رغم الإعلان الإيراني العُماني عن بحث صيغة جديدة لإدارة العبور في مضيق هرمز، لا يزال السؤال قائما عن مدى إمكانية عودة الملاحة في الممر المائي الإستراتيجي بشكل دائم.
ففي حين يدور الحديث عن تفاهم مرحلي ومفاوضات بشأن مسار مؤقت، يخلق الواقع الميداني وهواجس المنطقة والحصار البحري الأمريكي تحديا كبيرا يتمثل في إنتاج معادلة تجمع بين أمن الملاحة وحريتها في المضيق، حسب تقرير أعده عبد القادر عراضة لقناة الجزيرة.
وكانت الملاحة أول ضحايا الحرب الأمريكية الإيرانية التي بات المضيق واحدا من أهم ساحاتها حيث فرضت طهران مسارا محددا ومشروطا فيما حاولت الولايات المتحدة فرض عبور بالقوة وتحت حمايتها.
ومع تصاعد التوتر وتبادل الضربات، حاولت سلطنة عمان فتح ما يعرف بالممر الجنوبي الذي أثار حفيظة طهران فيما استخدمت مسارات أخرى كان آخرها مسار سري يقول التقرير إنه مدعوم من الولايات المتحدة.
وبينما تؤكد إيران سيطرتها على حركة العبور في المضيق، وترد الولايات المتحدة بأنها هي من يتحكم في حركة السفن، تحاول كل من طهران ومسقط إيجاد صيغة جديدة لإدارة العبور في هرمز.
وفي بيان مشترك، أعلن البلدان إطارا مرحليا قالا إنه ربما يوفر أساسا عمليا وقابلا للتنفيذ، ويتضمن إنشاء ممر مؤقت مشترك للملاحة في مضيق هرمز، وتنفيذ مشروع مشترك لتطهير المضيق من الألغام.
ومن المقرر أن تستهدف المفاوضات الفنية الاتفاق على ممر دائم للملاحة وإدارة المضيق مستقبلا، وقد تحدث كاظم غريب آبادي، نائب وزير الخارجية الإيراني، عن احتمال استمرار المفاوضات لشهر أو اثنين.
بنود التفاوض
وستبحث المفاوضات الإيرانية العمانية مسارا بديلا للمسار التاريخي يبلغ عرضه 7 أميال، على أن يكون مسار الدخول وجزء من مسار الخروج في المياه الإيرانية الإقليمية، حسب التقرير.
لكن غريب آبادي ربط تفعيل المسار المشترك بإغلاق المسار الجنوبي الذي قال إنه ينتهك البند الخامس من مذكرة التفاهم الموقعة مع الولايات المتحدة.
ولا يعني ما أعلنته مسقط وطهران عودة هرمز إلى وضعه السابق حين كان نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية تمر في مسار دولي واضح وبلا رسوم، تنظمه القوانين الدولية كقانون البحار.
تحديات الملاحة
وبعيدا عن هذه المفاوضات، تظل الألغام التي زرعتها طهران في المضيق عقدة أساسية، وهو ما أكده نائب وزير الخارجية الإيراني بقوله إن هرمز “غير آمن للعبور بسبب الألغام وإجراءات إيران العسكرية المضادة”.
فلا أحد يعرف مواقع هذه الألغام سوى الإيرانيين، حسب غريب آبادي، الذي قال إن كاسحات الألغام الأمريكية ستكون أهدافا جيدة لو اقتربت من المضيق، حسب تعبيره. في المقابل، أعلن الرئيس الأمريكي أن البحرية الأمريكية أبلغته بإزالة أو تفجير جميع الألغام في المياه الدولية بمضيق هرمز.
وحتى لو تمت إزالة الألغام من المضيق فإن هذا لا يعني ضمان أمن الملاحة بشكل كامل، فالمخاطر تشمل أيضا الهجمات على السفن وأمن الاتصالات والمراقبة، فضلا عن التأمين البحري وقواعد التعامل مع السفن أثناء العبور.
ونقل موقع أكسيوس عن مسؤولين أمريكيين أن أكثر من 500 سفينة عبرت مضيق هرمز خلال الـ30 يوما الأخيرة، لم تتعرض سوى نحو 2% منها لهجمات بطائرات مسيرة أو صواريخ إيرانية.
وفي الوقت الذي كانت فيه مفاوضات إيران وعُمان مستمرة، كانت هناك آلية أخرى تعمل على الأرض، وتمثلت في ممر شحن سري أنشأته الولايات المتحدة في الجزء الجنوبي من المضيق بمحاذاة الساحل العماني.
