في لحظة تجسد أقصى درجات المشاعر الإنسانية الممزوجة بمرارة الغياب وحلاوة اللقاء، أُسدل الستار على واحدة من أطول قضايا الخطف وأكثرها تعقيدا في مصر، فبعد 43 عاما من التيه والبحث المضني، تمكن الشاب “إسلام”، الذي عُرف في وسائل الإعلام بلقب ضحية “عزيزة بنت إبليس”، من العثور على هويته الحقيقية وعائلته الأصلية، ليطوي صفحة مؤلمة بدأت من داخل إحدى مستشفيات الإسكندرية.
اقرأ أيضا
list of 1 item
end of list
قصة عناق بعد عقود طويلة
بدأت خيوط الحقيقة تتكشف حين ظهر الشاب في بث مباشر عبر حسابه على تطبيق “تيك توك”، ليعلن لآلاف المتابعين أن اسمه الحقيقي هو “محمد”، وأنه تعرض للاختطاف في طفولته، وأوضح الشاب أنه نجح في الوصول إلى أسرته بعد ثبوت تطابق نتائج تحاليل البصمة الوراثية، والتي أكدت انتماءه لعائلة ليبية مصرية، تتكون من أب ليبي وأم مصرية، وتضم 20 من الأشقاء والشقيقات، وتتوزع إقامتهم بين دولة ليبيا ومنطقة العامرية في محافظة الإسكندرية.
وكانت أسرة محمد تقيم في الإسكندرية قبل واقعة اختفائه الغامضة، غير أنها عادت إلى ليبيا بعد أن خيّم اليأس عليها وفقدت الأمل في العثور عليه.
وعاش محمد طيلة هذه العقود معتقدا أن السيدة التي ربته هي والدته، ولم يكتشف أنه مخطوف إلا بعد إلقاء القبض عليها.
ومنذ تلك اللحظة، خاض رحلة بحث قاسية، أجرى خلالها نحو 57 فحصا للحمض النووي مع 57 عائلة اعتقدت أنه نجلها المفقود، وخلال البث المباشر، ظهر محمد برفقة عدد من أشقائه، وعبّر عن مشاعر مختلطة بين الفرح والصدمة، مشيرا إلى أن نتيجة التحاليل وصلته في وقت متأخر من الليل، مما جعله غير قادر على استيعاب الموقف.
تفاصيل جرائم “بنت إبليس”
تعود الجذور المأساوية لهذه القصة إلى ثمانينيات القرن الماضي، وترتبط بامرأة تُدعى عزيزة، ارتبط اسمها بإحدى أخطر قضايا خطف الأطفال حديثي الولادة في مصر، حتى أطلقت عليها الصحافة لقب “بنت إبليس”.
وفي القضية الأصلية، عانت عزيزة من عيب خلقي يمنعها من الإنجاب، وهو ما دفعها إلى اللجوء إلى حيلة صادمة لإخفاء هذا الأمر عن المجتمع؛ حيث كانت توهم من حولها بأنها حامل، مستخدمة القطن والقماش أسفل ملابسها لتبدو بطنها منتفخة، وتحسب الشهور بدقة متناهية ليصدق الجميع قصة حملها.
وعندما تقترب من الشهر التاسع، كانت تبدأ في تنفيذ خطتها، فتتردد على المستشفيات والمناطق الشعبية للبحث عن طفل حديث الولادة يمكن خطفه، وفي بعض الأحيان، كانت تنتحل صفة موظفة في جهة حكومية، وتقنع الأمهات بترك أطفالهن لدقائق لإنهاء بعض الإجراءات، لتختفي بعدها وفي صحبتها الرضيع.
وبهذه الطريقة تمكنت عزيزة من خطف عدة أطفال من محافظات مختلفة، قبل أن تسقط في قبضة الشرطة، ويُحكم عليها بالسجن مدة 6 سنوات، لتنهي حياتها في عام 2016 وتترك خلفها جروحا غائرة في نفوس ضحاياها.
“حكاية نرجس” يحقق نهاية سعيدة
تزامنت عودة محمد إلى أسرته مع تجدد الاهتمام بقصته، إثر عرض مسلسل “حكاية نرجس” ضمن دراما رمضان لعام 2026، وقد استلهم المخرج سامح علاء أحداث مسلسله من الواقع، وعلى وجه التحديد من قصة “بنت إبليس”، ليعيد طرح حكاية قاسية عن أمومة مزيفة وجريمة تختبئ خلف رغبة جامحة في ممارسة دور الأم بأي ثمن.
ويُعد المسلسل من الأعمال التي تناولت قضايا اجتماعية وإنسانية معقدة، وسلط الضوء على معاناة الأسر جراء فقدان الأبناء وتأثير ذلك على الاستقرار النفسي.
ولاقى العمل إشادة واسعة من المتابعين، إذ أسهم في تحريك الرأي العام وإعادة إحياء القضية، مما ساعد في الوصول إلى الحقيقة.
المصدر: الجزيرة