على منطقة تحويطة الغدير في الضاحية الجنوبية لبيروت، قال الجيش الإسرائيلي إنها استهدفت “هدفا ثمينا” وبنية تحتية تابعة لحزب الله بناء على معلومات استخبارية.

ونقلت القناة الـ14 الإسرائيلية عن مسؤول أمني قوله إن الهجوم على الضاحية الجنوبية مرتبط بالموقع وليس بطبيعة الهدف نفسه.

وجاءت الغارة بعد ساعات من تصاعد المواجهات في جنوب لبنان، إذ أعلن حزب الله تنفيذ خمس هجمات على قوات الاحتلال ومواقعه، وقالت إسرائيل إنها اعترضت مقذوفين أُطلقا من الأراضي اللبنانية.

إعلان

وأعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو أن العملية نُفذت بتوجيه مباشر منه ومن وزير الدفاع يسرائيل كاتس، معتبرا أنها جاءت ردا على إطلاق النار من جانب حزب الله باتجاه إسرائيل.

لماذا استهداف الضاحية الآن؟

يرى الخبير العسكري والإستراتيجي اللبناني العميد حسن جوني في تصريح للجزيرة أن إسرائيل تسعى لنقل الأزمة إلى الدولة والمجتمع اللبناني حيث تسعى باستهداف الضاحية إلى نقل الصراع من مواجهة حزب الله وبيئته الحاضنة إلى مواجهة تشمل الدولة اللبنانية بكاملها وإلى شرائح أوسع من المجتمع اللبناني.

وأضاف أن “الضاحية الجنوبية تجاور مطار الدولة ومؤسساتها والقصر الجمهوري ومناطق يسكنها تنوع سكاني لبناني”.

بالإضافة إلى ذلك، فإن التطورات الميدانية الأخيرة تعكس عودة معادلة الردع التي سعت إسرائيل إلى ترسيخها خلال الأشهر الماضية، القائمة على أن أي استهداف لشمال إسرائيل سيقابله استهداف مباشر للضاحية الجنوبية لبيروت.

فبعد إعلان الجيش الإسرائيلي اعتراض صاروخين أُطلقا من لبنان باتجاه الجليل الأعلى، في أول حادثة من نوعها منذ إعلان وقف إطلاق النار الأخير، جاءت الغارة على الضاحية الجنوبية لتُفسَّر على أنها رسالة إسرائيلية مفادها أن توسيع نطاق الهجمات خارج جنوب لبنان سيؤدي إلى توسيع دائرة الأهداف داخل العمق اللبناني.

كما نقل موقع أكسيوس عن مصادر أن إسرائيل أبلغت إدارة ترمب أن “استمرار هجمات حزب الله على إسرائيل تمنحها الحق في ضرب بيروت”.

 

ماذا عن تعهدات ترمب؟

قبل أيام، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أنه أجرى اتصالا بنتنياهو وصفه بأنه مثمر، مؤكدا أن إسرائيل لن تهاجم حزب الله وأن الحزب لن يهاجم إسرائيل، وكشف عن تفاهم يقضي بعدم إرسال قوات إسرائيلية إلى بيروت ومنع استهداف العاصمة اللبنانية.

كما نقلت تقارير أن تل أبيب كانت تنتظر موافقة أمريكية قبل تنفيذ أي عملية واسعة ضد الضاحية الجنوبية، مما عزز الاعتقاد بأن واشنطن نجحت في فرض خطوط حمراء على العمليات الإسرائيلية داخل بيروت.

لكن الغارة الإسرائيلية الأخيرة تعكس انهيارا تاما لهذه التفاهمات أو إعادة تفسيرها إسرائيليا، بحيث تعتبر تل أبيب أن الرد على هجمات حزب الله يبرر تجاوز التعهدات السابقة، غير أن غياب الموقف الأمريكي الرسمي -حتى اللحظة- من الضربة يجعل من المبكر الجزم بما إذا كانت تمت بموافقة واشنطن أو خلافا لرغبتها.

هل من خطوط حمراء جديدة؟

تُظهر التطورات الأخيرة أن الخطوط الحمراء التي كانت قائمة منذ بداية المواجهة أصبحت أكثر هشاشة من أي وقت مضى.

فالضاحية الجنوبية كانت تُعد لفترة طويلة منطقة شديدة الحساسية، ويُنظر إلى استهدافها باعتباره تصعيدا استثنائيا قد يقود إلى ردود واسعة، كما أن انتقال العمليات الإسرائيلية من الجنوب إلى قلب الضاحية يرفع مستوى الأخطار السياسية والأمنية.