فحسب أكسيوس ومصادر أمريكية، كانت ما بين 15 و20 ناقلة نفط تعبر يوميا عبر هذا المسار ضمن عملية منسقة عسكريا مع توفير حماية جوية للسفن. وقد قدر وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت، متوسط النفط الخارج عبر المضيق خلال أسبوع بنحو 8 ملايين برميل يوميا.
وردا على هذه المعلومات، قال المتحدث باسم الجيش الإيراني إن مناطق شرق مضيق هرمز وشمال المحيط الهندي وبحر العرب وبحر عُمان تخضع للسيطرة العملياتية الإيرانية، وإن السفن تخضع لمراقبته قبل وصولها لمضيق هرمز بمئات الكيلومترات.
كما شدد المقترح العُماني الإيراني المعلن على ضمان الملاحة الآمنة والحفاظ على سيادة البلدين وحقوقهما السيادية، واحترام القانون الدولي والحقوق السيادية للدول المشاطئة للمضيق وخوض محادثات مشتركة معها، بيد أن الاختبار الحقيقي لذلك يبدو في كيفية ترجمة هذه المبادئ إلى حركة فعلية آمنة وحرة.
وتعليقا على المفاوضات الإيرانية العُمانية، قالت أستاذة العلوم السياسية بجامعة طهران عاطفة طغياني، إن البلدين توصلتا على ما يبدو لاتفاق يحمل توافقا على مستوى أعلى من السيطرة الإيرانية على المضيق حتى تتمكن السفن من المرور البريء.
وأضافت في مقابلة مع الجزيرة “يبدو أن الاتفاق يتضمن دفع رسوم خدمية، لأن مسقط لا تعلن عن اتفاقات دون تفاهم مع الولايات المتحدة والدول الفاعلة في المنطقة”.
لكن طغياني تحدثت عن مطالبة إيرانية بالتزام أمريكا بالإفراج عن أصول طهران المجمدة ورفع بعض العقوبات عن القطاع النفطي، ووقف مجابهة طهران على جبهات مختلفة، قائلة “ربما هناك نوع من الاتفاق، لكن المهم هو التنفيذ الفعلي”.
وتوقع خبير الشؤون الإستراتيجية والعسكرية ريتشارد وايتز، أن يكون الأمر كذلك، لكنه أشار إلى أن الرئيس دونالد ترمب قال في السابق إنه لن يقبل بهذه الشروط، مما يعني أنه “ربما يريد مشاركة خليجية أوسع مع إيران في هذا الاتفاق وليس الاكتفاء بعُمان فقط”.
فعُمان -كما قال وايتز للجزيرة- تجد نفسها عالقة بين كل هذه التفسيرات والمصالح المتضاربة بين إيران ودول الخليج الأخرى خصوصا فيما يتعلق بطريقة العبور في المضيق.
رهان الوقت
وفيما يتعلق بالموقف الحالي، قالت طغياني إن الأمريكيين دخلوا وهم يعتقدون أنهم سيخوضون حربا وجيزة فيما نجح الإيرانيون في جعلها حربا طويلة الأمد.
وأضافت أن إيران تستعد لحرب قد يطول أمدها، مشيرة إلى أن هذا الأمر يمثل نقطة ضعف للولايات المتحدة التي تواجه تحديات اقتصادية وأمنية تدفعها لمحاولة تعزيز أي انشقاق قد يحدث في إيران. ولفتت إلى أن الإيرانيين يحاولون في المقابل جر الأمريكيين لحرب متعددة الجوانب وطويلة الأمد، لأنهم يعرفون أنهم لن يتمكنوا من إلحاق هزيمة عسكرية مباشرة بالولايات المتحدة.
أما وايتز فيرى أن واشنطن لا تزال هي الأخري تراهن على الضغط العسكري لانتزاع تنازلات إيرانية، اعتمادا على قوة الاقتصاد الأمريكي وعرقلة صادرات النفط الإيراني.
فقد خلصت الإدارة الأمريكية على ما يبدو إلى أن الحكومة الإيرانية لن تكون قادرة على توفير سبل العيش المقبولة لمواطنيها إذا بقي الوضع على ما هو عليه الآن، بحسب وايتز، الذي قال إن زيادة الضغط ربما تنتج انقسامات في النخبة الإيرانية التي يرغب بعضها في بناء اقتصاد البلاد بشكل سريع ومن بينهم الرئيس مسعود بزشكيان.
المصدر: الجزيرة