اشتباكات هرمز.. هل تُرسم قواعد “الردع” الجديدة بالبارود؟

تباينت مواقف واشنطن وطهران بشأن طبيعة التحركات العسكرية الأخيرة في الخليج، في وقت تتواصل فيه الضغوط الأمريكية على إيران وسط تعثر المسار التفاوضي وتصاعد التوتر في مضيق هرمز.

وقال خبير الأمن والإستراتيجية العسكرية في مؤسسة “ويكيسترا” الأمريكية ريتشارد وايتس إن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن الضربات الأخيرة ضد إيران “ليست سوى صفعة خفيفة” تعكس رغبة الإدارة الأمريكية في تجنب التصعيد الواسع، معتبرا أن واشنطن تريد تقديم ما جرى على أنه “تحرك دفاعي محدود زمانيا ومكانيا”.

وأوضح وايتس للجزيرة أن الضربات “صُممت للرد على الهجمات التي استهدفت السفن”، مؤكدا أن الإدارة الأمريكية لا تسعى -حسب تقديره- إلى “شن هجوم واسع النطاق أو السيطرة على جزر إيرانية”، مضيفا أن هذه هي الرسالة التي تحاول واشنطن إيصالها إلى الإيرانيين.

ومساء الخميس، دوّت أصوات انفجارات في جنوب إيران، تلاها اتهام مقر خاتم الأنبياء الإيراني للجيش الأمريكي بانتهاك وقف إطلاق النار، بشنّه غارات على مناطق ساحلية بعد استهدافه ناقلة نفط وسفينة إيرانية بمضيق هرمز.

لكن الولايات المتحدة قالت إن إيران هي من شنت هجوما على القوات الأمريكية في مضيق هرمز، مما دفعها للرد بضربات وصفتها بـ”الدفاعية”.

في المقابل، رأى الباحث في مركز الشرق الأوسط للدراسات الإستراتيجية بطهران عباس أصلاني أن إيران تنظر إلى التحركات الأمريكية باعتبارها “تصعيدا محدودا ومدروسا”، مشيرا إلى أن واشنطن “لا تريد توسيع المواجهة إلى نطاق إقليمي شامل”.

وأضاف أصلاني للجزيرة أن الوضع الحالي يعكس “حالة مراوحة ومأزقا تفاوضيا”، مؤكدا أن إيران لا تزال تعتبر أن مضيق هرمز “لم يُفتح فعليا”، وأن ترمب “يحاول رفع مستوى التوتر بطريقة محسوبة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة”.

وأشار إلى أن طهران لا تزال تراجع الرد على المقترح الأمريكي، مضيفا أن “إيران تريد كسر الحصار البحري المفروض عليها”، لافتا إلى أن التحركات التي قامت بها البحرية الإيرانية أخيرا “لن تكون الأخيرة”.

رسائل أمريكية

وفيما تحدث ترمب عن “جدار فولاذي” يحاصر إيران بحريا، دعا في الوقت ذاته طهران إلى الرد سريعا على المقترح الأمريكي، وهو ما اعتبره مراقبون تناقضا يعكس “ضبابية” في الموقف الأمريكي.

إعلان

وردا على ذلك، قال وايتس إن الإدارة الأمريكية “تحاول الموازنة بين الضغط والانفتاح على الحوار”، موضحا أن واشنطن ترغب في التفاوض لكنها لا تريد أن تبدو “بمظهر الضعف”.

وأضاف أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى تقديم “بعض الحوافز” للإيرانيين، بالتوازي مع الإبقاء على مستوى من الضغط، لكن “ليس إلى الحد الذي يقود إلى حرب واسعة”.

وفي السياق ذاته، اعتبر وايتس أن ترمب يستخدم لغة التهديد لدفع إيران إلى العودة إلى طاولة التفاوض وتقديم تنازلات، قائلا إن الرئيس الأمريكي “يعتقد أن هذا النوع من التهديدات سيشجع الإيرانيين على التفاوض”.

لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن هذه التهديدات “لم تتحول إلى خطوات عملية خلال الأشهر الماضية”، معتبرا أن ترمب يعتقد أن التشدد اللفظي ضروري لإبقاء إيران داخل المسار التفاوضي خلال فترة رئاسته.

“لا تنازلات”

من جهته، أكد أصلاني أن طهران ترى أن الكرة ليست في ملعبها وحدها، بل إن الولايات المتحدة مطالبة أيضا بإظهار مرونة.

وأوضح أن كلا الطرفين “يصر على مواقفه”، مما يفسر غياب أي تقدم حقيقي في المفاوضات حتى الآن، مضيفا أن إيران “لن تقدم استسلاما كاملا دون مرونة أمريكية مقابلة”.

وأشار إلى أن تصريحات النائب الأول للرئيس الإيراني محمد رضا عارف بشأن “الاحتفال قريبا بانتصار إيران” تستند -وفق تعبيره- إلى قناعة إيرانية بأن المواجهة الأخيرة “لم تكشف عن ضعف أو خسارة من الجانب الإيراني”.

وأكد أصلاني أن إيران تعتبر نفسها قادرة على مواصلة سياسة “اقتصاد المقاومة”، رغم الضغوط والحصار البحري، معربا عن قناعته بأن إيران تعتقد أن بإمكانها “تحمل الصدمات الحالية مهما كان مستوى الضغط”.

“رفع الحصار ممكن”

ومن جانبه، اعتبر جون ميلر، القائد السابق للأسطول الخامس الأمريكي، أن الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة ضد أهداف إيرانية جاءت “ردا” على هجمات استهدفت سفنا حربية ومدنية أمريكية أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز، مؤكدا أن وقف إطلاق النار بين الجانبين لا يزال قائما رغم استمرار الخروقات المتبادلة.

وأوضح ميلر للجزيرة أن المرحلة الحالية تشهد بالفعل “عددا من الخروقات” من الطرفين، لكنه أشار إلى أن كلا من واشنطن وطهران “أبلتا بلاء حسنا” في محاولة منع الأمور من الانزلاق نحو تصعيد واسع قد يؤدي إلى انهيار التهدئة بالكامل.

وأضاف أن الولايات المتحدة تحاول تأمين الملاحة في المضيق، بينما يرى الجانب الأمريكي أن الرد الإيراني تمثل في استهداف البوارج الأمريكية وتنفيذ عمليات هجومية.

وفي معرض رده على الطرح الإيراني الذي يعتبر الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية خرقا لاتفاق وقف إطلاق النار، قال ميلر إن الاتفاق “وُضع بسرعة ولم يكن شاملا بشكل كامل”، معتبرا أن نصوصه القانونية تحتمل كثيرا من التفسيرات.

وأشار إلى أن الطرفين لا يزالان يقران بوجود وقف لإطلاق النار رغم استمرار الحوادث الميدانية، موضحا أن الحصار البحري المفروض على إيران “جاء ردا على فشل طهران في فتح مضيق هرمز”.

ووفق ميلر، فإن رفع الحصار قد يصبح ممكنا “عندما يُفتح المضيق دون تدخل من الحرس الثوري الإيراني”، بما يسمح لجميع السفن باستخدام الممر المائي بشكل طبيعي وآمن.

إعلان

والأربعاء، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، تعليقا مؤقتا لـ”مشروع الحرية” الذي أطلقه الاثنين، بهدف إخراج سفن الدول “المحايدة” العالقة في مضيق هرمز، بادعاء “وجود تقدم كبير نحو التوصل لاتفاق شامل” مع إيران.

 

المصدر: الجزيرة