في المقابل، تبدو إسرائيل مصممة على فرض معادلة جديدة تقوم على توسيع نطاق الأهداف كلما اتسعت هجمات حزب الله، في حين يجد الحزب نفسه أمام تحدّي الحفاظ على قدرته الردعية من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تجر لبنان إلى حرب أوسع.

BEIRUT, LEBANON - APRIL 20: A man walks through the rubble of a building damaged by an Israeli air-strike while holding a Hezbollah flag in Beirut's southern suburb of Dahieh, on April 20, 2026 in Beirut, Lebanon. At 00:00 on April 17, a 10-day ceasefire took effect that is meant to pause fighting between Israeli forces and the Lebanese militant group Hezbollah. The agreement was announced the night before by U.S. President Donald Trump and described as a ceasefire between Israel and Lebanon; Hezbollah acknowledged the ceasefire but did not directly confirm it would abide by it. (Photo by Ryan Murphy/Getty Images)
لبناني يسير بين أنقاض مبنى تضرر جراء غارة جوية إسرائيلية حاملاً علم حزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت (غيتي)

هل استهداف الضاحية رسالة من نتنياهو للداخل بكسره القرار الأمريكي؟

نقلت وكالة رويترز عن مسؤول إسرائيلي كبير أن نتنياهو أبلغ ترمب أن تعليق الخطط العسكرية ضد بيروت لن يكون مجديا ما لم تتوقف هجمات حزب الله على شمال إسرائيل، مضيفا أن الرئيس الأمريكي أبدى تفهما لهذا الطرح.

إعلان

وهو ما يشير إلى وجود تباين في إدارة ملف التصعيد بين واشنطن وتل أبيب، في حين أثار الاتصال الذي أعلن فيه ترمب التوصل إلى تفاهم يقضي بوقف تبادل الضربات بين إسرائيل وحزب الله، جدلا سياسيا داخل إسرائيل، حيث انتقد معارضون وأطراف في الحكومة هذا المسار، معتبرين أنه يحد من حرية القرار الإسرائيلي لصالح واشنطن.

وفي السياق نفسه، وصف زعيم المعارضة يائير لبيد الوضع بأنه أقرب إلى “وصاية سياسية”، معتبرا أن نتنياهو يضع إسرائيل في موقع يعتمد بشكل متزايد على القرار الأمريكي.

السلطات اللبنانية تتمسك بمطلب تثبيت وقف إطلاق النار ووقف الاعتداءات الإسرائيلية (رويترز)

ما هو موقف الدولة اللبنانية؟

حتى الآن، يتمسك لبنان الرسمي بمطلب تثبيت وقف إطلاق النار ووقف الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على أراضيه.

وتشير المعطيات السياسية إلى أن الرئاسة اللبنانية والحكومة لا تزالان تراهنان على المساعي الدبلوماسية والإقليمية لاحتواء التصعيد، خصوصا في ظل الحديث عن اتصالات دولية وإقليمية مرتبطة بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

كما ينظر لبنان بقلق إلى استمرار الغارات الإسرائيلية وتوسع العمليات البرية في الجنوب، باعتبار أن ذلك يهدد الاستقرار الداخلي ويزيد من الضغوط الأمنية والاقتصادية على البلاد.

ما الردود الأولية؟

أثارت الغارة على الضاحية الجنوبية اهتماما واسعا داخل لبنان وخارجه، نظرا لتوقيتها الذي جاء بعد تصريحات ترمب مباشرة.

في الداخل الإسرائيلي، رافقت العملية حالة استنفار في الشمال، حيث طلبت جهات عسكرية من السكان الاستعداد لاحتمال تعرض المنطقة لهجمات صاروخية أو بطائرات مسيّرة من جانب حزب الله خلال الساعات القادمة.

إلى أين تتجه الأمور؟

يصعب الجزم بمسار الأحداث خلال الأيام المقبلة، لكن المؤكد أن الغارة على الضاحية الجنوبية تمثل نقطة تحول مهمة في مسار المواجهة.

فبينما تسعى إسرائيل إلى استثمار تفوقها العسكري والميداني للضغط على حزب الله والدولة اللبنانية، يواجه الحزب اختبارا يتعلق بكيفية الرد من دون فتح الباب أمام حرب شاملة.

وفي الوقت نفسه، تبدو التفاهمات التي تحدث عنها ترمب أمام اختبار حقيقي، بعدما أظهرت التطورات الميدانية أن أي اتفاقات سياسية تبقى رهينة ميزان القوة على الأرض، وأن احتمالات التصعيد لا تزال قائمة ما دامت المواجهات مستمرة على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية.

 

المصدر: الجزيرة